بسم الله الرحمن الرحيم

بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين وبعد
فقد ذكر الشيخ المحقق عبد الفتاح أبو غدة رحمه الله فائدة عزيزة في كتابه ((خمس رسائل في علوم الحديث)) ص 52, فقال:
قال ابن الأثير في ((النهاية)) 3:187 في (عجم):
((المعجم حروف أ ب ت ث, سميت كذلك من التعجيم. وهو إزالة العجمة)). انتهى.
قلت: وهي حروف الهجاء التي يركب منها الكلام, ويقال لها أيضا: حروف التهجي, والتهجية, وسميت حلاوف الهجاء لتقطيعها, لأن الهجاء تقطيع اللفظة إلى حروفها والنطق بالحروف مع حركاته. وسميت حروف المعجم أيضا من الإعجام, وهو إزالة العجمة والاسبهام عنها بالنقط لبعضها والإغفال لبعضها, وهي 28 حرفاً كما هو معلوم.
قال: ويتفق ترتيبها بين المشارقة والمغاربة حتى الزاي, ثم يختلف فيكون ترتيبها عند المشارقة بعد الزاي:
س ش ص ض ط ظ ع غ ف ق ك ل م ن ه و ي,
وعند المغاربة بعد الزاي:
ط ظ ك ل م ن ص ض ع غ ف ق س ش ه و ي,
والحافظ ابن عبد البر رحمه الله رتب أحاديث ((الموطأ)) عن شرحها في ((التمهيد)) على أسماء شيوخ الإمام مالك, بترتيب حروف الهجاء أو المعجم عند المغاربة, وكذكل رتب أسمائهم لسياقة حديثهم في ((تجريد التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد)), ولكن الأستاذ حسام الدين القدسي رحمه الله تعالى, لما طبع ((التجريد)) غير الترتيب فيه إلى ترتيب المشارقة, في أسملء شيوخ مالك, فأخطأ ووقع له من ذلك اضطراب, حتى حكم على النسخة المخطوطة بالنقص! وهي تامة انظر من ((التجرد)) ص 3 و 56.
وترك الأستاذ حسام الدين ترتيب ((باب الكنى فيمن لا يوقف على اسمه)) ص 239 كما هو على ترتيب المغاربة, فأحسن. وذلك أن تغير الترتيب الذي أسس المؤلف كتابه عليه في مثل هذا –كابن عبد البر مثلا-, يفضي إلى أن تختل الإحالات فيه.
فإذا أحال المؤلف مثلا في حرف السين أو الشين أو العين أو الغين المتأخرة في ترتيبه, إلى ما تقدم في ترتيبه في حرف الميم مثلا, فقال: وقد تقدم هذا فيما سبق, وغُير الترتيب فجعل على ترتيب المشارقة, صارت الإحالة غير صحيحة, لأن المحال إليه صار بعد المحال منه, فلذا ينبغي ابقاء الترتيب على ما هو, حتى لا تفسد الإحالات, أو إاذا غُير الترتيب فيجب التنبيه عليه في التقدمة للكتاب, ويجب تعيين موضع كل \غحالة تشير إلى متقدم وقد صار متأخرا, حتى لا يتناقض كلام المؤلف, ولا يتيه القارئ أو المراجع.
وقد سلك الحافظ ابن عبد البر في كتابه ((الاستيعاب في معرفة الأصحاب)), في إيراد أسماء الصحابة, ترتيب الحروف عند المغاربة. فغير المحقق الأستاذ محمد علي البجاوي رحمه الله تعالى الترتيب إلى ترتيب المشارقة, فوقع له ذلك الخطأ نفسه في الطبعة التي حققها وطبعة في مطبعة نهضة مصر سنة 1380, ثم صورت عنها في بيروت.
بعد هذا أعود إلى لفظ (حروف المعجم), قال غمام العربية والتصريف أبو الفتح عثمان بن جني –بسكون الياء معرب كِنّي, وليس منسوباً إلى الجن-, الموصلي رحمه الله تعالى, في كتابه العُجاب ((سر صناعة الإعراب)) 1: 33-44 م خلاصته:
((قولهم (حروف المعجم), (المعجم) هنا مصدر بمنزلة الإعجام, كما تقول أدخلته مدخلاً, وأخرجته مخرجاً, أي إدخالا وإخرجاً, وفي قراءة بعض القراء: ((ومن يهن الله فما له من مُكرَم)) بفتح الراء, أي من إكرام, فكأنهم قالوا: هذه حروف الإعجام. –فلفظ (المعجم) هنا: مصدر ميمي رباعي-.
