التصنيف: تباريح أهل الظاهر (page 1 of 3)

حمل كتاب : ليلة في جاردن سيتي للعلامة ابن عقيل الظاهري

بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
حمل كتاب : ليلة في جاردن سيتي للعلامة ابن عقيل الظاهري

الرابط

/book/Nigh…den%20City.zip

نبذة عن الكتاب :
يقع في 98 صفحة متوسطة الحجم مؤلفه هو العلامة : أبوعبد الرحمن بن عقيل الظاهري , وقد جاء على غلاف الكتاب الخارجي مايلي :
– هذا الكتيب محاورة للقصيمي ونقاش له في مسائل تتعلق ببراهين وجود الله وكماله , وطرق التوثيق التاريخية عند المسلمين.
– الفكر شاهد زور حينما يتحرر من قوانين العقل ويتبع الأهواء.
– نحو هذا الكتيب إلى التحرر من الحسبانية خضوعا لضرورات الدين والحس والعقل والعلم.
– طروحات القصيمي في شتى كتبه نموذج حقيقي للمغالطات التي يحذر منها المنطق والفلسفة.
وقد جاء في بعض مقدمة الكتاب قول المؤلف عن القصيمي :
“وقد عايشتُ كتبه الإيمانية والكفرية منذ تفتحت مداركي , وسعيت إلى لقائه , وسعى إلى اصطيادي بالقاهرة.
وحاورني وحاورته طيلة إقامتي بالقاهرة عام 1394هـ , وسجلت له في هذا الكتيب محاورة ليلة من شهر رمضان
في ذلك العام , وهو حوار ليلة بجاردن سيتي”.
ويقول أيضاً في موضع آخر:
“أرجو له في شخصه أن يهديه الله للإيمان قبل الغرغرة، فتكون خاتمته حسنه إن شاء الله، فإن هذا الرجل الذي ألف (( الصراع بين الإسلام والوثنية )) ممن يؤسف له على الكفر”.

نقد نصوص العهد القديم عند ابن حزم رحمه الله

بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
قراءة في نقد نصوص العهد القديم عند الإمام ابن حزم-مقال للحسن العباقي (ماجيستير بوحدة “المناظرات الدينية في الفكر الإسلامي”. كاتب عام جمعية “الإمام ابن حزم للطلبة الباحثين في مفارنة الأديان بالمغرب )

مصدر المقال : http://www.eiiit.org/article_read.asp?articleID=605

نص المقال :

مقدمة:
لقد كان للنصوص المقدسة أكبر الأثر في توجيه الجماعات البشرية بغض النظر عن مصدر هذه النصوص سواء أكان الهياً أم بشرياً.

والمتأمل في تاريخ الشعب اليهودي في نشاطاته التي جاءت بعد السبي البابلي خاصة؛ يجد أن أغلبها إن – لم تكن كلها – كانت مؤطرة بالنص المقدس، سواء نص العهد القديم أو نص التلمود في مرحاة لاحقة، وبتعبير أكثر دقة يمكن القول أنه كان شديد الحرص على تأصيل سلوكياته تجاه الآخرين؛ تلك السلوكيات التي كان العداء والاحتقار للآخر سمتها الأساسية، وما ذلك إلا ليضفي عليها نوعا من المشروعية. غير أن الحديث عن هذا المستوى من المشروعية يدفعنا لمساءلة النصوص المعتمدة في عملية التأصيل هذه، لنقف على مدى قداستها. تلك القداسة التي تحدد وفقا لقداسة المصدر من جهة، وصحة المضمون من جهة ثانية، الشيء الذي لا يمكن الإجابة عنه إلا اذا أخضعناها – كما كان حال المحدثين مع النصوص الحديثية – الى دراسة نقدية على مستوى السند والمتن.

ومع انه قد اضطلع بهذه المهمة العديد نم العلماء ومن ملل شتى، تبقى دراسة الإمام الجليل أبو محمد علي بن الحزم الظاهري أمتنها على الاطلاق وذلك ف كتابيه “الفصل في الملل و الأهواء والنحل” و” الرد على ابن النغريلة اليهودي”، والكتاب الأول قد جعل من الإمام ابن حزم المؤسس

الحقيقي لعلم مقارنة الأديان كما شهد له بذلك أعداءه قبل محبيه، حيث عرض فيه جملة من العقائد عرضا نقديا وناقشها نقاشا متينا – وإن كان مصحوبا بالكثير من السب والشتم- ومن ذلك مناقشته لنصوص العهد القديم التي اتسمت الى جانب عنفها بإحاطة كبيرة بالموضوع سندا ومتنا.

وإن المطّلع عى ما كتب بعد ابن حزم ليقرر وبكل طمأنينة أن الذين جاءوا بعده كانوا عالة عليه، أو أقل تقدير ساوروا على نفس الدرب الذي سار عليه، فاقتفوا خطواته واتبعوا منهجه في التعامل مع النص. ولم يكن هذا مقتصرا على علماء المسلمين، بل تجاوزهم الى العلماء اليهود كَ ” ابن عزرا” الذي ولد يالأندلس وعمر ابن حزم حينها حوالي اربعين سنة والذي قال عنه “سيبونزا” انه اول من تنبه الى الأخطاؤ الواردة في نصوص العهد القدم، إلا أن قضية الأولية هذه لا يمكن التسليم بها لأن ما ذكره ان عزرا ما هو الا غيض من فيض ما فصله ابن حزم.
وان عالما كابن عزرا يتقن اللغة العربية، من المستبعد جدا ان يهمل كتابي ابن حزم السالفي الذكر وهما يوجهان اعنف نقد لأقدس نص عنده. وحتى ان لم يشر اليهما في كتاباته فلا شك انهما تركا اثرا عميقا في نفسه، دفعه الى كتابة تلك الاشارات التي اعتمدها سبينزوا في نقده لنصوص العهد القديم في كتابه “رسالة في اللاهوت والسياسة” الذي قض به مضاجع اليهود في عصره.

وهدفنا من هذه القراءة في نقد نصوص العهد القديم عند ابن حزم ان نبين للقارىء الكريم أيّا كان معتقده، ان تلك النصوص التي يؤصل بها اليهود معتقداتهم واختيارهم –كما هو الشأن في اسطورة شعب الله المختار واسطورة ارض الميعاد – لا ترقي الى المستوى الذي تضفي فيه المشروعية عليها لأنها مجتثة الأصل سندا ومتنا، بالأدلة العلمية الدامغة.

