بسم الله الرحمن الرحيم

http://www.awu-dam.org/trath/98/turath98-015.htm


مظاهر ثقافة أبي حيَّان الأندلسي في ضوء كتابه التذييل والتكميل ـــ د.وليد محمد السراقبي(*)

مقدمة:

أبو حيان، أثير الدين محمد بن يوسف بن علي بن حيَّان الغرناطي الجيَّاني، ولد سنة أربع وخمسين وستمئة للهجرة، وتلقَّى في مسقط رأسه العلم على يد جلَّةٍ من علماء زمانه. ثم ترك بلاده وضرب في الآفاق بلاد المغرب والشمال الإفريقي، والتقى ـ ثمَّة ـ كثيراً من العلماء وأخذ عنهم في شتى العلوم، ثم توجَّه إلى مصر وألقى فيها عصا الترحال، وأخذ عن أكابر علمائها وتوفي فيها سنة خمس وأربعين وسبعمئة للهجرة بعد أن كفَّ بصره.

وهذه الحياة المديدة التي عاشها أبو حيان، وهذه الكثرة الكاثرة من العلماء الذين أخذ عنهم، تدلاّن أشدَّ الدلالة على عمق ثقافة أبي حيَّان، ورسوخ قدمه، وتمثله مختلف الجوانب المعرفية التي كانت تشكل المشهد الثقافي آنذاك.

وقد تمثَّل ذلك في الآثار التي خلَّفها أبو حيان في التفسير والنحو، ككتابه (البحر المحيط)، وموسوعته النحوية الضخمة (التذييل والتكميل في شرح كتاب التسهيل). وهذا الأخير هو الذي سيكون موضوع وقفتنا في هذه الصفحات بغية استجلاء مظاهر ثقافة أبي حيان المتنوعة، ومنها:

أـ الثقافة القرآنية:

وهذه الثقافة بارزة لأدنى نظر، فالكتاب يتّسم بغزارة بينة بآيات القرآن الكريم، وهي ذات دلالة واضحة على رسوخ قدم أبي حيان في هذا الجانب، كيف لا وهو الذي سبق له أنْ وضع تفسيراً للقرآن ضخماً؟ لقد كان القرآن الكريم شديدَ المثول في ذهن أبي حيان، عظيم التمكن منه، يسيرَ الاستحضار لدى الحاجة إلى الاستشهاد والتمثيل، فإن أراد تفسير القاعدة أو شرحها برز الشاهد القرآني بيسر متناهٍ. ومما هو شديد الاتصال بهذا الجانب من ثقافة أبي حيان هذه الإحاطة التامة بالقراءات القرآنية، فتلك قراءة ورش، وهذه قراءة أبي الحسن، وثالثة قرأ بها أبو عمرو،… فمن ذلك مناقشته اللغات في فاء (مَرْء) فقد قال: (في فاءِ مَرْءٍ لغاً ثلاث: إحداها الفتح على كل حال، وبها جاء القرآن، قال تعالى: )يحول بين المرْءِ وقلبه( [الأنفال 8: 24]… وقرأ الحسن بكسر الميم، يعني في قوله: (بين المَرْءِ وقلبه)، وقرأ ابن أبي إسحاق: (بينَ المُرءِ) بضمّ الميم…)([2]).

وأورد في مسألة إتباع الأول للثاني قراءة من قرأ )الحمدِ الله( [الفاتحة 1: 2] بكسر الدال، ومنهم زيد بن علي، وقراءة مَن قرأ )للملائكةُ اسْجدوا( [البقرة 2: 34] بضمّ التاء، أتبع في الأولى الدال للام، وفي الثانية التاء لضمة الجيم وتكون ـ يعني حركة الإعراب ـ للنقل نحو قراءة ورش: (ألمْ تعلمَ أنَّ) بفتح الميم، نقل حركة الهمزة إلى الميم، وحذفت الهمزة)([3]).

