بسم الله الرحمن الرحيم

http://www.awu-dam.org/alesbouh/800/isb800-011.htm

المرأة في ندوة ابن حزم الأندلسي ومقولات أخرى ـــ سليمى محجوب

عقدت في رحاب معهد التراث العلمي العربي بحلب ندوة دولية هامة، كان محورها العالم الكبير ابن حزم الأندلسي صاحب كتاب “طوق الحمامة”، الشهير.‏

وقد ألقيت في الندوة مواضيع بحثية لعدد كبير من الدارسين بلغت تسعة وعشرين بحثاً. خصَّت ابن حزم بنظرات شاملة ومتعددة، وشارك فيها عدد من الباحثات اللواتي أتيح لهن في هذه الندوة إبراز فكر المرأة وقوة باعها في معالجة جوانب مهمة وتخصصية في التراث العربي الإسلامي.‏

فقد تحدثت الدكتورة “ألفة يوسف”، عن مكانة المرأة عند ابن حزم بين العشق والأحكام الشرعية، كما علقت بلغة رائعة شفافة، وبيان مفصح على فيلم سينمائي عرض بعد جلسة الافتتاح للمخرج التونسي “الناصر خمير”، تناول كتاب “طوق الحمامة” ومؤلفه بالدراسة والتحليل.‏

استلهمت دراستها عن “المرأة عند ابن حزم في مجال الأحكام الشرعية”، من كتاب “الإحكام في أصول الأحكام”، لابن حزم. ووسمت هذا المستوى بمجال “الممنوع”، كما جاء في بحثها، وتحدثت عن مفهوم القانون ودوره في تشكيل صورة المرأة من جهة، وعلاقتها بالرجل من جهة أخرى، والخلفيات الثقافية والاجتماعية المسيرة لمفهوم القانون في تلك الفترة التاريخية في الأندلس وفي الحضارة العربية الإسلامية.‏

واستمدت الدكتورة ألفة يوسف القسم الثاني الذي يبحث في صورة المرأة عند ابن حزم الشاعر والمتغزل والأديب، المتحدث عن العشق والحب من خلال مفهوم نفسي سمته”الممتنع أو المستحيل”، محاولة من خلال “طوق الحمامة” الوقوف على علاقة العشق باعتبارها تعبيراً عن افتقار الذات البشرية إلى الآخر افتقاراً قد يتجسم في نفي الاختلاف عن الآخر ومحاولة التماهي فيه. وفي رفض الاتصال به حفاظاً على وهم الاتحاد الممكن.‏

ومن ثم تناولت العلاقة بين “الممنوع والممتنع”، انطلاقاً من أعمال ابن حزم في نقدها.‏

والجدير بالذكر أن د.ألفة يوسف من مواليد عام 1966، ولها مؤلفات عديدة في المرأة منها، “نساء وذاكرة”، ومنها: “الإخبار عن المرأة في القرآن”، وهي مطبوعة ومنشورة.‏

ومما لاشك فيه أنها ستغني البحث العلمي بجهودها وإسهاماتها المميزة في الفكر العربي الإسلامي والإنساني في مسيرة عطائها.‏

أما الباحثة الثانية فهي الدكتورة “رجاء بن سلامة”، من تونس أستاذة بكلية الآداب منذ ثلاث عشرة سنة كما جاء في سيرتها الذاتية.‏

تحدثت الدكتورة “ابن سلامة” عن “ابن حزم ومقالته الأكر المقسومة”، ضمن فعاليات الجلسة الخامسة للندوة والتي خصصت لابن حزم الأديب.‏

هذه المقالة كما تقول د.رجاء موجودة في كتاب “مروج الذهب” للمسعودي، أما عن موضوع، المقالة فقد ذكرت الباحثة أن ابن حزم يشير بعبارة يحفّها الغموض إلى أن “الأرواح أكر مقسومة”، لكن على سبيل مناسبة قواها في مقر عالمها العلوي، ومجاورتها في هيئة تركيبها…”. وصورة “الأكر المقسومة”، المنشطرة الآتية من مأدبة أفلاطون تحوَّلت إلى “مقالة”، ترجع الشوق إلى الله مقلّب القلوب في الأبدان، وتنزل الوله (فقدان المعشوق وتضييعه) في إطار ما ورائي”.‏

