أبو الزهراء الشافعي
04-26-2005, 04:51 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم اغفر وارحم وسدد, أخوتي الكرام فهذه فوائد ودرر أضعها هنا في ملتقانا المبارك وأسأل الله أن ينفع بها, وهي درر من شيخنا عبد القادر فك الله أسره.
قابلة للنقاش بل وللرد إن خالفت دليلاً. وقد قمت بوضع كل فائدة في ملف مرفق على حدا.
قال أيده الله:
{{لا حجة في قول الصحابي إذا خالفه صحابي آخر:
اختلاف أقوال الصحابة في التفسير نوعان:
1 ــ النــوع الأول: اختــلاف تنــوع: حيـث يكـون القــولان صحيحين في المعنى أو يرجعان إلى معنى واحد، وإنما اختلف القولان ــ أو الأقوال ــ لأسباب منها:
السـبب الأول: ذِكـر بعـض أنـواع المسمـى وأقسامـه: كقولهم في الطاغـوت: إنه الشيطان أو الكاهن أو الصنم وهذا كله صواب ويرجع إلى أصل واحد وهو كل ماعُبِدَ من دون الله.
السبب الثاني:التعبير عن الاسم الواحد بألفاظ مترادفة، كالصارم والمهنَّد أسماء للسيف.
قال ابن تيمية رحمه الله (وهـذان الصنفـان اللـذان ذكرناهما في تنـوع التفسـير:
تارة لتنوع الأسماء والصفات، وتارة لذكر بعض أنواع المسمى وأقسامه، كالتمثيلات، هما الغالب في تفسير سلف الأمة الذي يُظن أنه مختلف) (مجموع الفتاوى) 13/ 340.
2 ــ النــوع الثــانـي: اختـلاف التضـاد: حيـث يتعـارض القـولان تعـارضـا حقيقيـا لا يمكن معـه الجمع أو التوفيق بينهما، ولابد أن يكون أحدهما صوابا والآخر خطأ، وهذا بالنسبة لأقوال الصحابة إذ لابد أن يكون الحق في أحدها لايخرج عنها كما سأذكره في المقدمة الرابعة.
فـإذا تعارضت أقـوال الصحابـة فـلا حجـة في أحـدهـا ووجـب التـرجيـح بينهـا، هـذا قـول الأئمـة الأربعة وجماهير العلماء:
قال أبو عمر بن عبدالبر (وقد روي السمتي عن أبي حنيفة أنه قال في قولين للصحابة: أحد القولين خطأ والمأثم فيه موضوع) (جامع بيان العلم) 2/ 83. وقوله (والمأثم فيه موضوع) لأنه مجتهد مخطيء وهذا له أجر واحد كما ثبت في الصحيح.
وقال ابن عبدالبر (عن مالـك أنه قال في اختـلاف أصحـاب رسـول الله صلى الله عليه وسلم: مخطيء ومصيب فعليك بالاجتهاد) (جامع بيان العلم) 2/ 81، وقوله (فعليك بالاجتهاد) أي للترجيح بينهما لمعرفة المخطيء من المصيب.
قال الشافعي رحمه الله (أرأيـت أقـاويـل أصحـاب رسول الله إذا تفرقوا فيها؟ فقلت: نصير منها إلى ماوافق الكتاب أو السنة أو الإجماع أو كان أصح في القياس)
(الرسالة) بتحقيق أحمد شاكر، صـ 596 ــ 597.
وقال ابن القيم في كلامه عن أصول مذهب الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله (الأصل الثالث من أصوله: إذا اختلف الصحابة تخيَّر من أقوالهم ماكان أقربها إلى الكتاب والسنة، ولم يخرج عن أقوالهم، فإن لم يتبين له موافقة أحد الأقوال حكى الخلاف فيها ولم يجزم بقول) (اعلام الموقعين) 1/ 31.
وقال ابن تيمية رحمه الله (وأما أقـوال الصحابـة: فـإن انتشـرت ولـم تُنكـر في زمانهـم فهى حجة عند جماهير العلماء، وإن تنازعوا رُدَّ ماتنازعوا فيه إلى الله والرسول، ولم يكن قول بعضهم حجة مع مخالفة بعضهم له باتفاق العلماء) (مجموع الفتاوى) 20/ 14.