وهذا التوجيه أشد وأصوب من أن يذهب إلى أن قولهم: (حروف المعجم) بمنزلة قولهم: (صلاة الأولى) و(مسجد الجامع), لأن معنى ذلك: صلاة الساعة الأةلى, ومسجد اليوم الجامع, فالأولى غير الصلاة في المعنى, والجامع غير المسجد في المعنى أيضاً, وإنما هما صفتان حذف موصوفهما, وأقيمتا مقامهما.
وليس كذلك (حروف المعجم), لأنه ليس معناه حروف الكلام المعجم, ولا حروف اللفظ المعجم, وإنما المعنى أن الحروف هي المعجمة, فصار قولنا: (حروف المعجم) من باب إضافة المفعول إلى المصدر, كقولهم: هذه مطية ركوب, أي من شأنها أن تركب, وهذا سهم نضال أي من شأنه أن يناضل به, وكذلك (حروف المعجم) أي من شأنها أن تعجم.
فإن قيل: إن مادة (عجم) إنما وقعت في كلام العرب للإبهام والإخفاء ضد البيان والإفصاح: من ذلك قولهم: رجل أعجم, وامرأة عجماء, إذا مانا لا يفصحان ولا يبينان كلامهما, وأنت إذا قلت: أعجمت الكتاب, فإنما معناه أوضحته وبينته.
فالجواب أن قولهم (أعجمت) وزنه (أفعلت), وأفعلت هذه وإن كانت في غالب أمرها, إنما تأتي للإثبات والإيجاب –نحو أكرمت زيداً, أي أوجبت له الكرامة وأحسنت إليه أثبت الإحسان إليه- فقد تأتي (أفعلت) أيضاً يراد بها السلب والنفي, وذلك نحو أشكيت زيدا, أي زُلت له عما يشكوه أو أزلت شكايته, فالهمزة هنا للسلب. فكذلك يكون قولنا: أعجمت الكتاب أي أزلت عنه استعجامه.
وقد قالوا أيضاً: عجّمت الكتاب, بتضعيف الجيم, للسلب أيضاً, كما جاءت أفعلت. ونظير عجمت في النفي والسلب قولهم: (مرّضت الرجل) أي داويته ليزول مرضه, و(قذّيت عينه) أي أزلت عنه القذى, وإن كانت (فعلت) في أكثر الأمر للإيجاب. نحو علّمته, وقدّمته, وأخرته, وبخّرته أي أوصلت هذه الأشياء إليه.
فإن قيل: إن جميع هذه الحروف ليس معجما, إنما المعجم بعضها, ألا ترى أن الألف والحاء والدال ونحوها ليس معجما, فكيف استجازوا تسمية جميع هذه الحروف حروف المعجم؟
قيل: إنما سميت بذلك لأن الشكل واحد إذا اختلفت صوره, فأعجمت بعضها وتركت بعضها, فقد علم أن المتروك بغير إعجام هو غير ذلك المعجم, فقد ارتفع بهذا الإشكال والاستبهام عنهما جميعاً.
ألا ترى أنك إذا أعجمت الجيم بواحدة من أسفل, والخاء واحدة من فوق, وتركت الحاء غفلاً, فقد علم بلإغفالها انها ليست واحدة من الحرفين الآخرين, أعني الجيم والخاء, وكذلك الدال والذال, والصاد والضاد وسائر الحروف, فلما استمر البيان في جميعها, جازت تسميتها بحروف المعجم)). انتهى. ونقله العلامة ابن منظر باختصاره في كتابه ((لسان العرب)) في (عجم), وأقره.
هذا, ويخطئ بعضهم فيعبرر عن (حروف المعجم), بقوله: (حروف أبجد هوز), فيقول مثلا: وسلكت في ترتيبه على حروف أبجد هوز, وهو يقصد حروف المعجم أ ب ت ث ج…., فيخئ إذ هما متغايران تماماً, فاعلم ذلك.))
انتهى كلام الشيخ رحمه الله تعالى ولا يخفى ما فيه من درر.