بسم الله الرحمن الرحيم

http://www.awu-dam.org/esbou1000/1047/isb1047-034.htm


موقف ابن حزم من الطمع والعجب والمرأة ـــ د.مصطفى العلواني

تتناثر نظرات ابن حزم (على ابن أحمد 994-1067م)، فقيه وشاعر وفيلسوف ومؤرخ ومتكلم أندلسي) الاجتماعية الثاقبة في مؤلفاته العديدة، لذلك لم تكن منسقة في مؤلف واحد، على عكس ما نجده عند ابن خلدون، ورغم عمق نظراته الاجتماعية فإنها لم تساعده في وضع أسس علمية شاملة لعلم مستقل، ولكنه أسهم هو والفارابي والطرشوشي وإخوان الصفا وغيرهم في وضع أرضية علمية لقيام علم اجتماعي جديد على يد ابن خلدون وهو علم العمران.‏

ومن أهم هذه النظرات ما نشاهده في كتابته عن غاية النشاط الإنساني الذي يتمحور عنده حول هدف واحد هو طرد الهم وهو عنده غرض يستوي جميع الناس في طلبه واستحسانه. والطمع عنده شر مستطير يحرك الإنسان وهو وراء كل حزن وهم وغم يكابده الإنسان، وظاهرة الطمع عنده تتعلق في علاقة الإنسان مع الآخرين وهي ظاهرة تقوم على النفع المصلحي الذي يمكن أن يعود عليه سلباً أو إيجاباً.‏

كما يركز ابن حزم على ظاهرتين اجتماعيتين خطيرتين على الفرد نفسه وبالتالي على المجتمع الذي تتم ضمنه العلاقات الاجتماعية المتشابكة التي تربط أفراد المجتمع بعضهم ببعض وهاتان الظاهرتان هما العجب والكذب. والعجب عند ابن حزم هو الغرور القاتل عند الإنسان لشدة إعجابه بنفسه وتعاليه على الناس وفوقيته في تعامله مع الآخرين. وهذا العجب ممقوت عند ابن حزم بغض النظر عن مصدر ذلك الغرور سواء كان فضلاً أو شجاعة أو وجاهة أو مالاً أو حسباً أو نسباً. فكل ذلك كما يقول ابن حزم يدل على نقص وهو مرض يحتاج إلى علاج وهذا المرض يتفرع عنه التيه والزهو والكبر والتعالي. أما الكذب فهو أفدح شراً وأسوأ عاقبة فهو عنده المرض العضال الذي يصعب على صاحبه البرء منه كالتدخين وتعاطي المخدر، وهو عنده أصل كل فاحشة وجامع كل سوء وجالب لمقت الله عز وجل وهل الكفر إلا كذب على الله عز وجل.‏

أما المرأة فقد احتلت عند ابن حزم مكانة كبيرة وأخذت حيزاً كبيراً من دراساته الاجتماعية والفقهية فازدانت بها فتاويه كما هو في كتابه المحلى والأحكام وطوق الحمامة، فقد أنصف المرأة ووضح موقف الشرع منها فناقش أقوال الفقهاء وأورد الأحاديث والآيات القرآنية واستنبط منها ما يعزز دورها وينزهها ويبين حقوقها وواجباتها وتكريم الإسلام لها. فقد ساواها بالرجل مساواة تامة بالحقوق الإنسانية وذلك انطلاقاً من قوله تعالى: (الرجال قوامون على النساء) حيث يرى أن قوامة الرجال على النساء لا علاقة لها بالحقوق والطبيعة الإنسانية أو القدرة على تدبير الأمور وتصريفها، وكما ورد في المحلى أن قوامة الرجل على المرأة في أنه قائم عليها يسكنها حيث يسكن ويمنعها من الخروج لغير الواجب ويرحلها حيث يرحل. ومساواة المرأة مع الرجل تكون في حدود تخصها (فالجهاد ندب عند المرأة لا نهي، وجهادها الحج والتفقه في الدين والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) (الجباوي) وقد روى عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه ولى الشصاء –امرأة من قومه-السوق، وقد أجاز المالكية أن تكون وصية ووكيلة، ولم يرد نص في أن لا تلي بعض الأمور، وأجاز ابن حزم على الإطلاق أن تولى القضاء، فالمرأة راعية ومسؤولة عن رعيتها كما ورد في الحديث الشريف.‏