ومثّل لندرة حذف نون الوقاية في الرفع نظماً بجملة من أبيات الشعر، وأردف ذلك بمثال من القرآن فقال: (ومثال ذلك نثراً قراءة أبي عمرو في رواية مَن روى ذلك عنه: )قالوا: سَاحِرَان تظَّاهَران( [القصص 28: 48].

وتتجلى مظاهر هذه الثقافة أيضاً في نقد أبي حيان لابن مالك في بعض استشهاداته بقراءات قرآنية، يرفض أبو حيان توجيه ابن مالك لها، من ذلك أنَّ ابن مالك قد ذكر في تقدير جزم الياء في السّعة، ومثّل لذلك بقراءة “قُنْبُل”: )إنَّه من يتَّقي الله ويصبرْ( [يوسف 12: 90] بإثبات الياء في “يتقي”. وقد ردّ أبو حيان ذلك الاستشهاد بقوله: “ولا دليل في هذه القراءة على إثبات هذا الحكم بتقدير الجزم في الياء، لأنه لا يتعيّن “يتّقي” هنا أن يكون مجزوماً لعطف “ويصبر” المجزوم عليه، لأنه يحتمل أن تكونَ “مَن” على التوهّم لا على المجزوم في اللفظ… وممَّا جاء من جزم خبرِ الموصول على توهّم أنه اسم شرط قول الشاعر:

كذاكَ الَّذي يبغي على الناسِ ظالماً



تُصبْهُ على رَغمٍ قوارعُ ما صنع([4])




والأمثلة على ذلك كثيرة، وكلها تدلّ على سعة معرفة أبي حيان وتمثّله آيات القرآن الكريم حفظاً واستحضاراً وتوجيه قراءات.

ب ـ آثار الثقافة الحديثية:

كان لأبي حيان موقف من الاحتجاج بالحديث النبوي الشريف، وهو موقف الرافض لذلك؛ وحجّته أنَّ المرويَّ إنَّما رُوِىَ بالمعنى، وليس هو لفظ حديث النبي (ص) نفسه وكان أبو حيان إلى جانب ذلك أحد الآخذين على ابن مالك كثرة احتجاجه بالحديث النبوي الشريف، ومع ذلك خلا كتاب (التسهيل) من الحديث النبوي إلا ثلاثة مواضع منه. وجاء أبو حيان ليشرح الكتاب فزاد في الجزء الأول منه فحسب ثلاثة عشر ضعفاً عما ذكره ابن مالك، ولنا أن نقول إن هذا العدد قليل بالنسبة إلى حجم الكتاب الضخم.

وما احتجّ به أبو حيان من أحاديث لم تبنَ عليه قاعدة نحوية، وإنما كانت شواهد على اللغة أو استدلالاً على قاعدة، مما يسمح بالقول بضمور هذه الثقافة في الكتاب.

فمن ذلك الحديث الذي مثّل به ابن مالك وسماها لغة “يَتَعاقبون” وهي التي يسميها النحاة لغة “أكلوني البراغيث” فقد أبطل أبو حيان ما زعمه ابن مالك وقال: “لأن الحديث رواه مطوّلاً مجوّداً البزاز في مسنده، فقال فيه: إن لله ملائكة يتعاقبون فيكم، ملائكة بالليل…”.

