مشاهدة النسخة كاملة : تخريج أثر الصحابي الجليل عبد الله ابن عباس: كفر دون كفر
يحيى رضا جاد أبو المجد
08-19-2005, 08:52 PM
كل الحقوق محفوظة
ولنبدأ بعون الله:
جاء عن ابن عباس -رضي الله عنه- في هذا ألفاظ منها:
اللفظ الأول: "كفرٌ لا ينقل عن الملة".
رواه ابن نصر المروزي (تعظيم قدر الصلاة، رقم:573) من طريق عبد الرزاق عن سفيان عن رجلٍ عن طاووس عن ابن عباس به، ففي إسناده رجل مبهم؛ فلا يصح.
واللفظ الثاني: "إنه ليس بالكفر الذي يذهبون إليه، إنه ليس كفراً ينقل عن الملة".
رواه –أيضاً- ابن نصر المروزي (رقم:569) والحاكم (مستدركه2/313/3219) من طريق ابن عيينة عن هشام بن حجير عن طاووس عن ابن عباسٍ.
وهشام ضعيف؛ ضعفه الإمام أحمد ، ويحيى بن معين ، والعقيلي وجماعة ، وقال علي بن المديني : قرأت على يحي بن سعيد حدثنا ابن جريج عن هشام بن حجير ، فقال يحي بن سعيد : خليق أن أدعه . قلت أضربُ على حديثه ؟ قال نعم . وقال ابن عيينة لم نكن نأخذ عن هشام بن حجير ما لا نجده عند غيره .[ انظر الضعفاء للعقيلي4/ 337 – 338، والكامل لابن عدي 7/ 2569 وتهذيب الكمال30/ 179 – 180، وهدي الساري لابن حجر 447 – 448 ].
فلا يصح.
واللفظ الثالث: "كفرٌ دون كفر".
رواه الحاكم (2/313/3219) من طريق ابن عيينة عن هشام بن حجير عن طاووس عن ابن عباس، وفيه هشام؛ فلا يصح.
واللفظ الرابع: "هي به كفر".
أخرجه المروزي في تعظيم قدر الصلاة ص339 ، وابن جرير(10/ 356) عن الحسن بن يحيى عن عبد الرزاق به. وعبد الرزاق(التفسير1/186/713) عن معمر عن ابن طاووس عن أبيه عن ابن عباس به.. وقال طاووس: وليس كفراً بالله وملائكته وكتبه ورسله. وهذا سندٌ صحيح لا مطعن فيه.
واللفظ الخامس: "هي به كفرٌ وليس كفراً بالله وملائكته وكتبه ورسله".
رواه الطبري (تفسيره 10/355/12053), فقال: حدثنا هناد حدثنا وكيع، وحدثنا ابن وكيع قال: حدثنا أبى عن سفيان –الثوري- عن معمر عن ابن طاووس عن أبيه عن ابن عباس؛ وهذا –أيضا- سند صحيح لا مطعن فيه على الإطلاق.
ولكن, في اللفظين الرابع والخامس وقفتان:
1- قال أحمد بن حنبل [ترجمة معمر في تهذيب المزي وابن حجر]: حديث عبد الرزاق عن معمر أحب إلي من حديث هؤلاء البصريين كان يتعاهد كتبه وينظر فيها باليمن وكان يحدثهم حفظا بالبصرة - يعني معمراً-.
وهذا يرجح لفظ عبد الرزاق على لفظ سفيان.
2- ولكن.., عبد الرزاق كان إذا لقن تلقن.. منذ سنة 200هـ [ قال الأثرم: سمعت أحمد يسأل عن حديث النار جبار.., فقال: ومن يحدث به عن عبد الرزاق ؟ قلت: حدثني أحمد عن شبويه. قال: هؤلاء سمعوا بعدما عمي, كان يلقن فلقنه. وقال أبو زرعة الدمشقي: أخبرني أحمد أنا عبد الرزاق قبل المائتين وهو صحيح البصر من سمع منه بعدما ذهب بصره فهو ضعيف السماع. وقال النسائي فيه نظر لمن كتب عنه بآخره.. كتب عنه أحاديث مناكير. انظر تهذيب الكمال وتهذيب التهذيب: ترجمة عبد الرزاق ].
وراوي هذا الأثر عن عبد الرزاق هو: إسحاق بن إبراهيم الدبري –حيث هو الراوي لكتاب التفسير لعبد الرزاق. وتفسير عبد الرزاق: أخرجه الحاكم في مستدركه من طريق إسحاق بن إبراهيم الدبري، وقد سمع من عبد الرزاق(كما سيأتي) بعد قبوله التلقين، وكان عمر الدبري سبع سنوات, ولذلك كثر فيه التصحيف والغلط.. لكنهم رووا عنه لعلو إسناده. إذ أن الدبري هو آخر من روى عن عبد الرزاق-, والحسن بن يحيى – كما في رواية الطبري. والحسن ممن روى عن عبد الرزاق بعد الاختلاط- .
قال ابن حجر في مقدمة الفتح(588): وضابط ذلك من سمع منه قبل المئتين, فأما بعدها فكان قد تغير. وفيها سمع منه أحمد بن شبويه –فيما حكى الأثرم عن أحمد-, وإسحاق الدبري, وطائفة من شيوخ أبي عوانة والطبراني.. ممن تأخر إلى قرب الثمانين ومئتين. اهـ.
وعليه.. فإن الأثر لا يثبت عن عبد الرزاق؛ لأنه مروي عنه بعد اختلاطه.
** وقد يقول قائل: ولا يثبت أصلا أن لفظ سفيان قد صح؛ لأن معمرا حدث به بالبصرة (وسفيان لم يرو عن معمر باليمن).
أقول: قول أحمد –الذي نقلته عنه آنفا- لا يعني أن ما حدث به معمر بالبصرة فيه ضعف أو ما إلى ذلك. لكن المقصود أنه وقع له غلط قليل على سعة ما روى. وإلى ذلك أشار الذهبي في (الميزان) بقوله: "أحد الأعلام الثقات, له أوهام معروفة, احتملت له في سعة ما أتقن". فإن كل ثقة متقن له أوهام, لا يسلم من ذلك حتى الثوري وابن عيينة. وإنما العبرة بقلة أوهامه أو كثرتها. ولا شك في أن معمر بن راشد قليل الأوهام جدا على سعة وكثرة ما روى؛ فإنه من أوعية العلم, وأحد جبال رواة حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم.