ومما جاء في بحثها أن الحب الذي يتحدث عنه ابن حزم ليس الحب الأفلاطوني، ولا العذري، ولا الحب المستلهم من الصوفية، بل هو حب أقرب إلى المرضية، إن الحب الذي يؤسس له ابن حزم هو:‏

“الألفة والألاّف”.‏

والدكتورة “ابن سلامة”، ضليعة في أبحاث العشق والوله والحب، وقد حصلت على شهادة دكتوراة دولة على دراسة قدمتها تحت عنوان: “العشق والكتابة في الأدب العربي”، كما لها دراسة أخرى بعنوان: “من أسماء الحب إلى مصارع العشَّاق”، ومن هنا جاء بحثها الذي قدمته في الندوة عن ابن حزم متيناً شاملاً ودقيقاً طرح عدداً كبيراً من التساؤلات والمقولات.‏

هذا، وقد تجلت صورة المرأة المفكرة المجلِّية في مشاركة الدكتورة الباحثة سعاد الحكيم من لبنان الشقيق. وقد تحدثت عن القيم الأخلاقية والجمال عند ابن حزم بدقة وموضوعية، ألقت أضواء جديدة عن أهمية الخلق في الحضارة. إذ تقول:‏

“إن الحضارة لا تقاس بالإنجازات، والتقنيات والاكتشافات فقط، بل من الواجب أن تقاس أولاً بالخلق، لأنّها إنسانية الإنسان، ومبدأ رقيِّه، الأخلاق سلم ذاتي وأهلي، لأنها مبدأ المصالحة مع الذات وشرط قبول الآخر والمصالحة معه”.‏

كما تضيف قائلة:‏

“واستناداً إلى هذه الرؤية الإنسانية للأخلاق، أقول إن الفكر الإسلامي ـ الصوفي والفقهي ـ لديه الكثير ليقوله لإنسان هذا العصر، وإنه قد آن الأوان لأن نخرج من حضانة الآخر لنكتشف ذواتنا. ولن يحجبني هنا أن أرى وجه أفلاطون، أو ملامح أرسطو، أو سمات جالينوس في النص الأخلاقي لفقيه، بل سأزيح هذه الحجب لأرى ماهو الجديد الذي قدَّمه الفقيه المسلم في حقل الأخلاق الإنسانية.‏

وماذا لديه مما ينفع البشرية اليوم”.‏

أما في حديث الدكتورة حكيم عن الجمال. فقد ذكرت أن ابن حزم يصنِّف الجمال في الشخص الجميل على أربعة أشكال: “الحلاوة، والقوام، والروعة، والحسن”، ثم تحدد صفات كل منها.‏

وتتساءل عن دور جمال الصورة الظاهرة في الحب الحقيقي، وتطرح هذا السؤال على ابن حزم نفسه، فيجيبنا قائلاً من نص رائع:‏

إن الصور الظاهرة تلعب دور الجاذب والواصل بين أجزاء النفوس المقسومة “تظهر فيه حركة ميل الإنسان منذ البداية مع الشهوة التي ربما لا ينتقل عنها. تموت الشهوة أو ينتقل من مرحلة “شهوة النفس”، إلى مرحلة “اتصال النفس”، والجمال الحسيّ يلعب دوره في جذب أجزاء الصورتين تمهيداً لاتصالهما”،‏

كما يقول: “النفس تولع بكل شيء حسن، وتميل إلى التصاوير المُتْقَنة، فهي إذا رأت بعضها تثبَّتت فيه. فإذا ميَّزت وراءها شيئاً من أشكالها اتصلت، وصحَّت المحبة الحقيقية، وإن لم تميز وراءها شيئاً من أشكالها لم يتجاوز حبها الصورة، وذلك هو الشهوة، وإن للصور لتوصيلاً عجيباً بين أفراد النفوس النائية”. ـ طوق الحمامة ـ‏

تلك ، كانت قبسات مما جاء في بحث الدكتورة الحكيم عن رؤيتها الفكرية العميقة للأخلاق والجمال بعد “أن تقدَّمت تجربتها الإنسانية، وتوسَّعت معارفها الصوفية”، كما تقول.‏