وقال ابن تيمية أيضا (ومن قال من العلماء إن قول الصحابي حجة فإنما قاله إذا لم يخالفه غيره من الصحابة ولا عُرف نصٌ يخالفه ــ إلى قوله ــ وأما إذا عرف أنه خالفه فليس بحجة ٍ بالاتفاق) (مجموع الفتاوى) 1/ 283 ــ 284.
وقال الشوكاني في (السيل الجرار) (تفسير الصحابي للآية لاتقوم به الحجة لاسيما مع اختلافه) أهـ نقلا عن (أبجد العلوم) لصديق حسن خان، 1/ 444، ط دار الكتب العلمية.
قال أبو عمر بن عبد البر رحمه الله («باب جامع بيان مايلزم الناظر في اختلاف العلماء ».
قال أبو عمـر: اختلـف الفقهــاء في هذا الباب على قولين: أحدهما أن اختلاف العلماء من الصحابة ومن بعدهم من الأئمة رحمة واسعة وجائز لمن نظر في اختلاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأخذ بقول من شاء منهم، وكذلك الناظر في أقاويل غيرهم من الأئمة مالم يعلم أنه خطأ فإذا بان له أنه خطأ لخلافه نص الكتاب أو نص السنة أو إجماع العلماء لم يسعه اتباعه. فإذا لم يبين له ذلك من هذه الوجوه جاز له استعمال قوله وإن لم يعلم صوابه من خطئه وصار في حيز العامة التي يجوز لها أن تقلد العالم إذا سألته عن شئ وإن لم تعلم وجهه. هذا قول يروى معناه عن عمر بن عبدالعزيز والقاسم بن محمد وعن سفيان الثوري إن صح وقال به قوم، ومن حجتهم على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم «أصحابي كالنجوم فبأيهم اقتديتم اهتديتم»، وهذا مذهب ضعيف عند جماعة من أهل العلم وقد رفضه أكثر الفقهاء وأهل النظر ــ إلى أن قال ــ وأما مالك والشافعي ومن سلك سبيلهما من أصحابهما وهو قول الليث بن سعد والأوزاعي وأبي ثور وجماعة أهل النظر أن الاختلاف إذا تدافع فهو خطأ وصواب. والواجب عند اختلاف العلماء طلب الدليل من الكتاب والسنة والإجماع والقياس على الأصول منها وذلك لايُعدَم، فإن استوت الأدلة وجب الميل مع الأشبه بما ذكرنا بالكتاب والسنة، فإذا لم يبين ذلك وجب التوقف ولم يجز القطع إلا بيقين، فإن اضطر أحد إلى استعمال شئ من ذلك في خاصة نفسه جاز له مايجوز للعامة من التقليد واستعمل عند افراط التشابه والتشاكل وقيام الأدلة على كل قول بما يعضده قوله صلى الله عليه وسلم «البر مااطمأنت إليه النفس والإثم ماحاك في الصدر، فدع مايريبك لما لا يريبك» هذا حال من لا يمعن النظر. وأما المفتون فغير جائز عند أحد ممن ذكرنا قوله أن يفتي ولا يقضي حتى يتبين له وجه ما يفتي به من الكتاب أو السنة أوالإجماع أو ما كان في معنى هذه الأوجه.
إلى أن قال أبو عمر (باب ذكر الدليل في أقاويل السلف على أن الاختلاف خطأ وصواب، يلزم طلب الحجة عنده، وذِكْر بعض ماخطَّأ فيه بعضهم بعضاً وأنكره بعضهم على بعض عند اختلافهم وذِكر معنى قوله صلى الله عليه وسلم «أصحابي كالنجوم»).