ولذلك أقول: إن لفظ سفيان الثوري "هي به كفرٌ وليس كفراً بالله وملائكته وكتبه ورسله".. هو الصحيح والمحفوظ عن ابن عباس رضي الله عنه.
ويؤكد ثبوت ذلك عن ابن عباس.. أقوال تلاميذه – الذين ارتووا من معين علمه. وقد ذكرتها استئناسا بها, وتأكيدا فوق التأكيد على ثبوت لفظ الثوري عن ابن عباس؛ حيث أن أقوال أصحاب الرجل توضِّح قوله، ومذهب الصحابيِّ يؤخذ من مذهب أصحابه- في تفسير الآية, حيث روى الطبري:
1- (12047-12051)عن عطاء بن أبي رباح قوله: (وذكر الآيات الثلاث): كفر دون كفر، وفسق دون فسق، وظلم دون ظلم. وإسناده صحيح.
2- ثم روى(12052) عن سعيد المكي عن طاووس(وذكر الآية)، قال: ليس بكفر ينقل عن الملة. وإسناده صحيح. وسعيد هذا هو ابن زياد الشيباني المكي، وثقه ابن معين والعجلي وابن حبان وغيرهم.
3- وروى(12025،12026) من طريقين عن عمران بن حدير, قال: أتى أبا مجلز ناس من بني عمرو بن سدوس (وفي الطريق الأخرى: نفر من الإباضية) فقالوا: أرأيت قول الله: (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) أحق هو ؟ قال: نعم. قالوا: (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون) أحق هو ؟ قال: نعم. قالوا: (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون) أحق هو ؟ قال: نعم. قال: فقالوا: يا أبا مجلز فيحكم هؤلاء بما أنزل الله ؟ قال: هو دينهم الذي يدينون به، وبه يقولون وإليه يدعون - [ يعني الأمراء ] - فإن هم تركوا شيئا منه عرفوا أنهم أصابوا ذنبا. فقالوا: لا والله، ولكنك تفرق. قال: أنتم أولى بهذا مني ! لا أرى، وإنكم أنتم ترون هذا ولا تَحَرّجون، ولكنها أنزلت في اليهود والنصارى وأهل الشرك. أو نحوا من هذا.
وإسناده صحيح.
4- أخرج ابن جرير في تفسيره 10/355 عن طاووس: "ليس بكفر ينقل عن الملة". وغير ذلك من النقول الثابتة عنهم كثير, لا مجال لاستقصائها الآن.
** وقد يقول قائل: إن ابن عباس لا يقصد الكفر الأصغر, بل يريد أنه كفر أكبر، لكنه أقل من رُتْبَةِ الكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله.
أقول ردا على ذلك:
1- لم يفهم أحدٌ من العلماء من كلام ابن عباس -رضي الله عنه- أنه يريد بهذه الرواية الكفر الأكبر.
2- وثمَّ أمر آخر-كما قال فضيلة الشيخ بندر العتيبي- وهو: أن ابن عباس رضي الله عنه أورد كلامه في مقابل قول الخوارج الذين يكفِّرون بالآية الكفر الأكبر؛ فلا وجه لكلام ابن عباس إلا أن يكون المراد عنده الكفر الأصغر.
والحمد لله أولا وآخرا على توفيقه.
يحيى رضا جاد أبو المجد
08-19-2005, 08:55 PM
أرجو ألا يتعقبني الأخ أبو الزهراء بإيراده ما كتبه تعليقا على مقالي غزو المعاقل.
فما كتبه هناك, لم يرد في بحثي هنا.
وإن كان عنده تعليق على ما ههنا, فليتفضل به علينا.
يحيى رضا جاد أبو المجد
08-19-2005, 09:13 PM
** يقول العلامة الألباني في السلسلة الصحيحة, حديث رقم(2704):
تفسير آيات (ومن لم يحكم بما أنزل الله) وأنها في الكفار
[ أخرج أحمد(4/286): ثنا أبو معاوية: ثنا الأعمش عن عبد الله بن مرة عن البراء بن عازب عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون)، (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون)، (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون)، قال صلى الله عليه وسلم: وهي في الكفار كلها.
قلت-الألباني-: وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين .
والحديث دليل صريح في أن المقصود بهذه الآيات الثلاث الكفار من اليهود والنصارى؛ وأمثالهم الذين ينكرون الشريعة الإسلامية وأحكامها، ويلحق بهم كل من شاركهم في ذلك؛ ولو كان يتظاهر بالإسلام، حتى ولو أنكر حكما واحدا منها. ولكن مما ينبغي التنبه له، أنه ليس كذلك من لا يحكم بشيء منها مع عدم إنكاره ذلك، فلا يجوز الحكم على مثله بالكفر وخروجه عن الملة لأنه مؤمن، غاية ما في الأمر أن يكون كفره كفرا عمليا. وهذه نقطة هامة في هذه المسألة يغفل عنها كثير من الشباب المتحمس لتحكيم الإسلام، ولذلك فهم في كثير من الأحيان يقومون بالخروج على الحكام الذين لا يحكمون بالإسلام، فتقع فتن كثيرة، وسفك دماء بريئة لمجرد الحماس الذي لم تعد له عدته،
الواجب عندي تصفية الإسلام مما ليس منه كالعقائد الباطلة، والأحكام العاطلة، والآراء الكاسدة المخالفة للسنة، وتربية الجيل على هذا الإسلام المصفى. والله المستعان ]. اهـ
وبهذا تعلم –أخي القارئ- بطلان كلام من يحتج بهذه الآية على كفر من حكم بالقوانين الوضعية من غير التفصيل الذي ذكرناه في الباب الأول: فصل(قبل أن نبدأ).