لقد تطرق ابن حزم لليهودية في القسم السادس من كتاب “الفصل” الذي خصصه لأصحاب الملل المنكرة لبعض النبوات وتؤمن ببعضها الآخر، وكانت بداية كلامه عن فرقها التي حددها في خمسة وهي: السامرية والصدوفية والعناينة والربانية والعيسوية وقد اعطى تعريفا مختصرا لكل واحدة منها، وقال بأنهم موافقون لنا في الإقرار بالتوحيد ثم بالنبوة وبآيات الأنبياء عليهم السلام بنزول الكتب من عند الله إلا أنهم فارقوانا في بعض الأنبياء .

وقج تطرق لنقد العهد القديم على المستويين، الأول يتعلق بمحتوى نصوصه، عالجه في ثمانة وخمسين فصلاً وكان هدفه منه بيان ما تحتوي عليه هذه النصوص من كذب وتحريف واضطراب وتناقضات . والثاني يتعلق بدراسة الأحداث التاريخية، وقد اكتفى فيه بفصلين اثنين حاول فيهما بيان استحالة سلامة التوراة في التحريف من ظل ظروف كالتي عاشها بنو اسرائيل ابان القرون التي تلت موسى عليه السلام.

وسوف نلاحظ في تعاملنا مع الموضوع على نفس الخطة التي اتبعها ابن حزم مع الحرص على الاختصار ما امكن فيما يتعلق بفصول المستوى الأول وبالشكل الذي لا نخل فيه بالمقصود.

أولا قراءة ابن حزم النقدية لمحتوى اسفار العهد القديم

بعد ذكر الهدف من هذه الدراسة الذي هو بيان ما في اسفار العهد القديم من كذب على الله والملائكة والانبياء عليهم السلام يلزم ابن حزم نفسه بألا يخرج من الكتب المذكورة (ويقصد بها اسفار التوراة) شيئاً يمكن ان يخرّج على وجه ما وان دقً وبعد، أو كلاما لا يفهم معناه وانما يخرج ما لا حيلة فيه ولا وجه اصلاً إلا الدعاوى الكاذبة التي لا دليل عليها اصلاً لا محتملاً ولا خفياً . وقد خصص الفصل الأول للحديث عن “التوراة السامرية” وترك السبعة والخمسين فصلاً الأخرى للتوراة المقابلة التي تؤمن بها باقي الفرق اليهودية، ولعل سبب هذا التفاوت هو كون التوراة السامرية معتمدة من فرقة واحدة ليست ذات وزن مقارنة مع غيرهالا من فرق اليهود- خاصة الرانيين-. والشيء الذي اثاره هنا هو تبادل التهم بين السامرية من جهة وباقي فرق اليهود من جهة ثانية، وطعن كل منهم في التوراة التي بيد الآخر بالتحريف، ليثبت أن لا مفر من أن تكون التوراة محرفة لاعتبار أول هو تعدد النسخ واختلافها ، ويمكن تقسيم الموضوعات التي عالجها في هذه الفصول الى ثلاثة وهي: “الألوهية والملائكة والنبوة”، لكنها لم تكن متساوية من حيث حظها من التناول، لأن الذي كان يشغل ان حزم هو اخراج ما بدا له كذباً وتحريفاً من التوراة، فكان حظ كل قسم بحسب حظه من التحريف في التوراة نفسها.

1- الألوهية:

وقد تطرق لموضوع الالوهية من جانبين، الأول فيه ما ينسب لله عز وجل قي التوراة من تجسيم وتشبيه ونقص، والثاني خصصه لما احتوته من اخطاء جغرافية وتاريخية وحسابية يستحيل معها ان تكون ذات مصدر الهي، لأن الله قد احاط بكل شيء علماً فلا يقبل البتة تصور الخطأ فيما يلي من عنده.
أ-ما ورد في التوراة من صفات النقص في حق الله عز وجل:

المثال الأول: تعرض ابن حزم لما جاء في سفر التكوين من ان الله خلق آدم كصورته وشبهه فكان رده كالآتي:”لو لم بقل إلا كصورتنا لكان له وجه حسن ومعنى صحيح، وهو ان نضيف الصورة إلى الله تعالى اضافة الملك والخلق كما تقول هذا عمل الله وتقول للقرد… هذه صورة الله أي تصوير الله… لكن قوله كشبهنا منع التأويل وسدّ المخارج وقطع السبل وأوجب شبه آدم لله عز وجل… وحاشى الله أن يكون له مثل أو شبه”

المثال الثاني: تعرضه لما جاء في سفر التكوين أيضاً ” وقال الله هذا آدم قد صار كواحد منا في معرفة الخير والشر والآن كي لا يمد يده من شجرة الحاة ويأكل ويحيا الى الدهر فطرده الله من جنات عدن” .

فهذا الكلام في نظر ابن حزم يطعن في التوحيد ويوحي بتعدد الآلهة بل ” قد أدى… بكثير من خواص اليهود الى الاعتقاد أن الذي خلق آدم لم يكن إلا خلقاً خلقه الله تعالى قبل آدم وأكل من الشجرة التي أكل منها آدم فعرف الخير والشر ثم أكل من شجرة الحياة فصار الها من جملة الآلهة” .

وهناك فصول أخرى عالج فيها ابن حزم موضوع الألوهية محاولا كشف الحجاب عما احتوته التوراة من تصورات منحرفة عن الذات الإلهية، مما يجعل الإنسان موقناً تماماً بتحريفها.

