بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد خاتم الأنبياء والمرسلين، أما بعد:

فالحمد لله الذي خلقنا، ومنحنا من نعمه الظاهرة والباطنة، ووفقنا للوقوف على كتابه، وعلى سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وما ظهر منها بيقين لا شك فيه من أحد.

فقد دار بيني وبين أخ حبيب ناصح أمين من أيام حديث عن مسألة طلبة العلم، وأثار الكلام في النفس بعض الشجون، وذلك أني رأيت بعض طلبة العلم من انشغل بالمهم عن الأهم، وترك الذي وجب عليه إلى ما هو دونه في الألزام من الله تعالى، فرأيت أن أنصح نفسي، ثم الأصحاب والأحباب، فلعل الله يغير ما في نفوسنا جميعاً.

فكل طالب علم فإن من همومه أن يوصل الخير والحق إلى الناس، وإلى من حُرِم من هذا الحق، وهذا من أفضل القربات إلى الله تعالى بلا شك، فهو من أعمال أنبياء الله تعالى.

إلا أن هذا العمل يوجب على طالبه أمور، ومن تلك الأمور:

الأمر الأول: الإخلاص لله تعالى.

فلا يكون عملك صالحاً متقبلاً إلا بهذا الإخلاص، وجميعنا يزعم أنه مخلص لله تعالى، لكنه إذا واجه يقينا من نص يخالف ما ذهب إليه فقد يحيك في نفسه شيء ما، وقد يحاول التملص منه بغير يقين، ويتبع طريق الظن والرأي والتحكم، لنصرة ما يراه حقاً مما قام برهان على بطلانه.

وهذا الفعل يناقض الإخلاص لله تعالى، فمن علم أنه يتعلم لأجل الله تعالى، ولأجل بيان حق في دينه، وأن يكون لبنة في بيت الإسلام، لينفع مسلماً أو مسلمة، علم أن المعاندة، ودفع الحق لأجل ما يعتقد المرء من أفسد الأشياء لنيته وإخلاصه.

فدين الله تعالى ليس لأحد، وإنما هو له سبحانه وتعالى، وعلى طالب العلم أن يقبل الحق متى ما ظهر له بشرط أن يكون دليله متيقن، وإن كان برأي أو ظن فلا يجب عليه قبوله، ولا يندب ولا يباح أيضاً.

فقد يقول المرء منا قولاً، فيجد البرهان الذي فيه فساد قوله، فإن كان عالماً أنه برهان متيقن ثم رده فليس ذلك من صفة طالب العلم، وإنما هذه صفة سوء أعاذنا الله وإياكم منها.

فالحق متى ما ظهر وأينما ظهر فطالب العلم أحق به، سواء ظهر ممن هو دونك في العلم والسن، أو ممن هو أعلى منك في كل شيء.

وكلنا يزعم هذا، ولكن حين يأتي التطبيق، والعمل بحكم الله تعالى، تغيب المراقبة للواحد القهار، وينشغل القلب بمداخل الشيطان، كوسواسه له بأن قبولي لهذا يوجب نقص شأني بين الناس، أو بيان جهلي في تلك المسألة، أو عدم فهمي، وغيرها من مداخل الشيطان، فإذا بلغ الشيطان بك هذا المبلغ فاعلم أنك تحتاج إلى اطراح بين يدي الله تعالى، وأنك بعيد عن فهم معنى مراقبته ومعيته، وأنك أكثر الناس استخفافاً بخالقك.

فلا يوجد أحد إلا وهناك من هو أعلم منه، ولا يوجد أحد وهو يعلم كل شيء، أو يعلمه في نفس وقت ذكر هذا العلم ، وقد يعلم المرء منا علماً في مسألة أو أمر، وحين يسأله الناس تغيب عنه، إما عقوبة من الله تعالى، وإما اختباراً له، فقد يعصي الله تعالى فيبتليه بنسيان تلك المسألة، أو نسيان أصل بأكمله، وكم من حافظ للقرآن نسى ما حفظه لأجل ذنب فعله.

فالله الله بمراقبة الله تعالى، ولا يعين على ذلك إلا لقائه في الليل، وكثرة السؤال، ودوام الدعاء بالحفظ والثبات على الدين والحق.

وأنا أولكم أحتاج هذه الكلمات، ولست بأفضلكم، ولا أدعي ذلك، فكل إنسان له ذنب ولا بد، ومنا المحسن، ومنا المسيء، فالله المستعان.