هداني الله وإياك إلى ما فيه الصواب. والحمد لله أولا واخرا.
عبدالله الخليفي
08-19-2005, 09:59 PM
ما شاء الله بحث جيد وللأثر طريق عند وكيع في أخبار القضاة لعلك تراجعه وسؤالي هنا هل كان سفيان يحدث عن الضعفاء؟
عبدالله الخليفي
08-19-2005, 10:06 PM
قال ابن أبي حاتم حدثنا الحسن بن أبي الربيع حدثنا عبدالرزاق حدثنا معمر عن ابن طاووس عن أبيه قال سئل ابن عباس عن قوله تعالى (( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون)) قال هي كبيرة
يحيى رضا جاد أبو المجد
08-20-2005, 12:09 AM
أخي الكريم الفاضل:
أرجو ثم أرجو ثم أرجو -إن كان في استطاعتك- أن تذكر لي السند الكامل -وكذلك المتن- لما في أخبار القضاة, فإني لا أستطيع الحصول على هذا الكتاب.
وأرجو أن تذكر مصدر مشاركتكم الأخيرة رقم:6. وعامةً: السند لا يصح؛ لأن الحسن ابن أبي الربيع ممن حدث عن عبد الرزاق بعد سنة 200هـ.
وقد حدث سفيان بالفعل عن بعض الضعفاء, ولا أتذكر مثالا لذلك الان.
محمد بن إبراهيم الريحان
08-20-2005, 01:58 AM
بسم الله الرحمن الرحيم ..
جزاكم الله كل خير ..
إلا أنك أخي الكريم لم تأت بجديد بالنسبة لي في مسألة تخريج هذا الأثر ..
إلا أنه فيه إعلام من لم يقف على هذا التخريج من كتب الآثار أو مقال لبعض طلبة العلم ..
وقد ذكر هذا التخريج ماهر بن مظفر القحطاني المشرف العام على مجلة معرفة الآثار ..
عن تخريج الإمام الألباني رحمه الله ويظهر أنه من تفريغ شريط له ..
والمقال نشر بعنوان ..
تخريج أثر ابن عباس (http://www.alsonan.net/vb/showthread.php?t=340)
ونشر في تاريخ 21/7/2004 ..
وجاء في مقاله ..
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أما بعد
فهذا تخريج لأثر ابن عباس في قوله تعالى ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون للعلامة المحدث الشيخ ناصر الألباني رحمه الله تعالى :
سبب نزول ( ومن لم يحكم بما أنزل الله ) الآية ، وأن الكفر العملي غير الاعتقادي :
2552- إن الله عز وجل أنزل : ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ) و ( أولئك هم الظالمون ) و ( أولئك هم الفاسقون ) قال ابن عباس : (أنزلها الله في الطائفتين من اليهود وكانت إحداهما قد قهرت الأخرى في الجاهلية حتى ارتضوا واصطلحوا على أن كل قتيل قتله ( العزيزة ) من (الذليلة ) فديته خمسون وسقا ، وكل قتيل قتله ( الذليلة ) من ( العزيزة ) فديته مائة وسق ، فكانوا على ذلك ، حتى قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة ، فذلت الطائفتان كلتاهما لمقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويومئذ لم يظهروا ولم يوطئهما عليه وهو في الصلح ، فقتلت الذليلة من العزيزة قتيلا ، فأرسلت ( العزيزة ) إلى ( الذليلة ) أن ابعثوا إلينا بمائة وسق ، فقالت ( الذليلة ) : وهل كان هذا في حيين قط دينهما واحد ، ونسبهما واحد ، وبلدهما واحد ، دية بعضهم نصف دية بعض ؟! إنا إنما أعطيناكم هذا ضيما منكم لنا ، وفرقا منكم ، فأما إذ قدم محمد فلا نعطيكم ذلك ، فكادت الحرب تهيج بينهما ، ثم ارتضوا على أن يجعلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهم . ثم ذكرت ( العزيزة ) فقالت : والله مامحمد بمعطيكم منهم ضعف ما يعطهم منكم ، ولقد صدقوا ، ماأعطونا هذا إلا ضيما منا ، وقهرا لهم فدسوا إلى محمد من يخبر لكم رأيه ؛ إن أعطاكم ماتريدون حكمتموه ، وإن لم يعطكم حذرتم فلم تحكموه . فدسوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ناسا من المنافقين ليخبروا لهم رأي رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبر الله رسوله بأمرهم كله وما أرادوا ، فأنزل الله عز وجل : ( ياأيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من الذين قالوا آمنا ) إلى قوله : ( ومن لم يحكم بما أنزل فأولئك هم الفاسقون ) ثم قال : فيهما والله نزلت ، وإياهما عنى الله عز وجل )
أخرجه أحمد (1/246) والطبراني في ( المعجم الكبير ) (3/95/1) من طريق عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن ابن عباس قال : فذكره . وعزاه السيوطي في ( الدر المنثور ) (2/281) لأبي داود أيضا وابن جرير وابن المنذر وأبي الشيخ وابن مردوية عن ابن عباس ، وهو عند ابن جرير في ( التفسير ) ( 12037ج10/352) من هذا الوجه ، لكنه لم يذكر في إسناده ابن عباس . وعند أبي داود (3576) نزول الآيات الثلاث في اليهود خاصة في قريظة والنضير . فقط خلافا لما يوهمه قول ابن كثير في التفسير (6/160) بعد ما ساق رواية أحمد هذه المطولة : ( ورواه أبو داود من حديث ابن أبي الزناد عن أبيه نحوه) !
وقد نقل عن صاحب ( الروض الباسم في الذب عن سنة أبي القاسم ) أنه حسن إسناده . ولم أر هذا في كتابه : ( التفسير ) فلعله في بعض كتبه الأخرى
وتحسين هذا الإسناد هو الذي تقتضيه قواعد هذا العلم الشريف ، فإن مداره على عبد الرحمن بن أبي الزناد ، وهو كما قال الحافظ ) : صدوق ، تغير حفظه لما قدم بغداد ، وكان فقيها ( .