ب- ما ورد في التوراة من أخطاء يستحيل معها نسبتها الى الله عز وجل:

المثال الأول: وهو مرتبط بعلم الجغرافية، تعرض فيه ابن حزم للنص الآتي من سفر التكوين:

“ونهر يخرج من عدن فسيقي الجنات ثم يفترق فيصير اربعة اسم احدها النيل وهو محيط بجميع بلاد زويلة… واسم الثاني جيحان وهو محيط بجميع بلاد الحبشة واسم ثالث الدجلة وهو السائر شرق الموصل واسم رابع الفرات وأخذ الله آدم ووضعه في جنات عدن”

قال ابن حزم: “في هذا الكلام من الكذب وجوه فاحشة قاطعة بأنها من توليد كذاب مستهزء” ، وهو هنا ينفي تماماً الإلهية عن هذا الكلام ويؤكد بقوله انه لا يمكن ان يصدر الا عم كذاب مستهزء ثم يتمتم قائلا: “أول ذلك اخباره ان هذه الاربعة تفترق من النهر الذي يخرج من جنات عدن التي اسكن الله فيها آدم… وكل من له ادنى معرفة بالهيئة وبنصبه الربع المعمور من الأرض أو مشى الى مصر والشام والموصل يدري ان هذا كله كذب فاضح وان مخرج النيل من عين الجنوب ومصبه قبالة الاسكندرية فأما جيحان فيخرج من بلاد الروم حتى يصب فب البحر الشامي وأما دجلة فمخرجها من أعن بقرب خلاط من عما أرمينية واما الفرات فمخرجه من بلاد الروم على يوم من (قالي) … فهذه كذبة شنيعة لا مخلص منها والله لا يكذب” .

ومن خلال هذا البيان الدقيق المستوحى من علم ابن حزم الجيد بالجغرافية، يؤكد مرة أخرى شناعة ما احتوته التوراة من الكذب الذي يستحيل ان يصدر عن الله عزّ وجل، وقد استمر بعد هذا في اعطاء معلومات اخرى حول هذه الأنهار خلافا لما جاء في التوراة.

المثال الثاني: سنختار مثالاً يرتبط بعلمي الحساب والتاريخ معاً، ونشير قبل ذلك الى ان ابن حزم قد ساق في هذا الباب أمثلة كثيرة أكّد من خلالها أن الذي ألف التوراة لم يكن له علم بالحساب، منها كلامه عن مدة تعذيب بني اسرائيل ، ومدة بقائهم في مصر ، والفارق الزمني بين الأحداث في التوراة مقارنة مع الإنجيل مرتبطة بالطوفان وأبناء نوح عليه السلام وسوف اقتصر على ما ساقه عن عُمُر سام ابن نوح عند وقوع الطوفان حيث قال: ” قال توراتهم ان نوحا لما بلغ خمسمائة سنة ولد له يافت وسام وحام ثم ذكر ان نوحا إذْ بلغ ستمائة سنة كان الطوفان ولسام يومئذ مائة سنة وقال بعد ذلك إن سام لما كان ابن مائة سنة ولد أرفكشاد لسنتين بعد الطوفان” ففي الحساب الأول أن سام لما كان عمره مائة سنة وقع الطوفان، وفي الثاني لما كان عمره مائة سنة كان قد مر على الطوفان سنتين، ونتيجة لهذا الاضطرب قال ابن حزم “وهذا كذب فاحش وتلون سمج وجهل مظلم… حاشى لله من مثله”

وهو هنا ينزه الذات الإلهية عن الكذب والخظأ وينسبهما لمن ألف التوراة.

2- الملائكة:

لم يخصص ابن حزم لموضوع الملائكة فصولا كثيرة، فهو اقل حظاً من الموضوعين الآخرين (الالوهية والنبوة)، ومع ذلك فقد اوضح الصورة التي توجد في التوراة عن الملائكة، الشيء الذي لا يمكن ان يكون كذبا وتحريفا.

المثال الأول: جاء في التوراة “فلما بدأ الناس يكثرون على ظهر الأرض وولد لهم بنات فلما رأى أولاد الله بنات آدم أنهن حسان اتخذوا منهن نساء وكان يدخل بنوا الله بنات آدم ويولد لهم حراما وهم الجبابرة “. وقد علق على هذا الكلام بقوله:”هذا حمق ناهيك به وكذب عظيم إذ لله أولادا ينكحون بنات آدم وهذه مصاهرة تعالى الله عنها – حتى إن بعض اسلافهم قال انما عني بها الملائكة، وهذه كذبة، الا انها دون الكذب في ظاهر اللفظ ، وسواء كان قصد المؤلف اولاد الله او الملائكة فالأمر سيان، ولا يخلو من كذب، اذ كيف يتصور ان يساور الملائكة شهوة كالبشر، وحتى ان حصل هذا فكيف يدخلون ببنات آدم بالحرام؟ ويولد لهم ابناء من حرام!!

هذا بالفعل ما لا يمكن قبوله عن الملائكة الذين يفعلون ما يؤمرون.

المثال الثاني: تعرض ابن حزم لما جاء في سفر التكوين “وتجلى الله لإبراهيم عند بلوطات ممرا وهو جالس عند باب الخباء عند حمي النهار ورفع عينيه ونظر فإذا بثلاثة نفر وقوف أمامه فنظر وركض لاستقبالهم عند باب الخباء وسجد على الارض وقال يا سيدي ان كنت قد وجدت نعمة في عينك فلا تتجاوز عبدك، ليؤخذ قليل من ماء واغسلوا ارجلكم واستندوا تحت الشجرة واقدم لكم كسرة من الخبز تشتد ها قلوبكم وبعد ذلك تمضون… م اخذ لبناً والعجل الذي طبخه ومدها امامهم وبقي واقفا في خدمتهم تحت الشجرة وهم يأكلون” .

علق ابن حزم على هذا بكلام في غاية الرزانة والدقة، ونسف ما فيه من “ضلال” –كما أسماه- سواء في حق الله تعالى او في حق الملائكة، هذا نصه: “في هذا الفصل آيات من البلاء شنيعة نعوذ بالله من قليل الضلال وكثيره، فأول ذلك اخاره ان الله تعالى تجلى لابراهيم وانه رأى الثلاثة هم الله، فهذا هو التتليث بعينه… بل هو اشد… لأنه اخبار بشخوص ثلاثة والنصارى يهربون من التشخيص… قإن كان أولئك الثلاثة ملائكة-وهكذا يقولون- فعليهم في ذلك ايضا فضائح عظيمة وكذب فاحش الوجوه:

أولها: من المحال والكذب ان يخير الله تعالى تجلى له وانما تجلى له ثلاثة من الملائكة.

ثانيها: ان يخاطب اولئك الثلاثة بخطاب الواحد، وهذا ايضا محال.

ثالثها: سجود الى الملائكة، فإنه من الباطل ان يسجد رسول الله عله السلام وخليله لغير الله.

رابعها: خطابه لهم بأنه عبدهم.