الأمر الثاني: العمل.

إذا تحققت من صحة الإخلاص، وتبينت سبله، فاعلم أن الطريق بعد الإخلاص هو العمل بما ثبت عندك من حق متيقن، وطلب العلم الذي لم يثبت عندك بعد، حتى تتيقن منه، وهكذا أمر المؤمن في دنياه، فهو في شغل وعمل دائم حتى يلقى الله تعالى.

فكل من رأيته يكثر الجلوس، والمزاح، والحديث، والزيارات، ويجعلها لله كما يقول بعض طلبة العلم، بلا حاجة حقيقية فإنه بعيد عن الطلب بعد المغرب من المشرق، وما رأيت عالماً معاصراً أو من المتقدمين أضاع وقته في الهذر والكلام الذي لا طائل تحته، ولو كانوا كذلك لما نفع الله بهم هذه الأجيال الكثيرة.

وبعضهم يقول: هذا لأجل الدعوة !
ولا أدري كيف تكون دعوة بلا عدة، وحرب بلا سلاح، وكتاب بلا مداد، فهذه دعوى مردودة، وأن أصحابها ظنوا أنهم يتخلصون من انتقاد أقرانهم إذا ذكروا لهم قضية الدعوة.

نعم الدعوة مطلوبة، إلا أنها لا تكون عن جهل، وكم من داعية جلس سنين طويلة في الدعوة وليس له نصيب من العلم، وكل عمله حفظ بعض كتب الوعظ، وأشعاره، وقصص من السيرة، ومن سير الصحابة والتابعين، فظن نفسه أنه من العلماء.

فعلامة طالب العلم عندي: الانشغال الدائم في التدوين والقراءة، ومنا من يحفظ ولا يحتاج إلى التدوين، إلا أن التدوين فيه فائدة، فالحافظ قد لا يسمعه كل الناس، وإنما يسمعه من حوله، فتضيع فائدته تلك.

أما الذي يكتب ويدون فإن هذه المدونات قد تنشر، في كتاب، أو رسالة، أو موقع، فيستفيد منها من حرم منها، وفي هذا فضيلة على الحفظ، فمن جمع الحفظ والكتابة كان أكثر فائدة من غيره.

واعلم أن التدوين مر بمراحل كثيرة، ولا أريد بيان ذلك، لكن أريد الكلام على بعضها، وهو تدوين أهل عصرنا هذا بما يطلق عليه ( البطاقات ) التي تفهرس بعنوان دال على محتواها، وتوضع بوسطه المعلومة، مع العزو، فهذه طريقة مشتهرة اليوم، والجميع يطالب بها، إلا أنني أرى أن عهدها قد ولى.

فالذي يريد جمع البطاقات هذه، فعليه أن يفهرسها، ثم يرتبها، ثم إذا أراد كتابة شيء موجود فيها أخرجها، وفرزها من جديد، ثم نقلها في أوراق، أو ملف ( وورد ) وهذه في الحقيقة مضيعة للوقت، والسبيل الأفضل هو:

العمل على الأجهزة: وذلك في برنامج ( وورد ).

بحيث تكون البطاقة موجودة في ملف وورد، ولكن بطريقة أخرى، فالعزو في الهامش، والمعلومة تكتب في أي صفحة، ولا يضرك أين كتبتها، في الأول، أو في آخر الصفحة، فمجرد اختيار فرز المحتوى: يفرز لك البرنامج هذه المعلومات بحسب الحرف الأبجدي.

وأعطيكم مثالا صغير: أثناء عملي في موسوعة فقه داود الظاهري، جمعت الكثير من المسائل، وكنت أكتبها هكذا:

وضوء: شروطه: …. (1)
ماء: أقسامه …. (2)
وضوء: نواقضه … (2)

وأضع العزو في الهامش، ولا أعتني بالترتيب، لأن الجمع هذا أولي، كجمع البطاقات بلا فرق، وكل من دون شيئاً لا بد أن يكون هذا التدوين آلي تلقائي، بمعنى أنه لا يفكر في ترتيبه أثناء هذا التدوين، فكل ما عليه هو التدوين، ويترك الانشغال في الترتيب إلى وقت آخر.