فقول الهيثمي (7/16): ( رواه أحمد والطبراني بنحوه ، وفيه عبد الرحمن بن أبي الزناد ، وهو ضعيف ، وقد وثق ، وبقية رجال أحمد ثقات ( .
قلت : فقوله فيه : ( ضعيف ، وقد وثق ) ليس بجيد ، لأنه يرجح قول من ضعفه على قول من وثقه ، والحق أنه وسط ، وأنه حسن الحديث ؛ إلا أن يخالف ، وهذا مما لايستفاد من قوله المذكور فيه . والله أعلم .
فائدة هامة:
إذا علمت أن الآيات الثلاث : ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ) ، ( فأولئك هم الظالمون ) ، ( فأولئك هم الفاسقون ) نزلت في اليهود وقولهم في حكمه صلى الله عليه وسلم : ( إن أعطاكم ماتريدون حكمتموه ، وإن لم يعطكم حذرتم فلم تحكموه ) وقد أشار القرآن إلى قولهم هذا قبل هذه الآيات فقال : ( يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا ) ، إذا عرفت هذا ، فلا يجوز حمل هذه الآيات على بعض الحكام المسلمين وقضاتهم الذين يحكمون بغير ما أنزل الله من القوانين الأرضية ،
أقول : لايجوز تكفيرهم بذلك ، وإخراجهم من الملة ، إذا كانوا مؤمنين بالله ورسوله ، وإن كانوا مجرمين بحكمهم بغير ماأنزل الله ، لا يجوز ذلك ،
لأنهم وإن كانوا كاليهود من جهة حكمهم المذكور ، فهم مخالفون لهم من جهة أخرى ، ألا وهي إيمانهم وتصديقهم بما أنزل الله ، بخلاف اليهود الكفار ، فإنهم كانوا جاحدين له كما يدل عليه قولهم المتقدم : ( … وإن لم يعطكم حذرتموه فلم تحكموه ) ، بالإضافة إلى أنهم ليسوا مسلمين أصلا ، وسر هذا أن الكفر قسمان : اعتقادي وعملي. فالاعتقادي مقره القلب . والعملي محله الجوارح. فمن كان عمله كفرا لمخالفته للشرع ، وكان مطابقا لما وقر في قلبه من الكفر به ، فهو الكفر الاعتقادي ، وهو الكفر الذي لا يغفره الله ، ويخلد صاحبه في النار أبدا . وأما إذا كان مخالفا لما وقر في قلبه ، فهو مؤمن بحكم ربه ، ولكنه يخالفه بعمله ، فكفره كفر عملي فقط وليس كفرا اعتقاديا ، فهو تحت مشيئة الله تعالى إن شاء عذبه وإن شاء غفر له ، وعلى هذا النوع من الكفر تحمل الأحاديث التي فيها إطلاق الكفر على من فعل شيئا من المعاصي من المسلمين ، ولا بأس من ذكر بعضها:
1- اثنتان في الناس هما بهم كفر ، الطعن في الأنساب ، والنياحة على الميت . رواه مسلم .
2- الجدال في القرآن كفر .
3- سباب المسلم فسوق ، وقتاله كفر . رواه مسلم .
4- كفر بالله تبرؤ من نسب وإن دق .
5- التحدث بنعمة الله شكر ، وتركها كفر .
6- لا ترجعوا بعدي كفارا ، يضرب بعضكم رقاب بعض . متفق عليه .
إلى غير ذلك من الأحاديث الكثيرة التي لا مجال الآن لا ستقصائها . فمن قام من المسلمين بشيء من هذه المعاصي ، فكفره كفر عملي ، أي إنه يعمل عمل الكفار ، إلا أن يستحلها ، ولا يرى كونها معصية فهو حينئذ كافر حلال الدم ، لأنه شارك الكفار في عقيدتهم أيضا ، والحكم بغير ماأنزل الله ، لا يخرج عن هذه القاعدة أبدا ، وقد جاء عن السلف مايدعمها ، وهو قولهم في تفسير الآية : ( كفر دون كفر(صح ذلك عن ترجمان القرآن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما ، ثم تلقاه عنه بعض التابعين وغيرهم ، ولا بد من ذكر ماتيسر لي عنهم لعل في ذلك إنارة للسبيل أمام من ضل اليوم في هذه المسألة الخطيرة ، ونحا نحو الخوارج الذين يكفرون المسلمين بارتكابهم المعاصي ، وإن كانوا يصلون ويصومون!
1- روى ابن جرير الطبري (10/355/12053) بإسناد صحيح عن ابن عباس : ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ) قال : هي به كفر ، وليس كفرا بالله وملائكته وكتبه ورسله .
2- وفي رواية عنه في هذه الآية : إنه ليس بالكفر الذي يذهبون إليه ، إنه ليس كفرا ينقل عن الملة ، كفر دون كفر .
أخرجه الحاكم (2/313) ، وقال : ( صحيح الإسناد ) ووافقه الذهبي ، وحقهما أن يقولا : على شرط الشيخين ، فإن إسناده كذلك .
ثم رأيت الحافظ ابن كثير نقل في تفسيره (6/163) عن الحاكم أنه قال : ( صحيح على شرط الشيخين ) فالظاهر أن في نسخة ( المستدرك ) المطبوعة سقطا ، وعزاه ابن كثير لا بن أبي حاتم أيضا ببعض اختصار .
3- وفي أخرى عنه من رواية علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال : من جحد ماأنزل الله فقد كفر ، ومن أقر به ولم يحكم فهو ظالم فاسق . أخرجه ابن جرير (12063)
قلت : وابن أبي طلحة لم يسمع من ابن عباس ، لكنه جيد في الشواهد .
4- ثم روى (12047-12051)عن عطاء بن أبي رباح قوله : ( وذكر الآيات الثلاث ) : كفر دون كفر ، وفسق دون فسق ، وظلم دون ظلم . وإسناده صحيح .