ج ـ أثر الثقافة الفقهية:

عرف عن ابن مالك أخذُه أولاً بالمذهب المالكي، ثم انتقاله إلى المذهب الظاهري وتمسّكه به، حتى إنَّه كان يقول: “مُحالٌ أنْ يرجعَ عن الظاهرِ مَنْ علق بذهنه” وعند وفادته على مصر تمذهب للمذهب الشافعي، على أن ذلك لا يعني أن أبا حيّان معدود في الفقهاء أو دوّن اسمه في أسمائهم، أو تُرجمَ له بين تراجمهم، ولكن عُنيَ مترجموه بالنص على مذهبه الفقهي على نحو ما رأينا. إلا أنه لا مناص من الاعتراف بأن هذه الثقافة تكوِّن رافداً مهماً من روافد تكامل الشخصية النحوية آنذاك. وإذا كنّا نعدم أمثلة كثيرة على أثر هذه الثقافة الفقهية في “التذييل” فإننا لا ننكر أن يستطيع الدارس الوقوف على بعض ملامح من ذلك، فقد عرض مرة في تفسير الآية الكريمة: )فاقْطَعوا أيديَهما( [المائدة 5: 38] لرأي فقهي في المسألة([5]).

وفي مبحث الضمير استشهد بالآية الكريمة )فإنَّه رجْسٌ( [الأنعام 6: 145]، وعرض لرأي ابن حزم الظاهري في مسألة تحريم لحم الخنزير وشحمه باعتبار عود الضمير إلى ما تقدم ذكره. إلا أن أثر الثقافة الظاهرية إنما يظهر أكثر ما يظهر في استخدامه منهج “ظاهرية النص” في تحرير قواعده، فكثر في الكتاب قوله: “وظاهر قول سيبويه” أو “وهذا ظاهر النص” مما يدل دلالة عميقة على تمكّن هذا المذهب من نفسه تمكّناً واضحاً، لم يستطع منه فكاكاً على ما سبق وقرر هو نفسه وقد صرّح بذلك أيضاً في “التذييل” فقال: “إذا ورد شيء من هذه المسائل وقفنا فيه مع الظاهر”([6]). ولعل المسألتين الفقهيتين اللتين عرضنا لهما تدلان دلالة واضحة على ما وقر في نفوس علمائنا من الارتباط بين علم النحو وبين الفقه، وحاجة كل من الفقيه إلى النحوي احتياجاً ظاهراً لا فكاك منه.

2ـ أثر الثقافة اللغوية:

عمد أبو حيان إلى تفسير كثير من الأبيات الشعرية التي استظهر بها على قواعده النحوية المقررة، أو على الرد بشاهده الشعري على قاعدة مقرّرة، أو تفسير كثير من الأبنية التي حفل بها كتابه، وإن نصَّه على مصادره اللغوية الكثيرة من جهة، والنص على المشهور من اللغات وترتيبها من حيث الفصاحة في مراتب، أو الاستدلال على الدلالة اللغوية بالاشتقاق ذو دلالة جد كبيرة على علوّ كعبه في هذا الجانب؛ فقد دلّل على أنّ من لغات “أَبٍ” و”أَخٍ” التشديد في الباء، ونقل ذلك عن الأزهري، ثم عضد ذلك بالاشتقاق اللغوي الذي يشهد لتضعيف الباء، وهو قولهم: استأبَبْت فلاناً، بباءَيْن، أي: اتخذته أباً([7]).

وقد يبدأ بتفسير بعض الألفاظ مبتدئاً بالدلالات الأكثر شهرة، ثم يعرّج على الأقل شهرة، فبعد أن عرض لرأي البصريين ورأي الفراء من الكوفيين في وزن “حَمٍ” قال: “الحمُ: أبو زوج المرأة وغيره من أقاربه، هذا هو المشهور، وقد يطلق على أقارب الزوجة”([8]).

ومن ذلك أيضاً ترتيب لغات “حم” وفق علو جودتها، فقال: “وترتيب لغات حمٍ في الجودة. مصاحبة الحروف، فالإتمام على فَعْل بالواو، فالقَصر، فالنقص، فالإتمام على “فَعْل” بالهمز، فعلى “فَعَل” بالهمز”([9]). وربَّما عكس الأمر فبدأ بالنص على الأضعف، فقد قرّر في مناقشة “ابنُمٍ” أنَّ الأصل “ابن” وزيدت فيه الميم، ثم ذكر فيه لغتين، الأولى بفتح النون، وهي القليلة، والثانية: إتباع حركة النون لحركة الإعراب في الميم. ثم نصَّ على أنَّ العرب لم تعطِ الفرعَ “ابنماً” أحكام الأصل كلّها، فأعطته حكم التثنية فقط ولم تجمعه على “ابنمون” مع أنها قد جمعت “ابن” على “بنون” ولم يسمع تأنيث “ابنُم” وإن كان المسموع تأنيث “ابنة”([10]).