ثم حين أفرغ من كتاب أو كتب أختار فرزها أبجدياً، فيجعلها هكذا:

ماء: أقسامه …. (1)
وضوء: شروطه: …. (2)
وضوء: نواقضه … (3)

ويتغير رقم الهامش تلقائياً، وهكذا تكون عندي أكثر من بطاقة في ملف واحد، وبعد كل عمل: أحفظ العمل على قرص خارجي، مع حفظي له على الجهاز، حتى آمن من الضياع والتلف، وتارة أنسى، ومن منا لا ينسى !

فالقصد أن طريقة الترتيب للمعلومات في ملف ( وورد ) أصبحت أسهل وأفضل للجمع، وخاصة من لا يتمذهب بمذهب معين، وذلك لأنه يتعلم أكثر من علم، ويجمع أكثر من فن، فيبدأ يقارن، ويفرق، ويميز بين ما جمعه، ولا يكتفي بذكر تعريف شيء ما من كتاب ابن حزم مثلاً، أو غيره، وإنما يبحث عنها في بطون الكتب.

وقد قرأنا كثيراً كتب في اللغة، منها الصغير، ومنها الكبير، وكذلك الأدب، والفقه، والتاريخ، والسيرة، والأصول، فتخيل لو دونت كل ما تقرأ، فماذا ستكون النتيجة الآن ؟!

أعطيكم هذا المثال: عندما كنت اشتغل في المحلى، فماذا كنت أصنع ؟!

كنت أفتح المحلى، وافتح أمامي أكثر من ملف ( وورد ) واحد للتعريفات، والثاني للأحاديث، والثالث للآيات وتفسيرها، والرابع للرجال، والخامس في بيان علل الحديث، والسادس لمسائل فقه ابن حزم، والسابع للقواعد الفقهية، والثامن الفروق الفقهية، والتاسع لتناقضات المذاهب، فكلما وقفت على شيء من ذلك وضعته في مكانه، فصارت عندي رسائل في هذه الأبواب لا تحتاج إلا للترتيب والمراجعة والمقارنة.

ويكون كل ذلك في مجلد اسمه: ( أعمال المحلى ) على سبيل المثال، وعندي آخر باسم ( معجم لغة الظاهرية ) وهو لكل تعريف وقفت عليه لأهل الظاهر، وآخر باسم ( تفسير الألفاظ الشرعية ) وهو في جمع كل تفسير لأهل اللغة المتقدمين لآية أو حديث، وآخر باسم ( فقه الظاهرية ) لكل قول للظاهرية وقفت عليه، فحين اشتغلت في موسوعة فقه داود الظاهري لم أجد المشقة الكبيرة، فالكثير من هذه الأقوال قد جمعتها منذ زمن طويل.

ذكرت ذلك لتتصور المسألة، وتستبين فائدتها مستقبلاً، فقد ترى أن هذا لا يناسب الآن، وكذلك قلت أنا في البداية، فحثني شيخي أ.د محمد رواس قلعه جي على ذلك، فبدأت بالجمع، فبعد ذلك جمعت الكثير والكثير جداً، وهذا بفضل الله تعالى وتوفيقه.

وسيأتيك يوم تتفرغ بعد الجمع، وتكتفي من أمهات المصادر، وترى بقية الكتب أنها لم تزد على أصولها إلا ببعض ما يمكن الاستغناء عنه من شرح أو تقييد ونحو ذلك، فتبدأ بالترتيب والتصنيف.

واليوم لا أرى عالماً يؤلف الكتب أسرع من شيخي حفظه الله، وذلك أن كل فقه السلف مكتوب ببطاقات عنده على الطريقة القديمة، فيخرجها، ويفرزها، ويرتبها، فيبدأ صياغة الكتاب، وبمرور عام يكون الكتاب جاهزا للنشر، كموسوعاته في فقه السلف، فصحيح هناك انتقاد من جهة تحقيق صحة القول إلى المنقول عنه، لكنه جمع وموسوعة لم يسبق إليها على حد علمنا إلا بعض ما جمعه السلف في فقه ابن عباس، أو الزهري، ولم يصلنا ذلك.

فالعمل أساس طالب العلم، والرأس إن لم يملأه طالب العلم بالعلم سيمتلئ بغيره ولا بد، فالكأس إن لم يكن فيه سائل أو جامد، ففيه هواء ولا بد.

فابدأ بوضع خطة لنفسك، وبحسب ما بلغت من علم، وفينا المتقدم، وفينا الجديد، وكل واحد منا بحسبه، واستشر من تثق به، ودون هذه الفوائد، ورتبها، لتستفيد منها لاحقاً، فهي أول عدة لك، لتبني عليها ما يستجد.