وأزال كثيراً من اللبس والغموض حول تفسير بعض الأحاديث في كتابه المحلى فبين مقاصدها وأبعادها الصحيحة ففي حديث تنكح المرأة لأربع لمالها وجمالها وحسبها ودينها فاظفر بذات الدين تربت يداك… قال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما يورد بذلك أخباراً عن فعل الناس ولكنه حض على الزواج من ذات الدين، ويدعم رأيه بحديث آخر في هذا المجال فقال عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (لا تنكحوا النساء لحسنهن فلعل حسنهن يرديهن ولا تنكحوهن لأموالهن فلعل أموالهن يطغيهن وانكحوهن للدين ولأمة سوداء خرماء ذات دين أفضل –الخرماء مشقوقة الأذن).‏

كما حرم ابن حزم على الزوج أن يأخذ من مال زوجته شيئاً إلا ماطابت به نفسها، علماً بأن النفقة والكسوة على الزوج لذات الزوج وعلى الأهل لمن ليس لها زوج إذا احتلجت. ولكن عليها واجبات فعليها أن لا تخالف الزوج في نفسها وماله بما يكره وقد سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن خير النساء قال التي تطيع إذا أمر (بما يرضي الله ورسوله) وتسر إذا نظر وتحفظه بنفسها وماله. ولا يجوز لها أن تتصدق من ماله إلا بإذنه فإن فعلت كان له الأجر وكان عليها الوزر.‏

ولم يظلم ابن حزم المرأة أو يحملها المسؤولية الاجتماعية عند الخطأ وحدها، بل يحدد معنى الصلاح لدى المرأة والرجل على حد سواء فيقول في كتاب طوق الحمامة (ولست أبعد أن يكون الصلاح في الرجال والنساء موجوداً وأعوذ بالله أن أظن غير هذا… والصحيح أن الصالحة من النساء هي التي إذا ضبطت انضبطت وإذا قطعت عنها الذرائع أمسكت… والفاسدة هي التي تسهل الفواحش وتتحايل أن تصل إليها بضروب من الحيل… والصالحان من الرجال والنساء كالنار الكامنة في الرماد لا تحرق من جاورها إلا بأن تحرك والفاسقان كالنار المشتعلة تحرق كل شيء)، ويؤكد على أن الجنوح في الرجال والنساء سواء. وقد ارتفع بالمرأة عن مستوى الشهوة التي تسمو عما شاع بين النساء من أن المرأة ليس فيها من جوانب الحياة إلا المتعة فيظهر في جميع مؤلفاته أن المرأة متعلمة شاعرة مثقفة وعفيفة لا تطمع فيها الأبصار، وفية وذات خلال عالية تستحق أن يبكيها الرجل، بل أن يموت أسفاً عليها إذا فارقها حية أو ميتة.‏

ويقول الجباوي ورغم إنصاف ابن حزم للمرأة ومساواتها بالرجل بكثير من الأمور وولاها كافة مستويات المسؤولية باستثناء مسؤولية رئاسة البلاد فإنه لم يحسن الظن بها لما مر تحت عينيه من تجارب وأحداث لم يستطع لها تعليلاً ولاردها لأسبابها المنطقية.‏

المراجع:‏

1-ابن حزم –المحلى.‏

2-ابن حزم-طوق الحمامة.‏

3-الجباوي- في التراث العربي-اتحاد الكتاب العرب-دمشق-1996.‏