5- ثم روى (12052)عن سعيد المكي عن طاووس ( وذكر الآية ) ، قال : ليس بكفر ينقل عن الملة . وإسناده صحيح ، وسعيد هذا هو ابن زياد الشيباني المكي ، وثقه ابن معين والعجلي وابن حبان وغيرهم ، وروى عنه جمع .
6- وروى (12025،12026) من طريقين عن عمران بن حدير قال : أتى أبا مجلز ناس من بني عمرو بن سدوس ( وفي الطريق الأخرى : نفر من الإباضية ) فقالوا : أرأيت قول الله : ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ) أحق هو ؟ قال : نعم . قالوا : ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون ) أحق هو ؟ قال : نعم . قالوا : ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون ) أحق هو ؟ قال نعم . قال : فقالوا : ياأبا مجلز فيحكم هؤلاء بما أنزل الله ؟ قال : هو دينهم الذي يدينون به ، وبه يقولون وإليه يدعون ـ [ يعني الأمراء ] ـ فإن هم تركوا شيئا منه عرفوا أنهم أصابوا ذنبا . فقالوا : لا والله ، ولكنك تفرق . قال : أنتم أولى بهذا مني ! لا أرى ، وإنكم أنتم ترون هذا ولا تَحَرّجون ، ولكنها أنزلت في اليهود والنصارى وأهل الشرك . أو نحوا من هذا ، وإسناده صحيح .
وقد اختلف العلماء في تفسير الكفر في الآية الأولى على خمسة أقوال ساقها ابن جرير (10/346-357) بأسانيده إلى قائليها ، ثم ختم ذلك بقوله (10/358 :( (وأولى هذه الأقوال عندي بالصواب قول من قال : نزلت هذه الآيات في كفار أهل الكتاب ، لأن ماقبلها وما بعدها من الآيات ففيهم نزلت ، وهم المعنيون بها ، وهذه الآيات سياق الخبر عنهم ، فكونها خبرا عنهم أولى . فإن قال قائل : فإن الله تعالى ذكره قد عم بالخبر بذلك عن جميع من لم يحكم بما أنزل الله ، فكيف جعلته خاصا ؟ قيل إن الله تعالى عم بالخبر بذلك عن قوم كانوا بحكم الله الذي حكم به في كتابه جاحدين ، فأخبر عنهم أنهم بتركهم الحكم ـ على سبيل ماتركوه ـ كافرون . وكذلك القول في كل من لم يحكم بما أنزل الله جاحدا به هو بالله كافر ، كما قال ابن عباس ، لأنه بجحوده حكم الله بعد علمه أنه أنزله في كتابه ؛ نظير جحوده نبوة نبيه بعد علمه أنه نبي(.
وجملة القول ؛ أن الآية نزلت في اليهود الجاحدين لما أنزل الله فمن شاركهم في الجحد ، فهو كافر كفرا اعتقاديا ، ومن لم يشاركهم في الجحد فكفره عملي لأنه عمل عملهم ، فهو بذلك مجرم آثم ، ولكن لا يخرج بذلك عن الملة كما تقدم عن ابن عباس رضي الله عنه . وقد شرح هذا وزاده بيانا الإمام الحافظ أبو عبيد القاسم بن سلام في ( كتاب الإيمان ) ( باب الخروج من الإيمان بالمعاصي ) ( ص 84-97 بتحقيقي )
، فليراجعه من شاء المزيد من التحقيق.
وبعد كتابة ماسبق ، رأيت شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يقول في تفسير آية الحكم المتقدمة في مجموع الفتاوى ) ( 3/268) : ( أي هو المستحل للحكم بغير ماأنزل الله(
ثم ذكر (7/254) أن الإمام أحمد سئل عن الكفر المذكور فيها ؟ فقال : كفر لا ينقل عن الإيمان ، مثل الإيمان بعضه دون بعض ، فكذلك الكفر ، حتى يجيء من ذلك أمر لا يختلف فيه . وقال (7/312) : ( وإن كان من قول السلف أن الإنسان يكون فيه إيمان ونفاق ، فكذلك في قولهم أنه يكون فيه إيمان وكفر ؛ ليس هو الكفر الذي ينقل عن الملة ، كما قال ابن عباس وأصحابه في قوله تعالى : ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ) قالوا : كفر لا ينقل عن الملة . وقد اتبعهم على ذلك أحمد وغيره من أئمة السنة .اهـ
المرجع : السلسلة الصحيحة المجلد السادس القسم الأول ص109-116
وقال الشيخ الألباني رحمه الله أيضا في نفس المرجع أعلاه ص 457 :
تفسير آيات ( ومن لم يحكم بما أنزل الله … ) وأنها في الكفار
2704- قوله : ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ) ، ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون ) ، ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون ) ، قال : وهي في الكفار كلها.
أخرجه أحمد (4/286) : ثنا أبو معاوية : ثنا الأعمش عن عبد الله بن مرة عن البراء بن عازب عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله : …
قلت : وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين .
والحديث دليل صريح في أن المقصود بهذه الآيات الثلاث الكفار من اليهود والنصارى ؛ وأمثالهم الذين ينكرون الشريعة الإسلامية وأحكامها ، ويلحق بهم كل من شاركهم في ذلك ؛ ولو كان يتظاهر بالإسلام ، حتى ولو أنكر حكما واحدا منها . ولكن مما ينبغي التنبه له ، أنه ليس كذلك من لا يحكم بشيء منها مع عدم إنكاره ذلك ، فلا يجوز الحكم على مثله بالكفر وخروجه عن الملة لأنه مؤمن ، غاية مافي الأمر أن يكون كفره كفرا عمليا . وهذه نقطة هامة في هذه المسألة يغفل عنها كثير من الشباب المتحمس لتحكيم الإسلام ، ولذلك فهم في كثير من الأحيان يقومون بالخروج على الحكام الذين لا يحكمون بالإسلام ، فتقع فتن كثيرة ، وسفك دماء بريئة لمجرد الحماس الذي لم تعد له عدته ،
الواجب عندي تصفية الإسلام مما ليس منه كالعقائد الباطلة ، والأحكام العاطلة ، والآراء الكاسدة المخالفة للسنة ، وتربية الجيل على هذا الإسلام المصفى . والله المستعان .