3ـ أثر الثقافة الأدبية التاريخية:

ويتجلّى أثر هذه الثقافة في جملة من المظاهر لعلّ أهمها ذلك الكم الهائل من الشواهد الشعرية التي يستحضرها عاضداً بها ما يقرر من قواعد أو ناقضاً لها. ويتجلّى ذلك أيضاً في ومضات من تعليقاته على هذا الشاهد الشعري أو ذاك، أو في سوقه بعض الأخبار التي تدخل في صميم التأريخ الأدبي، فمن ذلك روايته قصة امرئ القيس مع التوأم اليشكري عند طلب الأول من الأخير أن يملّط له أنصاف الأبيات التي سيقولها، فاستجاب التوأم لذلك، فأخذ امرؤ القيس ينشئ نصف بيت فيتّمه التوأم اليشكري([11]).

ومن ذلك أيضاً خبر جرير والفرزدق وقد جلسا في مجلس أحد الملوك يستمعان إلى عدي بن الرقاع العاملي فلمَّا تشاغل الملك عن عدي سكت هذا الأخير، فسأل الفرزدق جريراً: ما تراه يقول عدي؟ فقال جرير:



قلمٌ أصابَ من الدَّواة مدادَها




وهو عجز بيت قاله عدي وصدره:

تُزْجي أَغَنّ كأنَّ إبْرة رَوْقِه






فعجب الفرزدق من إتمام جرير البيت على إنشاد عدي له([12]).

ومن ذلك أيضاً سوقه خبر زهير بن أبي سلمى مع ابنه كعب عندما استخبره زهير: هل تجيد الشعر؟ فأخذ زهير يقول بيتاً ويُجيزه كعب حتى نظماً أبياتاً([13]).

ومن ذلك ما استشهد به في مبحث “التغليب” من قول الخوارج: “سُنّوا بنا سنّة العمرين([14])، وتفسيره “الزهدمان” قول الشاعر:

جزاني الزهْدمانِ جزاءَ سَوْءٍ



وكنتُ المرءَ أوْلى بالكرامه([15])




والزَّهْدَمَان: زهدم وكَردم ابني قيس”.

ومن ذلك ما ساقه في تفسير “يُستَباء” من قول الشاعر:

فلم أرَ معْشراً أَسَروا هديّاً



ولم أرَ جارَ بيتٍ يُستباءُ([16])




فقال: “… وقيل: معنى يُستباء من البواء، وهو القَود، وكان هذا الرجل قد أتاهم وقامرهم مراراً، فردّوا عليه ماله، ثم قامرهم، فلم يردوه، فقامر على امرأته فغُلب فأخذت امرأته”([17]).

ولعلّ إكثار أبي حيان من شواهده الشعرية التي زادت على “860” بيتاً في الجزء الأول فحسب، وجه نيّر لهذه الثقافة الأدبية التاريخية لأبي حيان، ذلك أنه قد وقر في ذهن أبي حيان أن معرفة قواعد العرب اللغوية وأصولهم النحوية لا تُجدي نفعاً في الوقوف الدقيق على معاني القرآن الكريم وجمالها وروعتها ما لم يطلع المفسّر على نهج العرب في كلامهم وسمتهم في التعبير عميقَ الإطلاع، فلا يكفي فيه مجرد الإلمام من كل علم بطرف، بل لا بد من التطبع والاستكثار من ذلك، ذلك أنَّ النحو وحده ليس بكافٍ في علم الفصيح”([18]).