وقد كان ابن حزم رحم الله أول ما طلب العلم لخص كتب، أو رتبها، كترتيبه لأسماء الصحابة الرواة الذين ذكرهم الإمام بقي بن مخلد رحمه الله، وترتيبه أو اختصاره كتاب الضعفاء من المحدثين للساجي، وكذلك اختصاره الموضح في الفقه لابن المغلس الظاهري، وصنعه كتاب التصفح في الفقه، وهو اختصار مسائل الفقه، فهذه عدة طالب العلم، يهيئ منها ما يجده، ثم يضيف ما وجد على أصله، وهكذا، حتى تكون رسائله درر من كل وجه.

اذكر حدثني صاحبنا الحبيب ( أبو الزهراء الشافعي ) أنه كثير القراءة، وأنه قرأ مئات الكتب بحسب ما اذكر، ولو دون صاحبنا هذه المعلومات في ورقات لكان اليوم شيئاً نفيساً للغاية، ولا أدري لعله بدأ في ذلك متأخراً، لكن بكل حال فهو أفضل من عدم كتابة شيء، فأسأل الله له التوفيق والسداد، فهذا مثال لبعض طلبة العلم الذين يكثرون القراءة، وما أكثرهم في عصرنا والحمد لله، ويبقى فقط ترتيب وتدوين ما وجدوا في بطون هذه الكتب، وهذه مع المران، والسؤال، تأخذ الشكل الذي يريده طالب العلم.

الأمر الثالث: المثابرة والمداومة.

ثمرة العمل لا تظهر إلا بالمداومة والمثابرة، فلا بد أن يفهم طالب العلم العقبات التي ستواجهه، والتي ستشغله عن عمله الأيام أو الأسابيع، وهذه لا بد منها، فهي من المنقصات على طالب العلم !

فكلما تقدم طالب العلم في عمله، وكان بالنسبة له الأساس الذي يبني عليه، وأن الحق لا يعرفه إلا بمعرفة هذه العلوم، وصور ذلك في نفسه بحيث اعتقد صحته وضرورته فكلما كان البعد عن طلب العلم بالنسبة له منقصة ووحشة.

ولا يعرف ذلك إلا من جربه، وكنت استغرب من شيخي حفظه الله إذا عرض له ما يشغله عن عمله، فكان يقول: إني أمرض إذا لم أعمل، وكنت أظنه يبالغ في ذلك، ولكن لما أوقع الله تعالى محبة طلب العلم في نفسي، وجدت ما وجده، فكنت إذا لم أعمل شعرت بالضيق والملل والثقل في الجسد، وكأني مريض فعلاً، فإن قمت إلى العمل، رجعت طاقتي، واستعدت عافيتي بفضل من الله تعالى، فعلمت أن للعلم حلاوة لا يدركها إلا من أحبه حقاً.

وكل طالب علم له فترة، يمل أحياناً، ويستكثر ما سيجمع في كتاب كذا، ويدخل الشيطان هنا، ويحاول ثنيك عن عملك، وتشتيت همتك، تارة بالأهل والأصحاب، وتارة أخرى بالترويح عن النفس حتى لا تمل، ونحوها من مداخل الشيطان.

ولا يكون طالب العلم متميزاً إلا إذا أعطى كل ذي حق حقه، فأعطى أهله بعض وقته، وأصحابه كذلك فيما لا يشغل عن طاعة الله، ويروح عن نفسه بأي طريق مباح، ولكن ليكن في نفسه هاجس الموت قبل إتمام عمله الذي يقابل به الله تعالى، فكلنا يرجو أن نعمل عملاً يجعله الله لنا كأمثال الجبال، ولعل كلمة تقولها غداً تكون سبباً في هداية أحد، أو توبته من ضلال كان عليه، فإن كان هذا همك في الدنيا، فلن تكون فترتك وترويحك إلا في أمر قريب من مرضاة الله تعالى.

وكنت إذا أردت الترويح عن نفسي أخذت القلم والأوراق، وجلست أكتب، وأمرن يدي على الخط، فأنا من محبي الخط العربي، أو الحفر على الزجاج، فأنا من هواة هذا الفن، فأحاول تسلية نفسي فيما أحبه، ثم لا أطيل في ذلك حتى أمل، وأحاول التملص من تلك السياحة المؤقتة، فأعود سريعاً إلى العمل.