خامسها: قوله يؤخذ قليلٌ من الماء ويغسل ارجلكم واقدم كسرة من الخبز تشتدّ بها قلوبكم… فهذا كذب لأن ابراهيم يعلم ان الملائكة لا تشتد قلوبها بكسر الخبز.

سادسها: اخباره انهم اكلوا الخبز والشوى والسمن واللبن.

وحاشى له ان يكون خبرا عن الله تعالى أو الملائكة” وبعد هذا التعليق يحكي ابن حزم القصة كما جاءت في القرآن ليبين شساعة البون بين كلام الله حقا وصدقا وبين ما ينسب اليه زورا وكذبا ، فالملائكة لا تأكل ولا تشرب ولا يصيبها الكلل من فعل أمرت به كي تقعد وتستريح أو تستظل.

3- النبوة:

وهي التي نالت الحظ الأوفر من الفصول السبعة والخمسين المخصصة لنقد التوراة، ولا غرابة في ذلك، فالأنبياء فيها كثر وبكل الألوان والأشكال، ففيها الصادق والكاذب، والمؤمن و المرتد، الزاني والعفيف، البر والفاجر،هذه بعض النماذج التي عالجها:

المثال الأول: جاء في التوراة “وأقام لوط في المغارة هو وابنتاه فقالت الكبرى للصغرى ابونا شيخ ليس في الارض احد يأتينا كسبيل النساء، تعالي نسقي ابانا خمرا ونضاجعه ونستبق منه نسل. فسقتا أباهما خمرا في تلك الليلة فأتت الكبرى فضاجعت اباها ولم يعلم بنومها ولا بقيامها فلما كان من الغد قالت الكبرى للصغرى قد ضاجعت ابي امس تعالي نسقيه الخمر هذه الليلة وضاجعيه هذه الليلة انت ونستبقي من ابينا نسلا فسقتاه تلك الليلة خمرا واتت الصغرى فضاجعته ولم يعلم بنومها ولا بقيامها، وحملت ابنتا لوط من ابيهما فولدت الكبرى (مؤاب) وهو ابو المئابين الى اليوم وولدت الصغرى (ابن عمي) وهو أبو العمونيين الى اليوم” ولا يخفى ما يوجد في هذا الكلام من قبائح وفضائح تقشعر من سماعها جلود المؤمنين العارفين حقوق الأنبياء عليهم السلام كما قال ابن حزم ، ليكم ما ذكر:

أولا: ما ذكر عن بنتي لوط عليه السلام من قولهما:”ليس احد في الأرض يأتينا كسبيل النساء تعالي نسقي ابانا خمرا ونضاجعه ونستبق منه نسلا”، فهذا كلام احمق في غاية الكذب… اترى كان انقطع نسل ولد آدم كله حتى لم يبق في الأرض أحد يضاجعهما!!
فكيف الموضع معروف الى اليوم، ليس بين تلك المغارة… وقرية سكنى ابراهم عليه السلام والا فرسخ واحد لا يزيد.

ثانيا: اطلاق الكذاب… لعنه الله هذه الطومة على الله عز وجل من انه اطلق نبيه ورسوله على هذه الفاحشة العظيمة من وطء ابنتيه واحدة بعد أخرى، فإن فالوا لا ملامة عليه في ذلك لأنه فعل ذلك وهو سكران قلنا فكيف عمل اذا رآهما حاملتين واذ رآهما قد ولدتا… واذ رآهما تربيان أولاد الزنا هذه الفضائح لا بد وتوليد الزنادقة المبالغين في الاستخفاف بالله وبرسله”

فهذا المثال من أمثاله كثيرة تحكي اقبح الافعال واذمها عن الانبياء والرسل، وقد تطرق اليها لبن حزم في كتابه هذا مبيّنا استحالة وصف الأنبياء والمرسلين الذين اصطفاهم الله من بين خلقه واكرمهم بالعصمة بهذه الصفات.

المثال الثاني: عن نبي الله هارون أخو موسى عليهما السلام، فقد جاء في التوراة انه لما ذهب موسى لميقات ربه طلب بنو اسرائيل منه ان يصنع لهم إلها لأنهم لا يعلمون ما جرى لموسى، فأمرهم بجمع أقراط الذهب من آذان نسائهم وبناتهم وابنائهم، وصنع منع عجلا وقال هذا إلهكم الذي أخرجكم من مصر ثم بنى له مذبحا .

علق ابن حزم على هذا بقوله:”هذا الفصل عفا ما قبله وطمّ عليه أن يكون هارون وهو نبي مرسل يتعمد ان يعمل إلها يعبدونه من دون الله عز وجل.. ويبني للعجل مذبحا… إن هذا لعجب! نبي مرسل كافر مشرك!!! يعمل لقومه إلها من دون الله”

وبعد هذا التعجب ينطلق ابن حزم بكلام لاذع في حق كاتب هذه الأكاذيب ومن يؤمن بها قائلاً :” أترى بعد استخفاف النذل الذي عمل لهم هذه الخرافة بالأنبياء عليهم السلام استخفافٌ!! حاشى الله من هذا، أََوتون بعد حمق من يؤمن بأن هذا من عند موسى رسول الله وكليمه عن الله تعالى حمقٌ” ، ثم قام بعرض هذه القصة على نظيراتها في القرآن ليبين الحق من الباطل وينزه النبوة مما لصق من دنايا تجعل من هذه الأمور أكبر دليل من تحريف الكتاب واستحالة نسبته الى موسى عليه السلام.

وخلاصة القول عنده ان المتأمل في محتوى التوراة لا يستطيع بحال من الأحوال ان يسلم بإلهية مصدرها، ولا يساوره شك في أنها مكذوبة، كان الغرض منها تحريف تصورات بني اسرائيل حول الألوهية والملائكة والنبوة، وهذا بالفعل ما حصل. فلا مفهوم الألوهية بقي نقياً من الشوائب ولا مفهوم الملائكة حافظ على ماهيته، ولا مفهوم النبوة نجا من الأباطيل، فغرقت المفاهيم الثلاثة في أثون المادية المقيتة والشهوانية المظلمة والنزوات القاتلة، حتى لم يبق للإله عندهم حرمة ولا للملائكة مكانة ولا للأنبياء احترام.