وفعلاً إن للباحثة د. حكيم باعاً مميزاً وثقافة واسعة في موضوع التصوف، والتصوف المقارن، والطرق الصوفية، وهي رئيسة قسم الفلسفة في كلية الآداب ـ الجامعة اللبنانية ـ ولها في هذا الميدان كتب كثيرة، منها “المعجم الصوفي”، و”ابن عربي ومولد لغة جديدة”، وكتاب “عودة الواصل”، وكلها كتب دسمة منشورة تغني بمعلوماتها المكتبة العربية الإسلامية.‏

ونتابع جولات البحث الفكري لدى المرأة لنقف عند الباحثة مزينة حمارنة.‏

الباحثة من مواليد دمشق، ولكنها اعتذرت عن حضور الندوة لإقامتها في برلين، وقد ألقى الضوء على بحثها والدها الدكتور الباحث نشأت حمارنة.‏

الباحثة حمارنة متخصصة بعلم الآثار والتاريخ القديم وقد درسته في جامعة برلين. ومن ثمة حصلت على درجة الماجستير في حقل الدراسات الإسلامية والأدب النسائي كما جاء في سيرتها الذاتية.‏

وتصب معظم دراساتها في إطار “المجتمع الإسلامي ووضع المرأة”.‏

وقد ترجمت نماذج عديدة من أدب المرأة في الشعر العربي والرواية إلى اللغة الألمانية.‏

شاركت الباحثة حمارنة في ندوة “ابن حزم”، بموضوع “كتاب طوق الحمامة”، التأثر والتأثير”، والبحث متفرد، أشادت فيه بأهمية الكتاب مما دعا القريبين، لترجمته إلى لغاتهم ولاسيما اللغة الألمانية.‏

وأوضحت أثر الكتاب في الحضارة الغربية، واهتمام النقاد بدراسته دراسة فنية غنية في القرن العشرين.‏

وتقف الباحثة عند الترجمة الألمانية لكتاب “طوق الحمامة”, مشيرة إلى ترجمة “فايسفايلر Weisweiler”. عام 1942م. والتي اعتمد فيها على ترجمة قديمة “لبتروف Petrov”، عام 1914هم مستفيداً من شروح وتعليقات ثقات من مؤرخي الأدب العربي ومنهم “بروكلمان”، وكولد تسايهر Goldzieher”.‏

وفي نطاق التأثر والتأثير تذكر الباحثة العلماء الذين أخذ عنهم ابن حزم، وتأثر بأفكارهم، وفي مقدمتهم الجاحظ وابن سينا، أما عن التأثير فقد أوضحت أثره الفكري والعلمي فيمن جاء بعده من المفكرين كابن خلدون وابن رشد وغيرهم.‏

ومما جاء في بحثها أن “ابن حزم اختطَّ لكتابه خطة واقعية تعطي صورة للحب والمحبين بعيدة عن التشويهات المؤذية للحياء التي جاءت من الشرق الإسلامي أحياناً، ومن التراث البيزنطي المتأخر أحياناً أخرى، والتي تشوّه نقاء الحب، وصفاء المحبين كما عرفه العرب في تاريخهم قبل الإسلام”.‏

ومع أن هذه المقولة تحتمل كثيراً من التساؤلات والنقاش لكن عدم حضور الباحثة للندوة لم يفتح باباًللحوار.‏

هذا عن المرأة وأبحاثها، أما عن الندوة وما يمن أن يقال عنها، فقد استمرت فعاليَّاتها على مساحة زمنية امتدت ثلاثة أيام من 2/2/2002 وحتى 4/2/2002، جالت في حياة ابن حزم وثقافته، والمصادر التي كونت فكره والمؤلفات التي كانت ثمرات طيبة لثقافته الموسوعية وأفكاره.‏

كذلك قدمت في رحاب الندوة أبحاث متعددة تناولت موضوع الجمال، والأخلاق عند ابن حزم، بالإضافة لما قدمته د.حكيم.‏

في حين توسع أعلام الفقه والدين من الباحثين في الحديث عن فقه ابن حزم، وتناولته الدراسات فقيهاً، ظاهرياً، صوفياً، عالماً، بالملل والنحل، ومحدثاً أصولياً أوضح موقف السنة من القرآن الكريم كما وظف الأحاديث النبوية الشريفة في تسجيل رحلة الحج المباركة للرسول الكريم، في كتابه: “حجة الوداع”.‏