واجعل لنفسك جدولاً، كما فعلت أنا ولكن بحسب وضعك الشخصي وحالك في العلم، فأنا جدولي في التدوين هكذا:

السبت: في أصول الفقه.
الأحد: في الفقه.
الاثنين: في العقيدة.
الثلاثاء: في اللغة.
الأربعاء: في الحديث.
الخميس: في التحقيق.
الجمعة: جمع لعلوم أهل الظاهر، كموسوعة فقه داود، أو موسوعات ابن طاهر، أو النباتي، وغيرهم.

وأغير الجدول بحسب ما أحتاج كل فترة، بحيث لا اشتغل بغير الفن الذي وضعته لنفسي، فكل يوم في علم وفن، بحيث لا تمل نفسي.

فاصنع لنفسك مثل هذا الجدول، وابدأ بالعمل، ودع عنك التعلل بالانشغال، فإن الأشغال لا تنتهي أبداً، فحاول التوفيق بين ذلك، وحاول أن تختار من العلوم ما يناسبك في مراحل طلب العلم.

الأمر الرابع: الانشغال بما هو أوجب وأولى.

من أكثر ما يفسد طريق طالب العلم أنه يشتغل في أشياء ليست هو أولى من التي تركها، وأعني في ترتيب العلوم، فهناك من يشتغل بعلوم هي في الحقيقة مفيدة لكن يمكن تأجيلها.

فمن العلوم التي يجب أن يشتغل بها طالب العلم:

1- علم اللغة: من نحو، أو صرف، أو معنى.
وكلنا له لحن، أدركه أو لم يدركه، وتارة يكون من العادة، وتارة من عدم العلم، وطالب العلم يجب أن يتعاهد نفسه في هذا الأمر، حتى يحسن هذا العلم.

وكذلك بأن يعرف على الأقل معاني الألفاظ الشرعية، والتي ورد فيها حكم شرعي، وذلك بما قاله أئمة اللغة، ولا يكتفي بما في لسان العرب، بل يحاول أن يجمع كل ما وجده من كتب المتقدمين.

وقد علمني هذا واستفدته من العلامة أبي تراب الظاهري رحمه الله رحمة واسعة، فكان جبلاً في هذا العلم، رغم أن الجبل جماد، ولا ينبغي وصفه بجماد، لكنه شابه الجبل في صلابته، وفي علوه وارتفاعه في هذا العلم بشهادة من قرأ له رسالة أو كتاباً.

فكل كتاب ذكره فإني أحاول الحصول عليه، وكل كتاب ذكره الأئمة الثقات كالإمام ابن حزم وغيره أحاول الحصول عليه، وكلما جاء يوم اللغة في أسبوعي فإني آخذ هذه المعلومات وأدونها بشكل معجمي، حتى تكون عدتي لاحقاً.

فمن فائدة معرفة اللغات والمعاني: رد شبه المخالفين للكتاب والسنة، وذلك لا يكون إلا بالعلم، ومن تلك الشبه ما له تعلق باللغة، فمن ذلك:

إذا قيل: ما معنى الاستواء في النصوص الشرعية ؟

فيقول المعتزلي: أي استولى، وأن اللغة تعرف ذلك، فيقول السني: كذبتم، ليس في اللغة هذا المعنى في الاستواء، فيرد المعتزلي: بل قال الطبري ذلك، وكذلك غيره من أهل اللغة، كالزجاج، فهؤلاء من أئمة اللغة، وذكروا أشعار عن العرب.

فماذا يقول السني حينها ؟! فليس له إلا أحد هذه الطرق:

1- أن يرد هذا، ويعتبر الطبري أو الزجاج أو من نقلوا عنه خطأ، وينقل ما قاله أئمة اللغة كابن الأعرابي وغيره، ولن يرفع هذا الإشكال، لأنه قول يضاده قول.

2- أن يشكك في صحة النسبة إلى هؤلاء، لكن المشكلة أن هذا صحيح إلى الطبري، وذكر أن من معاني الاستواء الاستيلاء، فلن يرفع هذا الإشكال.

3- أن يبطل هذا المعنى لأنه مخالف لأصل الاعتقاد الصحيح لأجل المعنى في لفظ الاستيلاء.

وهذا استفاده من معرفة الألفاظ ومعانيها وعلى ماذا تقع، فالاستيلاء يقتضي المنازعة ولا بد، ولا يوجد استيلاء إلا وفيه هذا المعنى، ويكون بلا رضا من أحد المتنازعين.