ثم روي أبو عمر بإسناده عن سعيد بن جبير قال قلت لابن عباس: إن نوفاً البكالي يزعم أن موسى صاحب الخضر ليس موسى بني إسرائيل، فقال: كذب، حدثنا أُبيّ بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم فذكر الحديث بطوله،
قال أبو عمر:قد رد أبو بكر الصديق رضي الله عنه قول الصحابة في الردة وقال: والله لو منعوني عقالاً مما أعطوه رسول الله صلى الله عليه وسلم لجاهدتهم عليه،
وقطع عمر بن الخطاب اختلاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في التكبير على الجنائز وردهم إلى أربع،
وسمع سلمان بن ربيعة وزيد بن صوحان الضبي بن معبد مهلا بالحج والعمرة معا، فقال أحدهما لصاحبه: لَهَذا أضل من بعير أهله، فأخبر بذلك عمر فقال: لو لم يقولا شيئا هديت لسنة نبيك،
وردَّت عائشة قول أبي هريرة تقطع المرأة الصلاة، وقالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي وأنا معترضة بينه وبين القبلة،
وردت قول ابن عمر الميـت يعذب ببكاء أهله عليه، وقالت: وَهِم أبو عبدالرحمن أو أخطأ أو نسي،
وكذلك قالت له في عُمَر رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ زعم ابن عمر أنه اعتمر أربع عمر، فقالت عائشة: هذا وهم منه على أنه قد شهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عمره كلها مااعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا ثلاثا،
وأنكر ابن مسعود على أبي هريرة قوله من غَسَّل ميتا فليغتسـل ومن حملـه فليتوضـأ وقال فيه قولاً شديدا وقال ياأيها الناس لاتنجسوامن موتاكم،
وقيل لابن مسعود إن سلمان بن ربيعة وأبا موسى الأشعري قالا في بنت وبنت ابن وأخت أن المال بين البنت والأخت نصفان ولا شئ لبنت الابن وقالا للسائل وائت ابن مسعود فإنه سيتابعنا،
فقال ابن مسعود: لقد ضللت إذا وما أنا من المهتدين بل أقضي فيها بقضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم للبنت النصف ولابنة الابن السدس تكملة للثلثين ومابقي فللاخت،
وأنكر جماعة أزواج النبي صلى الله عليه وسلم على عائشة رضاع الكبير ولم تأخذ واحدة منهن بقولها في ذلك،
وأنكر ذلك أيضا ابن مسعود على أبي موسى الأشعري وقال إنما الرضاعة ماأنبت اللحم والدم فرجع أبو موسى إلى قوله،
وأنكر ابن عباس عَلَى عَلِي أنه أحرق المرتدين بعد قتلهم، واحتج ابن عباس بقوله صلى الله عليه وسلم «من بّدل دينه فاضربوا عنقه» فبلغ ذلك عليا فأعجبه قوله،
قال أبو عمر لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقل فاضربوا عنقه ثم أحرقوه.
إلى أن قال أبو عمر: هذا كثير في كتب العلماء وكذلك اختلاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعين ومن بعدهم من المخالفين ومارَدّ فيه بعضهم على بعض لا يكاد يحيط به كتاب فضلا عن أن يجمع في باب وفيما ذكرنا منه دليل على ماعنه سكتنا، وفي رجوع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بعضهم إلى بعض، ورَدّ بعضهم على بعض دليل واضح على أن اختلافهم عندهم خطأ وصواب ــ إلى أن قال ــ والصواب مما اختُلِفَ فيه وتَدَافَعَ وجه واحد، ولو كان الصواب في وجهين متدافعين ما خطأ السلف بعضهم بعضا في اجتهادهم وقضائهم وفتواهم، والنظر يأبى أن يكون الشئ وضده صوابا كله. ــ إلى قوله ــ وقال أشهب: سمعت مالكا يقول: ما الحق إلا واحد، قولان مختلفان لايكونان صواباً جميعا، ما الحـق والصواب إلا واحد. قال أشهب: وبه يقول الليث. قال أبو عمر: الاختلاف ليس بحجة عند أحد علمته من فقهاء الأمة إلا مــن لابصـر لــه ولا معرفـة عنـده ولا حجـة في قـوله) (جـامـع بيـان العلـم) 2/ 78 ــ 90. أمـا حـديــث (أصحابي كالنجوم بأيِّهم اقديتم اهتديتم) فقد قال البزار وابن عبدالبر إن هذا الحديث لايصح (جامع بيان العلم) 2/ 90 ــ 91، وقال ابن حزم إنه حديث ساقط موضوع بلاشك (الإحكام) له، 5/ 73 و 6/ 82 ــ 83.
وفي مسألة حجية أقوال الصحابة يُراجع أيضا (الإحكام) للآمدي، 4/ 155 ــ 160، و (الإحكام) لابن حزم، 5/ 67 ــ 68، و (ارشاد الفحول) للشوكاني صـ 226، و (اعلام الموقعين) لابن القيم، 4/ 118 ــ 155.}}
قال أبو الزهراء, الفوائد تتبع بإذن الله, وهذه الفائدة مرفقة في الملف.
الفائدة التالية: إذا اختلفت أقوال الصحابة في مسألة على قولين، فالحق في أحدهما، ولايجوز إحداث قول ثالث فيها.