وبهذا ينتهي النقل عن محدث العصر الإمام العلامة الشيخ محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله
وبه نعرف أن من قال أن علماء السوء هم الذين يقولون الحكم بغير ما أنزل الله كفر دون كفر)
لأنه بهذا يجعل أئمة العصر ابن باز وابن عثيمين والألباني ، وقبلهما ابن إبراهيم وغيرهم من علماء أهل السنة والجماعة من علماء السوء ، بل يجعل ابن عباس من علماء السوء عياذا بالله ، وهذا بسبب الاستعجال وعدم التروي وعدم أخذ العلم من أهله مما أوقعه في أمور كثيرة عاقبتها الخسر ـ إن لم يتداركه الله برحمته ـ ولا حول ولا قوة إلا بالله .
منقول من تفريغ الأخ
أبو عبد الرحمن الجهني
يحيى رضا جاد أبو المجد
08-20-2005, 01:19 PM
أخي الكريم, كيف لم ات بجديد...؟؟؟ هذه عجيبة منك.
اقرأ مقالي جيدا, ثم قارنه بكلام العلامة الألباني الذي نقلته أنت.
وسوف تعرف الفرق جيدا, فهو واضح وضوح الشمس لكل من يتأمله.
أما اتهامي بنقل كلام الألباني, فلا وألف لا.... اقرأ ما كتبتُ جيدا.
بل الألباني يصحح السند الذي فيه هشام بن حجير.
اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلا واترزقنا اجتنابه.
يحيى رضا جاد أبو المجد
08-20-2005, 01:21 PM
قولكم: ((ويظهر أنه من تفريغ شريط له )).
أقول: لا, بل هذا هو عين كلام الألباني في السلسلة الصحيحة.
يحيى رضا جاد أبو المجد
08-20-2005, 01:23 PM
وأرجو من الأخ عبد الله الخليفي الإجابة على سؤالي.., فإني أحتاج لها.
أبو الزهراء الشافعي
08-23-2005, 08:56 PM
هلا أجبت عن قول العلامة النحرير سليمان العلوان هذا؟
قال الشيخ سليمان بن ناصر العلوان حفظه الله في التبيان [38] :
((وما جاء عن ابن عباس رضي الله عنهما من قوله ؛ كفر دون كفر ، فلا يثبت عنه، فقد رواه الحاكم في مستدركه [2/313] من طريق هشان بن حجير عن طاوس عن ابن عباس به، وهشام ضعفه أحمد ويحي.
وقد خولف فيه أيضاً فرواه عبدالرزاق في تفسيره عن معمر عن ابن طاوس عن أبيه قال: سئل ابن عباس عن قوله تعالى: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} قال "هي كفر".
وهذا هو المحفوظ عن ابن عباس أي أن الآية على إطلاقها، وإطلاق الآية يدل على أن المراد بالكفر هو الأكبر، إذ كيف يقال بإسلام من نحى الشرع واعتاض عنه بآراء اليهود والنصارى وأشباههم.
فهذا مع كونه تبديلا للدين المنزل هو إعراض أيضا عن الشرع المطهر، وهذا كفر آخر مستقل.
وأما ما رواه ابن جرير في تفسيره عن ابن عباس: أنه قال ؛ ليس كمن كفر بالله واليوم الآخر وبكذا وبكذا ، فليس مراده أن الحكم بغير ما أنزل الله كفر دون كفر.
ومن فهم هذا فعليه الدليل وإقامة البرهان على زعمه، والظاهر من كلامه أنه يعني أن الكفر الأكبر مراتب متفاوتة بعضها أشد من بعض، فكفر من كفر بالله وملائكته واليوم الآخر أشد من كفر الحاكم بغير ما أنزل الله.
ونحن نقول أيضا: إن كفر الحاكم بغير ما أنزل الله أخف من كفر بالله وملائكته ، ولا يعني هذا أن الحاكم مسلم , ان كفره كفر اصغر، كلا بل هو خارج عن الدين لتنحيته الشرع، وقد نقل ابن كثير الإجماع على هذا، فانظر البداية واللنهاية [19/113] ).
وعن كلام الشيخ الشنقيطي ((فالإشراك بالله في حكمه كالإشراك به في عبادته)) [أضواء البيان:7/126].
أجب بوركت.
يحيى رضا جاد أبو المجد
08-23-2005, 09:45 PM
كلامك هنا دليل تسرعك: هذا هو الرد, وهو في أعلى المقال:
(((( ** وقد يقول قائل: إن ابن عباس لا يقصد الكفر الأصغر, بل يريد أنه كفر أكبر، لكنه أقل من رُتْبَةِ الكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله.
أقول ردا على ذلك:
1- لم يفهم أحدٌ من العلماء من كلام ابن عباس -رضي الله عنه- أنه يريد بهذه الرواية الكفر الأكبر.
2- وثمَّ أمر آخر-كما قال فضيلة الشيخ بندر العتيبي- وهو: أن ابن عباس رضي الله عنه أورد كلامه في مقابل قول الخوارج الذين يكفِّرون بالآية الكفر الأكبر؛ فلا وجه لكلام ابن عباس إلا أن يكون المراد عنده الكفر الأصغر. )))))
يحيى رضا جاد أبو المجد
08-23-2005, 09:52 PM
ولا فرق بين كفر عظيم, وكفر غير عظيم, إذ الكل كفر مخرج عن الملة ..!!!