والله تعالى لا ينازعه أحد أصلاً في ملكه، ولا يستحق مخلوق أن ينازع الله حقيقة، فبطل أن يكون معنى الاستواء هنا هو الاستيلاء لفساد المعنى الذي في هذه اللفظ، وفساد نسبته إلى الله تعالى.

فصح أن الاستواء يقبل كل معاني الاستواء في اللغة، من العلو، والارتفاع، والانتهاء، والإقبال، والإتمام، وكل آية تحدد المراد من ذلك بحسب السياق الذي وردت فيه، وإن كان ما ذكره الطبري صحيحاً فيحمل فيما بيننا ولا يحمل فيما نسب إلى الله تعالى.

فالذي بلغ أشده واستوى إتمام، واستواء الثمرة تمامها أيضاً، ومنها انتهاء بقائها في مكانها وحاجتها إلى أصلها، واستوى إلي يكلمني، أي أقبل إلي، واستوى على ظهر البيت، فهو من العلو والارتفاع، فكل ذلك عند أئمة اللغة، ومقبول في لغتنا.

لكن إذا ذكرنا ذلك ونسبناه إلى الله تعالى ذكرنا أنه تعالى قال أننا لا نحيط به علماً، ونحمل من هذه المعاني ما يجوز حمله فقط، كما ذكرنا في مقالة تفسير الألفاظ المتعلقة بذات الله تعالى.

وصحيح أن لهم اعتراضات على بعض هذه المعاني، ولكن إبطالها بنفس إبطال لفظ الاستيلاء، وكل ذلك راجع إلى الفرق في المعاني، ومعرفتنا على ماذا تطلق.

2-علم الحديث: من مصطلح، ورجال، وعلل.

فتحاول الوقوف على أصولهم، وتعرف قواعدهم، ومأخذ كل قاعدة، وتجمعها في قالب واحد، لتعرف مستقبلاً أيها الحق من الباطل.

وكذلك تقرأ في كتب الرجال، وتعرف الضعيف من الثقة، ولا تتكل في ذلك على كتب المتأخرين، فرغم أن فيها فائدة، لكن أسلوب المتقدمين يعلمك أمور كثيرة، فتفهم كيفية انتقادهم، وما هو الانتقاد الذي يراد منه التضعيف، أو الذي لا يراد منه ذلك، وتعرف حال الرجل الذي تكلموا فيه إذا جمعت قول جميعهم، فيكون مختصر عندك من كلام الأئمة النقاد ووجه كل انتقاد لتعرف صحة ذلك وبطلانه مستقبلاً.

وكذلك تقرأ في كتب العلل، وتدون ما عللوا به الأخبار، فيكون عندك مجموع في هذا الفن، تستطيع بلوغ مطلبك بسرعة ودقة، وذلك لأنك تذكر العزو إلى الكتاب، وتنقل الكلام بنصه.

ولا أدري كيف يكون طالب العلم طالباً للحق وهو يجهل هذا العلم الذي تثبت به أحكام وتبطل، ولا تشغل نفسك بتخريج فلان وفلان، أو طلب من فلان أو فلان، واشغل نفسك بما ينفعك، فإن وجد الوقت الكافي خرجت للطالب ما يريد من حديث، أو نقلته من كتابك إذا كنت قد دونته فيه.

3- علم العقيدة: ولا تعتني إلا بالكتب المسندة، ورأيت الكثير من طلبة العلم يعرض عنها، ويكتفي بكتب ابن تيميه وغيره من المتأخرين، وهذه الطريقة مضرة بطالب العلم، فصحيح أن في كتب ابن تيميه وغيره خير كثير، لكنك كيف تحاكم قول ابن تيميه أو غيره إذا لم تقف على قول السلف من الصحابة والتابعين ؟!

فالعلم والاعتقاد الصحيح عند السلف، وما ابن تيميه وغيره إلا تبع لهم، وكلهم تبع للنص، فالنظر في كتب الأئمة، وكتب من جمع كلامهم بالإسناد، بحيث ترتبه بحسب الباب الذي ورد تحته هذا النص سيفتح عليك خيراً كثيراً مستقبلاً، فتحقق هذه الأسانيد، فتعرف صحيحها من باطلها.

