بسم الله الرحمن الرحيم
في سنة 1208هـ ألف العلامة الشوكاني رسالته الشهيرة (إرشاد الغبي إلى مذهب أهل البيت في صحب النبي) وذكر فيها أقوال أعيان وعلماء أهل البيت وحدهم في الصحابة وعقيدتهم في الترضي عليهم جميعًا، وعندها ثارت ثائرة الرفض في زيدية اليمن وصالوا وجالوا وتعصبوا على الشوكاني وردوا عليه بقرابة العشرين رسالة نقلوها نصًا وحرفًا من كتب الرافضة الإمامية، واشتعل الناس بذلك أيامًا وزاد الشر وعظمت الفتنة.

ومما زاد من تعاظم المحنة والفتنة سكوت أهل العلم على أفعال العامة، وذلك خوفًا على أنفسهم ومناصبهم، وكثير من العلماء هادنوا العامة وداهنوهم، مما أدى إلى تسلط العامة على مقام العلماء بالإهانة والازدراء والاضطهاد، كما أدى ذلك الخذلان وتلك المداهنة لزيادة البدع والفتن، وأيضًا زيادة الضغوط على العلماء العاملين الصادعين بالحق مثل الشوكاني، ولو تكاتف العلماء كلهم على نصرة الحق والجهر به لما قامت للفتنة سوق، ولما تعرض أحد لمقام العلم والعلماء.

ومن جملة المحن والابتلاءات التي أصابت الإمام الشوكاني في ذلك الموضوع قيام بعض أخص تلاميذ الشوكاني بالرد عليه، وهو السيد الحسين الديلمي الذماري وهو فقيه عالم، يعرف الحق والصواب، ولكنه تأثر من شدة الوشايات والسعايات ضد الشوكاني وضغط عليه كثير من العوام من أجل الرد على شيخه، ففعل ذلك وهو من حيث لا يدري قد أثار فتنة جديدة لظن العوام ومن شابههم أن مثل ذلك العالم لم يرد على الشوكاني الذي هو في الأصل شيخه وأستاذه، إلا لأن الشوكاني قد أخطأ في تأليفه ولولا ذلك لم يرد عليه تلميذه.

ثم أخذت المحنة والفتنة زخمًا كبيرًا بقيام أحد شيوخ الشوكاني والمعروفين بعلم الكتاب والسنة ومنه تعلم الشوكاني الكثير، قام ذلك الشيخ بتأليف رد كبير على رسالة الشوكاني حشاه بكلام الرافضة الإمامية والمجازفات الباطلة التي يعلم ذلك الشيخ نفسه قبل الشوكاني بأنها أكاذيب باطلة، ولقد حزن الإمام الشوكاني بشدة من فعلة شيخه تلك، ثم اتضح أن السر وراء ذلك خوف ذلك الشيخ من سطوة أحد وزراء الدولة عليه بعد أن هدده وتوعده إن لم يفعل، فآثر ذلك الشيخ رضا الطاغية على قول الحق، فما ضر إلا نفسه التي جنا عليها بالتعرض لمقام الصحابة بالسب والشتم فضلاً عن كتم العلم وخذلان العلماء الربانيين.

محنته مع الحوثي الكذاب:

الحوثي هذا رجل من أهل صنعاء كان يجيد علوم المساحة والحساب، لا يعرف غيرها وكان فيه غفلة وسلامة صدر وأيضًا كان فقيرًا كثير العيال، وقد تسبب هذا الرجل في فتنة عظيمة بصنعاء في شهر رمضان سنة 1216هـ، ومحنة هائلة كاد أن يهلك فيها الإمام الشوكاني وغيره من أهل العلم العاملين.

وكانت بداية المحنة عندما قام بعض أهل الدولة ممن يعتنق الرفض ويتظاهر بذلك مع الجهل المفرط، قام ذلك الخبيث بإقناع «الحوثي» بإلقاء بعض الدروس في مسجد صلاح الدين، فجلس الحوثي وشرع في إملاء كتاب «تفريج الكروب» وهو في مناقب عليّ رضي الله عنه، ولم يتوقف الحوثي عند شرح الكتاب، بل جاوز ذلك لسب السلف وشتم الصحابة، ووجد ذلك الأمر صدى عند روافض اليمن، فاجتمعوا بالآلاف في المسجد حتى ضاق بهم المسجد، وهم يتجاوبون مع الحوثي في السب والشتم.

أراد الحوثي أن ينتقل بدرسه من مسجد صلاح الدين إلى جامع صنعاء الذي هو مجمع الناس ومحل التعليم والعلماء، وذلك من أجل نشر اللعن والشتم من الفكر الرافضي، فلما بلغ ذلك الأمر إمام اليمن وقتها أصدر أوامره بمنع الحوثي من الجلوس في جامع صنعاء، فلما علمت العوام ثارت غضبتهم ونفخ في نارها شياطين الإمامية وجهلة المتفقهة ومنعوا الناس من صلاة الجماعة، وخرجوا للشوارع وهم ألوف يصرخون باللعن والسب والشتم للصحابة والتابعين وخير القرون.
توجهت القطعان الغاضبة الثائرة نحو بيوت علماء أهل السنة وذلك للفتك بهم، وعلى رأس هؤلاء كان بيت الإمام الشوكاني وهو في نفس الوقت قاضي القضاة، وكان وقتها في مجلس علم يشرح فيه نيل الأوطار ومع جماعة من العلماء وطلبة العلم، وحاولوا اقتحام الدار وقتل من فيها، وكذلك فعلوا مع سائر بيوت العلماء ومدارسهم، لولا فضل الله عز وجل وحده، ثم التدخل السريع لإمام اليمن وقتها لهلك الشوكاني ومعه أعيان علماء اليمن في تلك المحنة والفتنة.
وعلى الرغم من المحن المتتالية على الإمام الشوكاني بسبب تصديه للبدع والضلالات التي روجها الرافضة في بلاد اليمن، إلا أن الشوكاني لم يكف يومًا عن الجهر بالحق والاجتهاد في الدين ونشر العلم ومحاربة التقليد وتأليف الكتب النافعة التي ما زال الناس يتدارسونها فيما بينهم، وقد أزكته المحنة وسبكته الفتن المتتالية حتى صار عود ذهب خالصًا في خدمة الدين وتجديد معالمه.