ولعلّ من مظاهر هذا الإطلاع المتعمّق نصّه في بعض المواضع على رواية البيت على هذا النحو أو ذاك إشارة منه إلى وجود رواية أخرى، على نحو ما فعل في معرض حديثه عن الإخبار بالجملة على رأي بعض النحويين، فأورد قول طرفة بن العبد([19]):

ألا أيّهذا الزاجري أحضرُ الوغَى

وقال في رواية مَنْ رفع، أي مَنْ رفع الفعل المضارع “أحضرُ”: وليس بخاف أن للبيت روايةً ثانية وهي بنصب الفعل “أحضرَ” على إعمال “أنْ” الناصبة محذوفة.

4ـ أثر الثقافة المنطقيّة:

عُرِفَ عن أبي حيان مقته للفلسفة والمنطق([20])، وبعده عن الفلسفة والاعتزال، ذلك أن سوق الفلاسفة والمنطقيين كانت كاسدة في الأندلس آنذاك، فكان “إذا بيع كتاب في المنطق إنّما يباعُ خفية، وأنه لا يتجاسر أن ينطق بلفظ المنطق إنما كانوا يسمونه “المفْعِل”، حتى إنّ أحد أصحاب أبي حيان كتب إليه من الأندلس أن يشتري له أو يستنسخ كتاباً في المنطق، فلم يتجاسر أن ينطق بالمنطق وإنما سمّاه في كتابه إلى أبي حيان بالمفعِل.

إلا أن دارس الكتاب لا يمكنه أن يُعْرِض عن المظاهر المنطقية التي تشيع في جوانب كثيرة من الكتاب، بما يشهد على تأصُّل هذه الثقافة في ذهن أبي حيان، ثم انعكاسها على كتابه “التذييل” دقة وتفريعاً وتقسيماً، وأقيسة وحدوداً، وتعليلاً.

ولعل أهم مظاهر هذه الثقافة عنايته بالحد. وقد سبق أن عرفنا شدة اعتناء أبي حيان بالحدود وتحليلها، حتى إنَّ “التذييل” لتجد ما فيه من نحو منطقي في التحديد والتقسيم والتحليل، ومن عناية بالعلة وبحث في العامل([21]).

لقد كان أبو حيان شديد التعقب لابن مالك في حدوده، وكثير الاستدراك عليه فابتداءً من أوّل أبواب الكتاب يعترض أبو حيّان على ابن مالك لابتدائه الكتاب بـ “باب شرح الكلمة والكلام” وعدم التعرّض لحدّ الكلمة، “ذلك أنّ” الحدّ للشيء عسير الوجود، فعدل عن لفظ “حدٍّ” إلى لفظ “شرح” وكلاهما يشترك في كشف المحدود وبيانه”([22]).

ويبدو انسجام مفهوم “الحد” عند أبي حيان مع مفهوم الحد عند المنطقيين، ذلك أن المفهوم المنطقي للحد احتلّ مكان الصدارة في الحدّ النحوي، وتبنى النحاة عناصره من جنس وفصل ونوع وخاصَّة، وتركّز مفهوم الحدّ على أنه معرفة الماهيَّة. فالحدّ هو القول الدالّ على ماهيّة الشيء، وقيل: إنَّه قول على ما به الشيء هو هو، وذهبوا إلى أن الحد إنما يكون تاماً عندما يعرف الماهية بجميع أجزائها الداخلة، فإذا عرفت الماهية ببعض أجزائها فهذا حد ناقص”([23]).

ويبدو لنا من هذا تبنيّ أبي حيان جملة حدود للنحو، وكلها تصبّ في كشف المحدود وبيانه، فالنحو “صناعةٌ علميّة ينظر بها صاحبها في ألفاظ العرب من جهة ما يتألف بحسب استعمالهم ليعرف النسبة بين صيغة النظم وصورة المعنى، فيتوصل بإحداها إلى الأخرى”([24]).