اللهم اغفر وارحم وسدد, أخوتي الكرام فهذه فوائد ودرر أضعها هنا في ملتقانا المبارك وأسأل الله أن ينفع بها, وهي درر من شيخنا عبد القادر فك الله أسره.
قابلة للنقاش بل وللرد إن خالفت دليلاً. وقد قمت بوضع كل فائدة في ملف مرفق على حدا.
قال أيده الله:
{{لا حجة في قول الصحابي إذا خالفه صحابي آخر:
اختلاف أقوال الصحابة في التفسير نوعان:
1 ــ النــوع الأول: اختــلاف تنــوع: حيـث يكـون القــولان صحيحين في المعنى أو يرجعان إلى معنى واحد، وإنما اختلف القولان ــ أو الأقوال ــ لأسباب منها:
السـبب الأول: ذِكـر بعـض أنـواع المسمـى وأقسامـه: كقولهم في الطاغـوت: إنه الشيطان أو الكاهن أو الصنم وهذا كله صواب ويرجع إلى أصل واحد وهو كل ماعُبِدَ من دون الله.
السبب الثاني:التعبير عن الاسم الواحد بألفاظ مترادفة، كالصارم والمهنَّد أسماء للسيف.
قال ابن تيمية رحمه الله (وهـذان الصنفـان اللـذان ذكرناهما في تنـوع التفسـير:
تارة لتنوع الأسماء والصفات، وتارة لذكر بعض أنواع المسمى وأقسامه، كالتمثيلات، هما الغالب في تفسير سلف الأمة الذي يُظن أنه مختلف) (مجموع الفتاوى) 13/ 340.
2 ــ النــوع الثــانـي: اختـلاف التضـاد: حيـث يتعـارض القـولان تعـارضـا حقيقيـا لا يمكن معـه الجمع أو التوفيق بينهما، ولابد أن يكون أحدهما صوابا والآخر خطأ، وهذا بالنسبة لأقوال الصحابة إذ لابد أن يكون الحق في أحدها لايخرج عنها كما سأذكره في المقدمة الرابعة.
فـإذا تعارضت أقـوال الصحابـة فـلا حجـة في أحـدهـا ووجـب التـرجيـح بينهـا، هـذا قـول الأئمـة الأربعة وجماهير العلماء:
قال أبو عمر بن عبدالبر (وقد روي السمتي عن أبي حنيفة أنه قال في قولين للصحابة: أحد القولين خطأ والمأثم فيه موضوع) (جامع بيان العلم) 2/ 83. وقوله (والمأثم فيه موضوع) لأنه مجتهد مخطيء وهذا له أجر واحد كما ثبت في الصحيح.
وقال ابن عبدالبر (عن مالـك أنه قال في اختـلاف أصحـاب رسـول الله صلى الله عليه وسلم: مخطيء ومصيب فعليك بالاجتهاد) (جامع بيان العلم) 2/ 81، وقوله (فعليك بالاجتهاد) أي للترجيح بينهما لمعرفة المخطيء من المصيب.
قال الشافعي رحمه الله (أرأيـت أقـاويـل أصحـاب رسول الله إذا تفرقوا فيها؟ فقلت: نصير منها إلى ماوافق الكتاب أو السنة أو الإجماع أو كان أصح في القياس)
(الرسالة) بتحقيق أحمد شاكر، صـ 596 ــ 597.
وقال ابن القيم في كلامه عن أصول مذهب الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله (الأصل الثالث من أصوله: إذا اختلف الصحابة تخيَّر من أقوالهم ماكان أقربها إلى الكتاب والسنة، ولم يخرج عن أقوالهم، فإن لم يتبين له موافقة أحد الأقوال حكى الخلاف فيها ولم يجزم بقول) (اعلام الموقعين) 1/ 31.
وقال ابن تيمية رحمه الله (وأما أقـوال الصحابـة: فـإن انتشـرت ولـم تُنكـر في زمانهـم فهى حجة عند جماهير العلماء، وإن تنازعوا رُدَّ ماتنازعوا فيه إلى الله والرسول، ولم يكن قول بعضهم حجة مع مخالفة بعضهم له باتفاق العلماء) (مجموع الفتاوى) 20/ 14.