المثال الثالث: وموضوعه ما جاء في سفر التثنية من قول موسى لقومه: “إن طلع فيكم نبي وادعى أنه رأى رؤيا وأتاكم ما يكون وكان ما زصفه ثم قال لكم بعد ذلك اتبعوا أبناء آلهة الأجناس فلا تسمعوا له” .
قال ابن حزم “فهذا الفصل… تدسيس كاف مبطل للنبوات كلها، لأنه أثبت النبوة بقوله إن طلع فيكم نبي… ثم أمرهم بمعصيته الى اتباع آلهة الأجناس، وهذا تناقض فاحش. ولئن جاز ان يكون نبي يصدق فيما ينذر به يدعو الى الباطل والكفر فلعل صاحب هذه الوصية من أهل هذه الصفة… وهل ها هنا شيء يوجب تصديقه واتباعه ويبينه من الكذابين إلا ما صحح نبوته من المعجزات” .

ويؤكد ابن حزم انه من المستحيل في حق النبي الذي ثبتت نبوته بالمعجزات ان يأمر بالباطل، ومن المستحيل على من ليس بنبي ان تظهر على يده المعجزات، وبالتالي فلا مجال لذلك الكلام المنسوب الى موسى عليه السلام، لأن تصديقه ينفي نبوة موسى الذي لم تعرف نبوته الا بما اتى به من معجزات، وقد ختم الفصول السبعة والخمسين في نقد محتوى التوراة بتعليق دقيق على الفقرات الآتية من سفر التثنية، “فتوفي موسى عبد الله بذلك الموضع في ارض مواب مقابل بيت فغور ولم يعرف آدمي موضع قبره الى اليوم… ولم يخلف موسى في بني اسرائيل نبي مثله ولا يكلمه الله مواجهة” .

وكان تعليقه كما يلي: “هذا آخر توراتهم وتمامها وهذا الفصل شاهد عدل وبرهان تام ودليل قاطع وحجة صادقة في ان توراتهم مبدلة وانها تاريخ مؤلف، كتبه لهم من تحرض بجهله أو تعمد بفكره، وانها غير منزلة من عند الله تعالى؛ إذ لا يمكن ان يكون هذا الفصل منزلا على موسى في حياته وقوله لم يعرف قبره آدمي الى اليوم بيان لما ذكرنا كاف، وانه تاريخ الف بعد دهر طول ولا بد” .

ثم يستطرد قائلا بأن فصلا واحدا منى الفصول التي ذكر موجب لتحريف التوراة، فكيف وهي سبعة وخمسون فصلا قد تجمع الفصل منها سبع كذبات او مناقصات .

ثانيا: حال التوراة عبر التاريخ بني اسرائيل*

ان كان ابن حزم قد تحدث عن تاريخ بني اسرائيل، فلم يكن يهمه منه الا مصير التوراة، حيث
________________________
* لقد ارتأينا تسمية ما بقي كلام ان حزم في موضوع اليهودة في كتاب الفصل بهذا الاسم “حال التوراة عبر تاريخ بني اسرائيل” لما بدا أكثر تعبيرا على ما كتبه ابن حزم من العنوان الذي وضعه المحققان.
يقول “ونصف ان شاء الله تعالى حال كون التوراة عند بني اسرائيل من أول دولتهم إثر موت موسى عليه السلام الى انقراض دولتهم الى رجوعهم الى بيت المقدس الى ان كتبها عزرا الوراق بإجماع من كتبهم واتفاق من علمائهم دون خلاف يوجد… وما اختلفوا فيه… نبهنا عليه ليتيقن كل ذي فهم انها محرفة مبدلة” .

وابن حزم هنا يريد كون التوراة لم تكن لتسلم من التحريف في تاريخ كتاريخ بني اسرائيل، لأنها من جهة لم تكن عند عموم الناس بل كانت عند “الكوهن الأكبر” وكل كتاب يبقى عند فئة بعينها فسلامته من التحريف والتبديل تكون ضعيفة،ومن جهة ثانية لأن تاريخ بني اسرائيل مليء بالحروب والدمار والسبي والحرق الى درجة يستحيل معها بقاء التوراة سالمة، خاصة وأن المعابد هي أول ما كان يتعرض للتخريب والنهب عندهم. ومن جهة ثالثة –هي الأهم- لأن ملوك بني اسرائيل بعد انقسام المملكة كان جلّهم على الكفر، محارب للإيمان ومخرب للمعابد، فلم تكن التوراة لتنجو منهم، وسوف نعرض هذا في جداول زيادة في الوضوح.
1- حال التوراة من موت موسى الى انقسام المملكة:


ولي الأمر مدة ولايه طبيعة حكمه
يوشع بن نون 31 سنة دبر أمرهم في استقامة وألزمهم الدين
فيخاس بن عازار بن هارون الذي كانت معه التوراة. 25 سنة وهو الكوهن الأكبر، كان على الاستقامة والتزام الدين وقد كفروا بعد موته وعبدوا الأوثان جهارا حتى ملكهم ملك صور وصيدا
ملك صور وصيدا 8 أعوام على الكفر
عال بن كنار بن أخي كالب بن يقنه بن يهوذا 40 سنة على الإيمان وبموته كفروا جميعا وعبدوا الأوثان
عقلون ملك ني مؤاب 18 سنة على الكفر
أهوذ بن قرافيل من سبط افرايم وقيل من سبط بنيامين قيل 80 سنة وقيل 55 سنة على الإيمان
سمعان بن غاث بن سبط الآثار 25 سنة على الإيمان وبموته كفروا جميعا وعبدوا الأوثان جهارا.
مراش الكنعني 20 سنة على الكفر.
دبورا (امرأة) من سبط يهوذا 40 سنة على الإيمان وبموتها تخلوا عن الإيمان واتدوا لعبادة الأوثان جميعا.
عويزب وزاب ملك بني مدين 7 سنين على الكفر
جدعون بن بواس من سبط افرايم وقيل سبط منسي. 40 سنة ويقولون إنه كان نبيا على الإيمان وكان له سبعين ابنا ذكرا
أبو ملك بن جدعون 3 سنوات فاسق خبيث السيرة ارتد في عهده جميع بني اسرائيل وكفروا وعبدوا الأوثان مات مقتولا بعد ثلاث سنوات.
مولع بن رقوا من سبط يساخر 25 سنة لم يوجد بيان أكان على الكفر أو الإيمان.
بابين بن جلعاد من سبط منسي 6 سنة على الإيمانى وكان له 32 ولدا ذكرا ولّى كل واحد منهم مدينة وقد ارتد كل بني اسرائيل بعد موته.
بنوا عمون 13 سنة على الكفر.
هيلغ بن جلعاد من سبط منسي 6 سنين كان فاسقا ابن زانية نذر إن ظفر بعدوّه أن يقرب الله أول من يلقاه من منزله فلقي ابنته ولم يكن له ولد غيرها فذبحها
أفصات من سبط يهودا 6 أو 7 سنين على الاستقامة
أيكون من سبط زيلون 10 سنين لا يوجد بيان لطبيعة حكمه
عبدون بن هلال من سبط افرايم 8 سنين على الإيمان وارتد بنو اسرائيل بعده وعبدوا الأوثان جهارا.
الفلسطنيون والكنعانيون وغيرهم 40 سنين على الكفر.
شمشون بن مانوح من سبط داني 20 سنين كان مشهوا بالفسق واتباع الزواني أسر ومات.
دبر نو اسرائيل بعضهم بعضا 40 سنة في سلامة وإيمان بلا رئيس يجمعهم.
الكاهن الهاروني 20 سنة على الإيمان.
شموال بن فتان النبي من سبط افرايم قيل 20 وقيل 40 سنة على الإيمان وكان له ابنان يظلمان الناس فرغبوا الى شموال ان يجعل لهم ملكا فولى عليهم شاول الدباغ (طالوت)
شاول من سبط بنيامين (طالوت) 20 سنة وهو أول ملك كان لهم ويصفونه بالنبوة والفسق والظلم والمعاصي معا.
داود عله السلام 40 سنة وقج تولى بعد مقتل شاول (طالوت) وهم ينسبون له الزنا بأم سليمان عليه السلام وأنها ولدت منه من الزنا ابنا مات قبل ولادة سليمان.
سليمان عليه السلام 40 سنة وهو باني الهيكل وقد تفرق أمر بني اسرائيل بعد موته.

وقد علق ابن حزم على هذا التاريخ بقوله “فاعلموا الآن أنه من وقت دخلوا الأرض المقدية إثر موت موسى عليه السلام الى ولاية أول ملك لهم وهو شاول المذكور، سبع ردات فارقوا فيها الإيمان واعلنوا عبادة الأصنام (بين ثمانية اعوام واربعين نة في ك ردة) فتأملوا اي كتاب يبقى مع تمادي الكفر ورفض الإمان هذه المدد الطوال، ليس على دينهم واتباع كتابهم أحد على ظهر الأرض غيرهم” .

وابن حزم هنا ينكر سلامة التوراة مع تلك الفترات الطوال من الكفر التي يقر فيها كاتب التوراة أن الجميع يكفر ولا يبقى واحد على الإيمان، بل يجاهرون بعبادة الأصنام.

أما الفترة التي تفصل مقتل شاول عن انقسام المملكة فليست بالكبية وهي تضم فترة حكم داود ثم ابنه سليمان عليهما السلام، وبعد وفاة هذا الأخير انقسمت المملكة الى قسمين، مملكة يهوذا وتضم سبطي يهوذا وبنيامين ومملكة اسرائيل وتضم باقي الأسباط العشرة .




2- حال التوراة في مملكة “يهوذا” من بدايتها الى نهايتها:

وهي التي تضم ني يهوذا وبني بنيامين لبني سليمان، وقد عرفت عشرين ملكاً، كان معظمهم على الكفر وعبادة الأوثان، خلاصة تاريخهم في الجدول التالي:

الاسم مدة الحكم طبيعة الحكم ومعلومات إضافية
رحبعان بن سليمان 17 سنة كان على كفر
أبيا بن رحبعام 6 أعوام كان على كفر
أنشا بن ابيا 41 سنة كان على الإيمان
يهوشفاط بن اشا 25 سنة كان على الإيمان
يهورام بن يهوشفاط 8 أعوام لا يوجد بيان لطبيعة حكمه
أحزياهو بن يهورايم سنة واحدة على الكفر وقد مات مقتولا
أمه “عثلياهو” 6 أعوام بنت عمرى ملك العشرة أسباط كانت على الفسق وإشاعة الزنا ثم قتلت.
حفيدها يؤاش بن أحزياهو 40 سنة على الكفر وهو قاتل أحد أنبيائهم بالحجارة وقد مات مقتولا.
أمصياهو بن يؤاش 29 سنة كان على الكفر ثم قتل وفي أيامه انتهب ملك الأسباط العشرة بيت المقدس مرتين
عزياهو بن امصياهو 52 سنة على الكفر وهو قاتل النبي “عاموص”.
يوشام بن عزياهو 16 سنة لا يوجد بيان لطبيعة حكمه
أحاز ين يوشام 16 سنة على الكفر
حزقيا بن أحاز 29 سنة أظهر الإيمان وفي السنة السابعة من حكمه انقطع ملك الأسباط العشرة على يد ملك “الموصل” سليمان بن عسير فسابهم ونقلهم إلى آمد ونقل أهل آمد إلى موضوعهم.
منسى بن حزقيا 55 سنة أظهر الكفر في السنة الثالثة من ولايته وهو قاتل إشعيا النبي نشاً بالمنشار من رأسه إلى المخرج وقيل بالحجارة والحرق.
آمون بن منسى سنتين على الكفر.
يوسيا بن آمون – اعلن الإيمان في السنة الثالثة من ولايته الى أن قتله ملك مصر.
يهويحوز بن يوشيا ثلاثة أشهر على الكفر أسره ملك مصر وولى مكانه يهوياقيم أخوه.
يوهويقيام بن يوشيا 11 سنة على الكفر قطع الدين فيها وأخذ التوراة من الهارونيين فأحرقها بالنار وقطع أثرها.
يهوياكين بن يهوياقيم ثلاثة أشهر لقبه “نيخيا” كان على الكفر الى ان أسره بختنصر فولى مكانه عمه.
متنيا بن يوشيا لقبه “صدقيا” 11 سنة كان على الكفر إلى أن اسره بختنصر وهدم البيت والمدينة واستأصل جميع بني اسرائيل وبني سليمان جملة.