وتظهر عنايته بالحدود من خلال انتقاداته لحدود ابن مالك الناقصة حيناً، والمعتمدة على حدّ الشيء بأمور عارضة حيناً آخر، ذلك أنَّ الحدّ إنما يكون بالذاتيات لا بالعوارض، والحد إنما يبدأ بالجنس أوّلاً، ثمّ يؤتى بالفصل. ففي حدّ ابن مالك للكلمة ذكر أنها “لفظٌ” وكلمة “لفظ” إنَّما هي نجنس شامل للمحدود وغيره، وهكذا شأن الحدود تبدأ بالجنس أولاً، ولكن ابن مالك أخذ جنساً أبعد وترك جنساً أقرب، وهو القول، ذلك أنَّ اللفظ يطلق على المهمل والموضوع، فكان الأولى بابن مالك الابتداء بالجنس الأقرب تحرّياً للدقة في وضع حدوده.

وحدّ ابن مالك الاسم ـ كما سبق أن وقفنا عليه ـ بأنَّه “ما يُسنَد ما لمعناها إلى نفسها”، وهذا موضع نقد أبي حيان لابن مالك، ذلك أنَّ ابن مالك خرج بهذا الحدّ عن إجماع النحاة واتفاقهم، ذلك أنَّهم حدّوا الاسم بأمور ذاتية، فقال ابن الخشاب: “الاسم لفظ يدل على معنى في نفسه غير مقترن بزمن محصّل”([25]) وحدّه ابن مالك بصفة عارضة له، وهي الإسناد.

وكثيراً ما يشير أبو حيان إلى تنكّب ابن مالك الدقة في صياغة حدوده، والإتيان بالجنس للاحتراز ـ على عادة ابن عصفور في ذلك ـ والجنس لا يُورَدُ في الحدّ للاحتراز، إنما الجنس يشمل المحدود وغيره، والفصل هو الذي يؤتى به لتمييز المحدود من غيره”([26]).

ولعل من مظاهر هذه الثقافة المنطقية اتكاؤه على تعريفات المنطقيين، واستخدامه ألفاظهم، فمن ذلك تبيينه لمفهوم فعل الأمر عند أبي الوليد محمّد بن أبي القاسم بن رشد الحفيد في قوله: “وأمَّا الأمر والنهي فالنحويون يقولون فيه إنه فعل مستقبل نحو: اضربْ، اذهبْ، لا تضربْ… وليس هو في الحقيقة فعلاً، لأن الأمر إنما هو استدعاء فعل، والنهي استدعاء ترك فِعْل”([27]).

ومن ذلك استخدامه بعض ألفاظ المنطقيين، كقوله: “فبدأ بخاصَّة الصيغة التي تبدأ بها أولاً”([28]). والخاصّة في علم المنطق: “كُلْيَّةٌ مقولة على أفراده، وهي ما لا يوجد بدون الشيء والشيء قد يوجد بدونه”([29]).

ونقل أبو حيان عن ابن فارس أن الشيئين المختلفين قد يسميّان باسمين مختلفين، والأشياء الكثيرة بالاسم الواحد، والشيء الواحد بالأسماء المختلفة. وعلّق على ذلك بقوله: “وهذا الذي قاله هو المصطلح عليه في علم المنطق وغيره بالمتباين والمترادف والمشترك”([30]).

وقد أغفل أبو حيان تبيان هذه الحدود، وكأنه لمّا رأى وضوحها في ذهنه لم يرَ مدعاة للتفصيل في ذلك، أو لأنه ـ كما عرف عنه ـ كان راغباً عن المنطق والمنطقيين فلم يكن يريد إثقال الكتاب بمصطلحاتهم وتفسيرها. والمتباين ما كان لفظه ومعناه مُغايراً نحو: الفرس الإنسان. والمترادف: ما كان معناه واحداً وأسماؤه كثيرة، ومعنى الكثرة، ما يقابل الوحدة لا ما يُقابل القلة.