وبالنسبة لاستدلالكم بكلام العلامة الشنقيطي, أقول ردا على ذلك:
((( يقول فضيلة الشيخ محمد الأمين الشنقيطي "أضواء البيان"(7/162):
" فالإشراك بالله في حكمه كالإشراك به في عبادته، قال في حكمه: "وَلاَ يُشرِكُ في حُكمِهِ أَحَدا ", وفي قراءة ابن عامر من السبعة "وَلاَ تُشْركْ فيِ حُكمِهِ أَحَدا" بصيغة النهي، وقال في الإشراك به في عبادته: فَمَن كَانَ يَرجُواْ لِقَآءَ رَبِّهِ فَليَعمَل عَمَلاً صَالِحاً وَلاَ يُشرِكُ فيِ حُكمِهِ أَحَدا "، فالأمران سواء.
ثم قيد الشيخ ما أطلقه، فقال بعد ذلك مباشرة: (وبذلك تعلم أن الحلال هو ما أحله الله، والحرام هو ما حرمه الله، والدين هو ما شرعه الله، فكل تشريع من غيره باطل، والعمل به – بدل تشريع الله عند من يعتقد أنه مثله أو خير منه- كفرٌ بواح لا نزاع فيه). اهـ
وقال بعض المخالفين لمنهج أهل السنة والجماعة: " ذكر الشيخ الشنقيطي رحمه الله أن الإشراك في العبادة والإشراك في الحكم لهما نفس الحكم، ولا فرق بينهما حيث قال في أضوائه: (والإشراك بالله في حكمه، والإشراك به في عبادته كلها بمعنى واحد، لا فرق بينهما البتة، فالذي يتبع نظاماً غير نظام الله، وتشريعاً غير تشريع الله، كالذي يعبد الصنم ويسجد للوثن، ولا فرق بينهما البتة بوجه من الوجوه، فهما واحد، وكلاهما مشرك بالله). وعزاه في الحاشية إلى أضواء البيان ( 7/162) " اهـ.
أقول: ولقد رجعت إلى الموضع الذي عزا إليه في أضواء البيان، ذلك أني لا أثق في كل متعجل في التكفير مسارع إليه، فألفيت ما ذكرت لك منذ سطور.
فهذا القول من الشيخ ، لماذا يعرض عنه الخصم، وهو كائن في الصفحة نفسها ؟
الإجابة أوضح من أن نوضح أو نفسر، ذلك أن هذا القول يؤيد أن العمل بالتشريعات الوضعية من غير ما اعتقاد أو استحلال أو استهانة أو ازدراء.. ليس بكفر يخرج من الملة الإسلامية. فمن الذي يبتر النصوص ويغفل بعضها, ويتهم الغير بالتدليس على القراء, والكذب على الأئمة والمفسرين ؟!!
وأضيف: يقول الشنقيطي: "وأما النظام الشرعي المخالف لتشريع خالق السموات والارض فتحكيمه كفر بخالق السموات والأرض؛ كدعوى أن تفضيل الذكر على الأنثى في الميراث ليس بإنصاف، وأنهما يلزم استواؤهما في الميراث. وكدعوى أن تعدد الزوجات ظلم، وأن الطلاق ظلم للمرأة، وأن الرجم والقطع ونحوهما أعمال وحشية لا يسوغ فعلها بالإنسان، ونحو ذلك"
فتأمل قول فضيلته: "كدعوى أن تفضيل.." ففيه ضرب لمثال, وتفصيل بعد إجمال. (في تفسيره للاية 26 من الكهف)
فهذه أمثلةٌ ناطقةٌ أن مقصود الشنقيطي بالذين لا يُشك في كفرهم أولئك الذين طعنوا في أحكام الشريعة الإسلامية، وفضلوا الحكم بالقوانين الوضعية والأحكام الجاهلية، ولا يرتاب في هذا إلاَّ من طمس الله بصيرته, وأعماه عن نور الوحي !
وأزيد بيانا, فأقول:
نَقـْلُ المخالف لقول العلامة الشنقيطي رحمه الله في تفسير الآية الكريمة: وَلاَ يُشرِكُ فيِ حُكمِهِ أحَداً [الكهف: 26]، والحق أنه قول مطلق، قيده في أمس المواضع إليه في تفسير آية المائدة (44)، فذكر التقييد, فهل يحمل المطلق على المقيد- كما قال أهل الأصول- أم نقول: إن الشيخ تناقض ؟ حاشا وكلاّ.
وبنحو ما قلت، قال الفاضل الدكتور العنبري, وكذلك الباحثُ الفاضلُ الدكتور عبد العزيز بن صالح الطويان في رسالته العلمية الأكاديمية: "جهود الشيخ محمد الأمين الشنقيطي في تقرير عقيدة السلف".. وهي من منشورات مركز البحث العلمي بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، وقدَّم لها مدير الجامعة الدكتور الفاضل صالح العبود والشيخ العلامة عبد المحسن العباد. إذ نقل قول الشيخ الشنقيطي: "إن الذين يتبعون القوانين الوضعية التي شرعها الشيطان على ألسنة أوليائه مخالفة لما شرعه الله جل وعلا على ألسنة رسله صلى الله عليهم وسلم أنَّه لا يشك في كفرهم وشركهم إلاَّ من طمس الله بصيرته وأعماه عن نور الوحي مثلهم.
ثم علَّق عليه قائلاً : "وبهذا تتجلَّى وقفة الشيخ الحازمة في وجه من غيَّر حكم الله ، وحكم بحكم الطواغيت ، حيث إنه يقول بكفره ، بل ويكفر كل من يشك في كفره .