أخيراً توزعت موضوعات أخرى لتطول الجانب الأدبي في شخصية ابن حزم الشاعر والأديب. وأخرى تناولت القضايا اللغوية والفكرية عند ابن حزم، ولم تغفل هذه الدراسات أيضاً ابن حزم المفكر السياسي والمؤرخ والعالم بخاصة في علم الفلك أو الهيئة.‏

لاشك. أن جهوداً علمية قد بذلت في كثير من الأبحاث لكن هذا لم يمنع من تكرار بعض المسائل والموضوعات. ربما لعدم التنسيق بين الباحثين، أو لعدم دراسة الأبحاث المقدمة من قبل اللجنة العلمية في فترة زمنية كافية لاستبعاد الأبحاث المكررة والتي تعالج فكرة واحدة، ولاسيما فيما يتعلق بكتاب ابن حزم “طوق الحمامة”، وتكرار الأبحاث التي تناولت مصادر المعرفة عند ابن حزم. بحيث طغى الكمي على النوعي، وتم تغييب بعض الدراسات النقدية لصالح الدراسات الوصفية والسردية.‏

وفي حين استفاض بعض الباحثين في سرد أمور فضفاضة معروفة لدى الحاضرين من المهتمين بالدراسات التاريخية والتراثية فإن بعض الأبحاث كان ضنّيناً في تقديم الفكرة وتحليلها لدرجة الإخلال في معالجة الموضوع في عنوان بحثه. كما أسهبت بعض الأبحاث في سرد المقدمة أو المدخل إلى البحث مما أضاع الوقت المخصص لكل باحث فلم يستطع تقديم بحثه كاملاً وفق منهجية تحليلية مدروسة.‏

ومع هذا يمكن القول بأن أكثر الأبحاث قدمت مقولات معرفية سلطت الأضواء على شخصية ابن حزم الأندلسي، ونبشت في زوايا وأركان معارفه القيمة, مما رسم خطوطاً عريضة وواضحة لهذا العالم الفذ الذي جمع بين ضروب العلم المختلفة مما لم يجمعه عالم آخر. وقد تم إحضار ابن حزم إلى ربوع الشهباء وجامعتها بعد أن فصلتنا عنه مئات عدة من السنين (384-456هـ)، (994-1064م).‏

ساهمت تلك الندوة الدولية التي شارك فيها علماء عرب وإسبان وآخرون وفدوا من بريطانيا في إبراز فضل ابن حزم وعلمه وأثره في الفكر الإنساني في مشرق الأرض وغربها. كما أقامت الدليل على أن ابن حزم كان رمزاً للثقافة العربية الأندلسية بما تركه من إنتاج فكري متنوع وغزير. إذ بلغت مؤلفاته أربعمائة مجلد ضمَّت ما يقرب من ثمانين ألف ورقة. وكان من أشهر هذه المؤلفات كتاب “طوق الحمامة”، الذي التصق اسمه بابن حزم التصاق الماء بالهواء. وكتاب “الفضل في الملل والأهواء والنحل”، وموسوعة “المحلى” وكتاب “حجة الوداع”، وكتاب “الإحكام في أصول الأحكام”، وغير ذلك من الرسائل والمقالات التي تناولت مواضيع مختلفة.‏

وأخيراً لقد كانت الندوة الدولية لابن حزم الأندلسي تعبيراً عن التواصل بين الحضارات والتعايش بين الأديان، ولعلها ستحقق آمالاً كبيرة ما زالت تحدونا ـ نحن العرب ـ لإثبات هويتنا الحضارية وثقافتنا العربية الإسلامية التي بنى الغرب عليها حضارته وثقافته وفكره. وهذا ما عبر عنه مدير معهد سرفانتس الإسباني “د.كارلوس فارونا”، بقوله:‏

“لا يسعني إلا أن أشير إلى ضرورة استعادة روح ابن حزم لبدء حوار حضاري حقيقي”.‏

*الباحثة سليمى محجوب.عضو مجلس إدارة في الجمعية السورية، لتاريخ العلوم ـ معهد التراث العلمي العربي بحلب.‏