علق ابن حزم على ما سبق بقوله: “فاعلموا الآن أن التوراة لم تكن من أول دولتهم الى انقضائها إلا عند الهاروني الكوهن الأكبر وحده في الهيكل فقط” وقد أشار الى أن فتة ملكهم التي دامت حوالي أربعمائة سنة، حكمهم فيها تسعة عشر ملكا وامرأة هي تمام العشرين كانوا كلهم على الكفر حاشى خمة منهم كانوا على الإيمان. وقد وصلت المدة الفاصلة بين قترة الإيمان والكفر الى أكثر من مائة وستين عاما في احدى المرات، كلها في عبادة الأوثان وقتل الأنبياء، واستمر حالهم كذلك الى أن سباهم بختنصر وهدم البيت واستأصل أثره ولم تكن التوراة عند أحد إلا فيه، فكيف تسلم عبر هذه القرون الطويلة وهي في الهيكل الذي كانت الغارات لا تغفل عنه ولا تترك فيه شيء!

3- حال التوراة في مملكة “اسرائيل” من بدايتها إلى نهايتها:

وقد ضمت هذه المملكة الأسباط العشرة، أما ملوكهم “فلم يكن فيهم مؤمن قط، ولا واحد فما فوق، بل كانوا كلهم معلنين عبادة الأوثان، مخيفين للأنبياء مانعينالقصد الى بيت المقدس ولم يكن فيهم نبي قط الا مقتولا أو هاربا مخافا” ونجمل حال ملوكهم في الجدول الآتي:

الاسم مدة الحكم طبيعة الحكم ومعلومات إضافية
برعام بن ناباط 24 سنة (إفرايمي) كان على الكفر
ناداب بن يرعام سنتين ثم قتل هو وجميع اهل بيته كان على الكفر
بعشاين إيلا 24 سنة من بني يساخر بن ليئة كان على الكفر
إيلا بن بعاشين سنتين قتله رجل من قواده “زمرى” كان على الكفر
زمرى (القاتل) قتل وأحرق في داره
اختلاف حول “تبنى بن جينة”و”عمرى” 12 سنة وبعد 12 سنة توفي “تبنى بن جينة” فولي” عمرى”
عمرى 8 أعوام على الكفر وعبادة الأوثان
آحاب بن عمرى 21 سنة أشد ما يكون في الكفر وكان يريد قتل “الياس” النبي الذي هرب منه (امرأته بنت ملك صيدا)
أحزيا بن آحاب 3 أعوام كان على الكفر وعبادة الاوثان
أخوه يهورام بن آحاب 12 سنة كان على الكفر وقتل جميع أهل بيته في أيامه كان إليسع النبي
ياهو بن نمشى 28 سنة من سبط “منيى” أقل السابقين كفراً ولم يظهر الإيمان، هدم الهياكل وقتل الدنه ولم يحرم الأوثان
يهوياحان بن باهو 17 سنة بنى بيوت الأوثان وفي أيامه ضعف أمر الأسباط العشرة لأن ملك دمشق غلب عليهم وقتلهم إلا قلة
يؤاش بن يهوياحان 16 سنة على الكفر، غزا بيت المقدس وأخذ كل ما فيه وهدم من سور المدينة 400 ذراع وهرب عنه ملك يهوذا
ياربعام بن يؤاش 45 سنة على مثل كفر أبيه غزا أيضا بيت المقدس وقتل ملكها الداودي
زخريا بن ياربعام 6 أشهر على الكفر الى أن قتل وجميع أهله.
شالوم بن نامس شهر واحد من سبط نفتالي بن بلهة أمة راحيل وكان على الكفر ثم قتل
مياخيم بن قارا 20 سنة من سبط يساخر بن ليئة كان على الكفر ومات.
محيا بن مياخيم سنتين على الكفر وعبادة الأوثان قتل هو وجمع أهله.
ناجح بن مليا 28 سنة من سبط دان بن “بلهة” أمة “راحيل” كان على الكفر الى ان قتل وجميع اهل بيته وفي أيامه أجلى “تباشر” ملك الجزيرة بني رؤوبين وبني “جاد” ونصف سبط “منسى” من بلادهم “العور” وحملهم الى بلاده وأسكن بلادهم قوماً من بلاده.
هوشع بن أيلا وهو آخر ملوك الأسباط العشرة 7 سنين من سبط جاد كان على الكفر الى أن أسره سليمان بن الأعسر ملك الموصل وحمله تسعة أسباط ونصف سبط منسى الى بلاده أسرى وأسكن بلادهم قوما من بلده وهم السامرية الى اليوم.

يتبين من خلال هذه الجداول التي تلخص لنا حال أوليائهم وملوكهم منذ موت موسى عليه السلام الى سبي البابلي، أن اغلبهم كانوا على الكفر، مجاهرين بعبادة الأوثان، متبعين للشهوات والملذات، وذلك بشهادة الكتاب المقدس نفسه، بل إن التوراة خلال هذه القرون الطويلة لم تكن متداولة بل كانت دائما بيد الكوهن الأكبر، الى أن أقيم الهيكل فوضعت فيه ولم تكن عند أحد، أضف الى ذلك أن كل الغارات التي كانت تصيبهم كانت تفرغ الهيكل من كل ما فيه، هذا وفد تعرضت التوراة للتمزيق والإحراق غير ما مرة، فكيف يدعي مدع بنجاتها من كل هذا ووصولها سالمة!!!

“إنها من إملاء عزرا الوراق الهاروني وهم مقرون أنه وجدها عندهم وفيها خلل كبير فأصلحه!!.. وكانت كتابته لها بعد سبعين سنة من خراب البيت، وكتبهم تدل على أنه لم يكتبها ولم يصلحها إلا بعد نحو أربعين سنة من رجوعهم الى البيت بعد سبعين عاما السالفة الذكر، ولم يكن فيهم حينئذ نبي أصلا، ومن ذلك الوقت انتشرت التوراة ونسخت وظهرت ظهورا ضعيفا ولم تزل تتداول الى أن جعل “انطاكيوس” الملك وثنا للعبادة في بيت المقدس، وأخذ بني اسرائيل بعبادته ثم تولى أمرهم في كل قرية وذلك بعد هلاك دولتهم بأزيد من أربعمائة سنة.. ثم إن في التوراة التي ترجمها السبعون شيخا لبطليموس الملك بعد ظهور التوراة مخالفة للتي كتبها عزرا” فلا سبيل إذاً للقول بنجاة التوراة!