وقال ابن تيمية أيضا (ومن قال من العلماء إن قول الصحابي حجة فإنما قاله إذا لم يخالفه غيره من الصحابة ولا عُرف نصٌ يخالفه ــ إلى قوله ــ وأما إذا عرف أنه خالفه فليس بحجة ٍ بالاتفاق) (مجموع الفتاوى) 1/ 283 ــ 284.
وقال الشوكاني في (السيل الجرار) (تفسير الصحابي للآية لاتقوم به الحجة لاسيما مع اختلافه) أهـ نقلا عن (أبجد العلوم) لصديق حسن خان، 1/ 444، ط دار الكتب العلمية.
قال أبو عمر بن عبد البر رحمه الله («باب جامع بيان مايلزم الناظر في اختلاف العلماء ».
قال أبو عمـر: اختلـف الفقهــاء في هذا الباب على قولين: أحدهما أن اختلاف العلماء من الصحابة ومن بعدهم من الأئمة رحمة واسعة وجائز لمن نظر في اختلاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأخذ بقول من شاء منهم، وكذلك الناظر في أقاويل غيرهم من الأئمة مالم يعلم أنه خطأ فإذا بان له أنه خطأ لخلافه نص الكتاب أو نص السنة أو إجماع العلماء لم يسعه اتباعه. فإذا لم يبين له ذلك من هذه الوجوه جاز له استعمال قوله وإن لم يعلم صوابه من خطئه وصار في حيز العامة التي يجوز لها أن تقلد العالم إذا سألته عن شئ وإن لم تعلم وجهه. هذا قول يروى معناه عن عمر بن عبدالعزيز والقاسم بن محمد وعن سفيان الثوري إن صح وقال به قوم، ومن حجتهم على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم «أصحابي كالنجوم فبأيهم اقتديتم اهتديتم»، وهذا مذهب ضعيف عند جماعة من أهل العلم وقد رفضه أكثر الفقهاء وأهل النظر ــ إلى أن قال ــ وأما مالك والشافعي ومن سلك سبيلهما من أصحابهما وهو قول الليث بن سعد والأوزاعي وأبي ثور وجماعة أهل النظر أن الاختلاف إذا تدافع فهو خطأ وصواب. والواجب عند اختلاف العلماء طلب الدليل من الكتاب والسنة والإجماع والقياس على الأصول منها وذلك لايُعدَم، فإن استوت الأدلة وجب الميل مع الأشبه بما ذكرنا بالكتاب والسنة، فإذا لم يبين ذلك وجب التوقف ولم يجز القطع إلا بيقين، فإن اضطر أحد إلى استعمال شئ من ذلك في خاصة نفسه جاز له مايجوز للعامة من التقليد واستعمل عند افراط التشابه والتشاكل وقيام الأدلة على كل قول بما يعضده قوله صلى الله عليه وسلم «البر مااطمأنت إليه النفس والإثم ماحاك في الصدر، فدع مايريبك لما لا يريبك» هذا حال من لا يمعن النظر. وأما المفتون فغير جائز عند أحد ممن ذكرنا قوله أن يفتي ولا يقضي حتى يتبين له وجه ما يفتي به من الكتاب أو السنة أوالإجماع أو ما كان في معنى هذه الأوجه.
إلى أن قال أبو عمر (باب ذكر الدليل في أقاويل السلف على أن الاختلاف خطأ وصواب، يلزم طلب الحجة عنده، وذِكْر بعض ماخطَّأ فيه بعضهم بعضاً وأنكره بعضهم على بعض عند اختلافهم وذِكر معنى قوله صلى الله عليه وسلم «أصحابي كالنجوم»).