ومن مظاهر ثقافته المنطقية اعتناؤه بالتعليل، فالفعل ـ مثلاً ـ ينبغي أن يُقسم تبعاً للزمان، وهي القسمة الأولى، لأنّ بها يُميّز المبنيُّ من المعرب، والمبهم والخاص، ولعل ذلك لاعتقاده بمساوقة الأفعال للزمان، وأن الزمان من مقوماتها، توجد بوجوده وتنعدم بانعدامه. وقد أخذ على المصنف اعتماده تصنيف سيبويه للأفعال، وابتداءه بالماضي، ثم الأمر، ثم المضارع.

والأصل أن ترتب ترتيباً وجودياً بحسب دورة الزمان من المستقبل مروراً بالحاضر، وانتهاءً بالماضي، ذلك أن الفعل “يكون معدوماً غير مسبوقٍ بوجود، ثم يصير موجوداً، ثم يصير معدوماً مسبوقاً بوجود”([31]). هذا الترتيب منطبق تمام الانطباق على ما قاله به فلاسفة المسلمين كابن سينا الذي يعرِّف الزمان بأنَّه “مقدار الحركة من جهة التقدّم والتأخر”([32]) وكأنّ أبا حيان قد أخذ هذا الترتيب الوجودي من ابن يعيش الذي يقول: “فكانت الأفعال ماضياً وحاضراً ومستقبلاً، فالماضي: ما عُدِم بعد وجوده، فيقع الإخبار عنه في زمان بعد زمان وجوده، والمستقبل: ما لم يكن له وجود بعد، بل يكون زمان الإخبار عنه قبل زمان وجوده، والحاضر: هو الذي يصل إليه المستقبل ويسري منه الماضي فيكون زمان الإخبار عنه هو زمان وجوده”([33]).

ولسنا نريد الإطالة في فرش تعليلات أبي حيّان ـ رغم تنكبه عنها وقوله بعدم الحاجة إلى كثير منها ـ لأن ذلك سيكون له مكان يبسط فيه بما يفي بالعرض، إن شاء الله.

ثبت المصادر والمراجع:

ـ ابن يعيش النحوي أ. د عبد الإله نبهان، ط1، 1997، اتحاد الكتاب العرب، دمشق.

ـ أبو حيان النحوي: أ. د. خديجة الحديثي، ط1، 1966، مط دار التضامن، بغداد.

ـ أمالي الزجاجي: أبو القاسم الزجاجي (ت 337هـ)، تحقيق عبد السلام هارون (ت 1988م، 1382هـ) المؤسسة العربية، القاهرة.

ـ البحر المحيط: أبو حيان الأندلسي (ت 745هـ)، د. ت الرياض.

ـ تاريخ مدينة دمشق: ابن عساكر (ت 571)، تحقيق أ. سكينة الشهابي، مجمع اللغة العربية، دمشق، 1997.

ـ التذييل والتكميل: أبو حيان الأندلسي (ت 745)، مصورتي عن نسخة الأسكوريال.

ـ التعريفات: أبو الحسن علي بن محمد بن علي الجرجاني (ت 816هـ). طبعة بتحقيق د. عبد الرحمن عميرة ط1، 1987، عالم الكتب، بيروت. ونسخة أخرى ط. دار الشؤون الثقافية العامة، وزارة الثقافة والإعلام، بغداد.

ـ الحدود: ابن سينا (ت 428هـ) ضمن كتاب: (المصطلح الفلسفي عند العرب) تحقيق د. عبد الأمير الأعسم، بغداد، مكتبة الفكر العربي.

ـ الحدود: الغزالي (ت 505هـ) ضمن كتاب المصطلح الفلسفي عند العرب) تحقيق د. عبد الأمير الأعسم، بغداد، مكتبة الفكر العربي.