وليس موقف الشيخ رحمه الله هذا على إطلاقه ، بل نراه يبيَّن في موضع آخر متى يكون الحكم بغير ما أنزل الله كفراً مخرجاً من الملَّة ، ومتى يكون صاحبه مرتكباً ذنباً محرماً لا يخرجه من دائرة الإسلام ، فيقول رحمه الله : "إن الكفر ، والظلم ، والفسق ، كل واحد منها ربما أطلق في الشرع مراداً به المعصية تارة ، والكفر المخرج من الملَّة أخرى: ومن لم يحكم بما أنزل الله : معارضة للرسل ، وإبطالاً لأحكام الله ، فظلمه وفسقه وكفره كلها كفر ، مخرج عن الملة. ومن لم يحكم بما أنزل الله معتقداً أنَّه مرتكب حراماً، فاعل قبيحاً، فكفره وظلمه وفسقه غير مخرج من الملَّة". اهـ (من هزيمة الفكر التكفيري للعنبري)
وقد قال فضيلة الشيخ حمود الشعيبي-وهو بصدد نقله لقول الشنقيطي- في مقاله(الرد على افتراءات العنبري وبيان فساد أصل مذهبه في الإرجاء):
" يقول الشنقيطي: (أما النظام الوضعي المخالف لتشريع خالق السماوات والأرض فتحكيمه كفر بخالق السماوات والأرض , - ثم ذكر بعض قوانينهم الوضعية في الميراث والزواج والحدود وإنها مخالفة للشرع - ثم قال : فتحكيم هذا النوع من النظام في أنفس المجتمع وأموالهم وأعراضهم وأنسابهم وعقولهم وأديانهم كفر بخالق السماوات والأرض ) اهـ ". اهـ كلام الشيخ حمود.
أقول ردا على ذلك: إليك –أخي القارئ- نص كلام الشنقيطي- في تفسيره للآية 26 من سورة الكهف- بحروفه كاملا بلا أدنى اختصار لتعرف من الذي يفتري ويدلس:
" وأما النظام الشرعي المخالف لتشريع خالق السماوات والأرض فتحكيمه كفر بخالق السماوات والأرض؛ كدعوى أن تفضيل الذكر على الأنثى في الميراث ليس بإنصاف، وأنهما يلزم استواؤهما في الميراث. وكدعوى أن تعدد الزوجات ظلم، وأن الطلاق ظلم للمرأة، وأن الرجم والقطع ونحوهما أعمال وحشية لا يسوغ فعلها بالإنسان، ونحو ذلك". اهـ قول الشنقيطي.
فتأمل أخي القارئ قول الشنقيطي: "كدعوى أن تفضيل.." ففيه ضرب لمثال, وتفصيل بعد إجمال. فهذه أمثلةٌ ناطقةٌ أن مقصود الشنقيطي- بالذين لا يُشك في كفرهم- أولئك الذين طعنوا في أحكام الشريعة الإسلامية، وفضلوا الحكم بالقوانين الوضعية والأحكام الجاهلية، ولا يرتاب في هذا إلاَّ من طمس الله بصيرته, وأعماه عن نور الوحي !
والحمد لله أولاً واخرا. ))))
أبو نايف
08-25-2005, 10:18 PM
جزاكم الله خيرا
وبارك الله فيكم وفي علمكم
قول ابن عباس هذا هو قول عامة السلف
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالي في ( مجموع الفتاوي 7: 350- 351 ) :
قال الصحابة ابن عباس وغيره ( كفر دون كفر ) وهذا قول عامة السلف
وهو الذي نص عليه أحمد وغيره .
وقال : قال ابن عباس وأصحابه في قوله : { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون } قالوا : كفر لا ينقل عن الملة ، وكفر دون كفر ، وفسق دون فسق ، وظلم دون ظلم .
وهذا أيضاً مما استشهد به البخاري في صحيحه فإن كتاب ( الإيمان ) الذي افتتح به ( الصحيح ) قرر مذهب أهل السنة والجماعة .
وقال الشيخ العلامة السلفي ابن عثيمين رحمه الله تعالي :
الشيخ الألباني احتج بهذا الأثر عن ابن عباس رضي الله عنه ، وكذلك غيره من العلماء الذين تلقوه بالقبول
وإن كان في سنده ما فيه ، لكنهم تلقوه بالقبول ، لصدق حقيقته علي كثير من النصوص
فقد قال النبي صلي الله عليه وسلم : ( سباب المسلم فسوق وقتاله كفر ) ومع ذلك فإن قتاله لا يخرج الإنسان من الملة لقوله تعالي { وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما } إلي أن قال : { إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم }
لكن لما كان لا يرضي هؤلاء المفتونين بالتكفير ، صاروا يقولون : هذا الأثر غير مقبول ولا يصح عن ابن عباس
فيقال لهم : كيف لا يصح وقد تلقاه من هو أفضل منكم وأعرف بالحديث ، وتقولون لا نقبل ؟!!
ثم هب أن الأمر كما قلتم : إنه لا يصح عن ابن عباس ، فلدينا نصوص أخرى تدل علي أن الكفر قد يطلق ولا يراد به الكفر المخرج عن الملة
كما في قوله صلي الله عليه وسلم : ( اثنان في الناس هما بهم كفر : الطعن في النسب ، والنياحة علي الميت ) وهذه لا تخرج من الملة بلا إشكال .
ولكن كما قال في الأول - أي الشيخ الألباني - قلة البضاعة من العلم ، وقلة فهم القواعد الشرعية العامة ، هي التي توجب هذا الضلال .
ثم شئ آخر نضيفه إلي ذلك وهو : سوء الإرادة التي تستلزم سوء الفهم ، لأن الإنسان إذا كان يريد شيئاً ، لزم من ذلك أن ينتقل فهمه إلي ما يريد ، ثم يحرف النصوص علي ذلك
ومن القواعد المعروفة عند العلماء أنهم يقولون : ( استدل ثم اعتقد ) ، لا تعتقد ثم تستدل فتضل .
هذا والحمد لله رب العالمين
الحنبلي
09-05-2005, 10:06 PM
جزاكم الله خيراً ونفع بكم وبعلمكم
عبدالله الخليفي
02-13-2006, 01:14 AM
[quote=يحيى رضا جاد أبو المجد]وأرجو من الأخ عبد الله الخليفي الإجابة على سؤالي.., فإني أحتاج لها.[/
Quote]
مرجع الأثر الذي نقلته بسنده تفسير ابن أبي حاتم
anta1975
03-06-2008, 01:58 PM
بارك الله فيكم اخوننا الكرام لكن ارجوا منكم التوضيح في المسائل الخاصة بالأحكام
vBulletin 3.8.4