ثم روي أبو عمر بإسناده عن سعيد بن جبير قال قلت لابن عباس: إن نوفاً البكالي يزعم أن موسى صاحب الخضر ليس موسى بني إسرائيل، فقال: كذب، حدثنا أُبيّ بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم فذكر الحديث بطوله،
قال أبو عمر:قد رد أبو بكر الصديق رضي الله عنه قول الصحابة في الردة وقال: والله لو منعوني عقالاً مما أعطوه رسول الله صلى الله عليه وسلم لجاهدتهم عليه،
وقطع عمر بن الخطاب اختلاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في التكبير على الجنائز وردهم إلى أربع،
وسمع سلمان بن ربيعة وزيد بن صوحان الضبي بن معبد مهلا بالحج والعمرة معا، فقال أحدهما لصاحبه: لَهَذا أضل من بعير أهله، فأخبر بذلك عمر فقال: لو لم يقولا شيئا هديت لسنة نبيك،
وردَّت عائشة قول أبي هريرة تقطع المرأة الصلاة، وقالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي وأنا معترضة بينه وبين القبلة،
وردت قول ابن عمر الميـت يعذب ببكاء أهله عليه، وقالت: وَهِم أبو عبدالرحمن أو أخطأ أو نسي،
وكذلك قالت له في عُمَر رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ زعم ابن عمر أنه اعتمر أربع عمر، فقالت عائشة: هذا وهم منه على أنه قد شهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عمره كلها مااعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا ثلاثا،
وأنكر ابن مسعود على أبي هريرة قوله من غَسَّل ميتا فليغتسـل ومن حملـه فليتوضـأ وقال فيه قولاً شديدا وقال ياأيها الناس لاتنجسوامن موتاكم،
وقيل لابن مسعود إن سلمان بن ربيعة وأبا موسى الأشعري قالا في بنت وبنت ابن وأخت أن المال بين البنت والأخت نصفان ولا شئ لبنت الابن وقالا للسائل وائت ابن مسعود فإنه سيتابعنا،
فقال ابن مسعود: لقد ضللت إذا وما أنا من المهتدين بل أقضي فيها بقضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم للبنت النصف ولابنة الابن السدس تكملة للثلثين ومابقي فللاخت،
وأنكر جماعة أزواج النبي صلى الله عليه وسلم على عائشة رضاع الكبير ولم تأخذ واحدة منهن بقولها في ذلك،
وأنكر ذلك أيضا ابن مسعود على أبي موسى الأشعري وقال إنما الرضاعة ماأنبت اللحم والدم فرجع أبو موسى إلى قوله،
وأنكر ابن عباس عَلَى عَلِي أنه أحرق المرتدين بعد قتلهم، واحتج ابن عباس بقوله صلى الله عليه وسلم «من بّدل دينه فاضربوا عنقه» فبلغ ذلك عليا فأعجبه قوله،
قال أبو عمر لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقل فاضربوا عنقه ثم أحرقوه.
إلى أن قال أبو عمر: هذا كثير في كتب العلماء وكذلك اختلاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعين ومن بعدهم من المخالفين ومارَدّ فيه بعضهم على بعض لا يكاد يحيط به كتاب فضلا عن أن يجمع في باب وفيما ذكرنا منه دليل على ماعنه سكتنا، وفي رجوع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بعضهم إلى بعض، ورَدّ بعضهم على بعض دليل واضح على أن اختلافهم عندهم خطأ وصواب ــ إلى أن قال ــ والصواب مما اختُلِفَ فيه وتَدَافَعَ وجه واحد، ولو كان الصواب في وجهين متدافعين ما خطأ السلف بعضهم بعضا في اجتهادهم وقضائهم وفتواهم، والنظر يأبى أن يكون الشئ وضده صوابا كله. ــ إلى قوله ــ وقال أشهب: سمعت مالكا يقول: ما الحق إلا واحد، قولان مختلفان لايكونان صواباً جميعا، ما الحـق والصواب إلا واحد. قال أشهب: وبه يقول الليث. قال أبو عمر: الاختلاف ليس بحجة عند أحد علمته من فقهاء الأمة إلا مــن لابصـر لــه ولا معرفـة عنـده ولا حجـة في قـوله) (جـامـع بيـان العلـم) 2/ 78 ــ 90. أمـا حـديــث (أصحابي كالنجوم بأيِّهم اقديتم اهتديتم) فقد قال البزار وابن عبدالبر إن هذا الحديث لايصح (جامع بيان العلم) 2/ 90 ــ 91، وقال ابن حزم إنه حديث ساقط موضوع بلاشك (الإحكام) له، 5/ 73 و 6/ 82 ــ 83.
وفي مسألة حجية أقوال الصحابة يُراجع أيضا (الإحكام) للآمدي، 4/ 155 ــ 160، و (الإحكام) لابن حزم، 5/ 67 ــ 68، و (ارشاد الفحول) للشوكاني صـ 226، و (اعلام الموقعين) لابن القيم، 4/ 118 ــ 155.}}
قال أبو الزهراء, الفوائد تتبع بإذن الله, وهذه الفائدة مرفقة في الملف.
الفائدة التالية: إذا اختلفت أقوال الصحابة في مسألة على قولين، فالحق في أحدهما، ولايجوز إحداث قول ثالث فيها.