وهنا تقول لمن يدعي على السلف شيئاً: هذه دعوى، فهذا قول السلف، قالوا كذا وكذا، كما صح بالإسناد عنهم، أو أن هذا لا يصح عن السلف، فلم يصح فيه شيء عنهم.

4- علم أصول الفقه: فالغريب أن طلبة العلم ممن يأبى التقليد يرغب عن هذا العلم، مع أنه أصل العلوم من جهة كيفية فهم النص والخطاب، ومتى يقال هذا دليل، ومتى يقال هذا ليس بدليل، فلا عجب أن علم العقيدة، وعلم الحديث، وعلم اللغة، وكل علم يعتمد على هذا العلم، وتأخيري في ذكره كان بلا ترتيب مقصود، وإلا فهو أساس العلوم هذه.

فكيف نفهم خطاب الله في العقيدة، وفي الفقه، وفي الأخلاق، فإن لم يكن عندنا معرفة متيقنة أن الأصول التي تثبت بها العقائد هي كذا وكذا، أو العام له حكم كذا، والخاص له حكم كذا، فكيف نفهم العقيدة الصحيحة !

ولا أعني علم الأصول بما فيه من مفاسد أدخلها أصحاب الرأي والكلام ممن تأخر، وإنما علم الأصول معرفة مصادر التشريع، وكيفية فهم ألفاظها، ومن أي طريق نفهما.

ولن أطيل هنا لأني أتكلم عن هذا العلم كثيراً لضرورته لكل طالب علم.

فلا يثبت شيء، ولا يبطل إلا بضبط هذا العلم، فهو من هذا الباب أصلها وأساسها، وبه تتميز سبل الحق، وسبل الباطل، وتعرف تحكم الفقهاء في إخراج أو إدخال معاني، وتأويلهم، وحملهم اللفظ على ظاهره، وكل ذلك، ومتى يكون.

الأمر الخامس: العمل بما علمت.

وتلك ثمرة العلم ومقصده، بأن تعمل وفق ما أمر الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، ومن علم ولم يعمل فيخشى عليه من الفتنة والبلاء من الله تعالى، ويخشى عليه من العذاب يوم القيامة.

فواجب طالب العلم أن يعمل بما علم وتيقن منه مما ثبت بالكتاب والسنة، وأن لا يحرم شيئاً فيأتيه، وأن يوجب شيئاً فلا يأتيه، فطالب العلم بلا عمل كشجرة بلا ثمر ولا ورق، لا يستفاد منها إلا بالتحريق !

أعاذنا الله وإياكم أن نكون وقود النار، وأعاذ أهلنا، وولدنا، وأصحابنا، وأحبابنا أن يكونوا كذلك.

وكلمة أخيرة ..

لا تستعجل في قول شيء قد تندم عليه غداً، ولا تستعجل القول في شيء من أحكام الديانة إن كنت لا تضبط هذه الأصول أو أكثرها، ففي الناس من يكفي عنك، وفرض بيان الحق لم يتحقق فيك، فلا تقل على الله تعالى ما لا تعلم، ولا تقل ما لم يأذن لك به سبحانه وتعالى، فتندم يوم لا ينفع الندم.

ولا تقل عن شيء لم تعرفه: أخجل من السؤال، فإنه ما ضيع الطالب إلا الخجل من الحق والعلم، فلا يضر أن يسأل كل أحد، واذكر لابن حزم مقولة جميلة إذ يقول: ولا ندعي أننا نعلم كل العلوم، وأننا نعرف حكم كل مسألة، وقد يفوتنا ذلك، وقد نعلمه مستقبلاً، لكن حكم ذلك موجود عند من علمه.

وصدق رحمه الله تعالى، فلا يوجد أحد يعلم كل شيء، أو يحسن كل شيء، وفينا المحسن لأكثر من علم وفن، وفينا من لا يحسن إلا الدعاء للغير، وفي كلّ فضل وخير، ما داموا يسلكون طريق العلم والتعلم.

فهذه نصيحة لنفسي المقصرة، ولمن أحب أن يستمع النصح، فيبادر قبل فوات الأوان، ويتصرف في أوقاته الثمينة قبل أن يشغله مرض أو زواج أو ولد عن مقصوده الأسمى، وهو العمل لمرضاة الله تعالى، ولما ينجينا من النار، ويدخلنا الجنة.

أسأل الله تعالى أن يجعل هذه الكلمة خالصة لوجهه، وأن يعلمنا ما ينفعنا، وينفعنا بما علمنا، إنه سميع مجيب.