ـ ديوان زهير بن أبي سلمى: صنعة ثعلب، تح. أ. د. فخر الدين قباوة، 1970، المكتبة العربية، حلب.

ـ ديوان زهير بن أبي سلمى: صنعة الأعلم الشنتمري، حققه أ. د. فخر الدين قباوة، دار الآفاق الجديدة، بيروت.

ـ ديوان طرفة بن العبد، تحقيق درية الخطيب ولطفي الصقّال، مجمع اللغة العربية، دمشق.

ـ شرح التسهيل: ابن مالك الطائي (ت 676هـ)، تحقيق د. عبد الرحمن السيد ومحمد بدوي المختون، دار هجر للطباعة، القاهرة.

ـ العمدة: ابن رشيق (ت 456هـ) تحقيق د. محمد قرقزان، ط2، مطبعة الكاتب العربي، 1994، دمشق.

ـ الكامل: المبرد (ت 285هـ)، تحقيق أ. د. محمد أحمد الدالي، 1986، مؤسسة الرسالة، بيروت.

ـ لسان العرب: ابن منظور (ت 711هـ)، دار المعارف، القاهرة.

ـ مجاز القرآن: أبو عبيدة معمر بن المثنى (ت 210هـ)، مؤسسة الرسالة، 1981، طبعة مصوَّرة.

ـ المرتجل: ابن الخشاب (ت 567هـ)، تحقيق علي حيدر، دمشق، 1972م.

ـ المستوفي: علي بن مسعود الفَرْخان (ت 548هـ)، حققه د. محمد بدوي المختون، ط1، 1987، دار الثقافة العربية، القاهرة.

ـ النحو العربي: العلة النحوية، أ. د. مازن المبارك، طبعة مصورة



——————————————————————————–

* جامعة محمد بن سعود ـ الرياض.

([2]) التذييل 52/ ب.

([3]) التذييل 58/ ب.

([4]) التذييل 65/ أ، والبيت لسابق البَرْبري، وهو في: أمالي الزجاجي: 185، وشرح التسهيل 4: 83.

([5]) 117/ ب.

([6]) 34/ ب.

([7]) 49/ أ.

([8]) 49/ ب.

([9]) 51/ أ.

([10]) 12/ أ. والخبر في العمدة: 368.

([11]) 12/أ. والخبر في تاريخ مدينة دمشق 47/ 133.

([12]) 12/ ب.

([13]) 12/ ب.

([14]) 67/ ب. وانظر الكامل: 187، ومجاز القرآن 2: 173.

([15]) البيت لقيس بن زهير، وهو في النقائض: 425، ومجاز القرآن 2: 173، اللسان “زهدم”.

([16]) البيت لزهير في ديوانه: 79، والخبر فيه بصنعة ثعلب: 80، وصنعة الأعلم: 142.

([17]) التذييل 102/ أ.

([18]) أبو حيان النحوي: 68، نقلاً عن النهر الماد 2: 409.

([19]) البيت لطرفة في ديوانه: 31.

([20]) أبو حيان النحوي: 78، والبحر 5: 150.

([21]) النحو العربي: 141.

([22]) التذييل: 3/ أ.

([23]) ابن يعيش النحوي: 233، نقلاً عن: مقاليد العلوم في الحدود والرسوم: ق3.

([24]) المستوفي 1: 11، والتذييل 4/ آ.

([25]) المرتجل: 7.

([26]) التذييل 136/ أ، وانظر التذييل 3/ ب.

([27]) التذييل 25/ أ.

([28]) التذييل 21/ أ.

([29]) التعريفات: 129.

([30])

([31]) التذييل 20/ أ.

([32]) الحدود (لابن سينا): 253.

([33]) شرح المفصل 7: 45، وقارن بالتذييل 25/ أ.