خاتمة:

لقد تناول ابن حزم لنصوص العهد القديم بالدراسة والنقد نقطة من أهم نقط مشوعه النقدي للديانات المخالفة للإسلام،هذا المشروع الذي عنونه ب “الفصل في الملل والأهواء النحل” وصاغه صياغة منهجية دقيقة استعصى فهمها غلى الكثيرين ممن تناولوا مشروعه بالدراسة، وما تلك النماذج الي قدمنا في قراءتنا هذه إلا غيضٌ من فيض ما أتى به من أدلة دامغة لا تدع مجالا للشك في النتيجة المتوصل اليها والقائلة بتحريف نصوص العهد القديم المتداول بين الناس وعدم نسبتها الى من نسبت اليهم، بل بالتأكيد على أنها مجرد كاتب تاريخي دوّن فيه “عزرا الوراق” تاريخ بني اسرائيل حسب ما توفر لديه من معلومات.

وللوصول الى هذه النتيجة استعمل ابن حزم منهجين اثنين، فاعتمد المنهج الفيلولوجي أثناء تعرضه لنقد مضامين نصوص العهد القديم وعرض بعضها على بعض، والمنهج التاريخي لبيان استحالة سلامة التوراة من التحريف في تاريخ بني اسرائيل الذي كانت سمته الأساسية هي الكفر والردة والحروب والفتن، منذ عهد موسى عليه السلام والى عهد بطليموس الذي ترجم له السبعون شيخا التوراة. وقد ركز في المستوى الأول على الأسفار الخمسة المنسوبة الى موسى عليه اللام وكذا الأسفار المنسوبة الى أنبيائهم ليؤكد بطان هذا الادعاء، وركز في المستوى الثاني على ما جاء في الأسفار الأخرى وخاصة أسفار القضاة الأول والثاني والملوك الأول والثاني من أحداث تاريخية، ليصل في النهاية الى أن هذه الأخيرة هي خير دليل على ضياع التوراة الأصلية وتعرضها للتحريف والتبديل، كما تعرضت للحرق والتمزيق.

أفلا يدفعنا كل هذا للتساؤل عن أولى الأمم بالارتباط بنصها المقدس وجعله أصلا لمعتقداتها وإطا لسلوكياتها؟ أيعقل أن يتشبث غيرنا بما عندهم من نصوص مع عظيم علتها، فيحكمونها في كل صغيرة وكبيرة؟ ونجعل نحن كتاب الهدى الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وراء ظهورنا!

المرأة في ندوة ابن حزم الأندلسي ومقولات أخرى ـــ سليمى محجوب

بسم الله الرحمن الرحيم

http://www.awu-dam.org/alesbouh/800/isb800-011.htm

المرأة في ندوة ابن حزم الأندلسي ومقولات أخرى ـــ سليمى محجوب

عقدت في رحاب معهد التراث العلمي العربي بحلب ندوة دولية هامة، كان محورها العالم الكبير ابن حزم الأندلسي صاحب كتاب “طوق الحمامة”، الشهير.‏

وقد ألقيت في الندوة مواضيع بحثية لعدد كبير من الدارسين بلغت تسعة وعشرين بحثاً. خصَّت ابن حزم بنظرات شاملة ومتعددة، وشارك فيها عدد من الباحثات اللواتي أتيح لهن في هذه الندوة إبراز فكر المرأة وقوة باعها في معالجة جوانب مهمة وتخصصية في التراث العربي الإسلامي.‏

فقد تحدثت الدكتورة “ألفة يوسف”، عن مكانة المرأة عند ابن حزم بين العشق والأحكام الشرعية، كما علقت بلغة رائعة شفافة، وبيان مفصح على فيلم سينمائي عرض بعد جلسة الافتتاح للمخرج التونسي “الناصر خمير”، تناول كتاب “طوق الحمامة” ومؤلفه بالدراسة والتحليل.‏

استلهمت دراستها عن “المرأة عند ابن حزم في مجال الأحكام الشرعية”، من كتاب “الإحكام في أصول الأحكام”، لابن حزم. ووسمت هذا المستوى بمجال “الممنوع”، كما جاء في بحثها، وتحدثت عن مفهوم القانون ودوره في تشكيل صورة المرأة من جهة، وعلاقتها بالرجل من جهة أخرى، والخلفيات الثقافية والاجتماعية المسيرة لمفهوم القانون في تلك الفترة التاريخية في الأندلس وفي الحضارة العربية الإسلامية.‏

واستمدت الدكتورة ألفة يوسف القسم الثاني الذي يبحث في صورة المرأة عند ابن حزم الشاعر والمتغزل والأديب، المتحدث عن العشق والحب من خلال مفهوم نفسي سمته”الممتنع أو المستحيل”، محاولة من خلال “طوق الحمامة” الوقوف على علاقة العشق باعتبارها تعبيراً عن افتقار الذات البشرية إلى الآخر افتقاراً قد يتجسم في نفي الاختلاف عن الآخر ومحاولة التماهي فيه. وفي رفض الاتصال به حفاظاً على وهم الاتحاد الممكن.‏

ومن ثم تناولت العلاقة بين “الممنوع والممتنع”، انطلاقاً من أعمال ابن حزم في نقدها.‏

والجدير بالذكر أن د.ألفة يوسف من مواليد عام 1966، ولها مؤلفات عديدة في المرأة منها، “نساء وذاكرة”، ومنها: “الإخبار عن المرأة في القرآن”، وهي مطبوعة ومنشورة.‏

ومما لاشك فيه أنها ستغني البحث العلمي بجهودها وإسهاماتها المميزة في الفكر العربي الإسلامي والإنساني في مسيرة عطائها.‏

أما الباحثة الثانية فهي الدكتورة “رجاء بن سلامة”، من تونس أستاذة بكلية الآداب منذ ثلاث عشرة سنة كما جاء في سيرتها الذاتية.‏

تحدثت الدكتورة “ابن سلامة” عن “ابن حزم ومقالته الأكر المقسومة”، ضمن فعاليات الجلسة الخامسة للندوة والتي خصصت لابن حزم الأديب.‏

هذه المقالة كما تقول د.رجاء موجودة في كتاب “مروج الذهب” للمسعودي، أما عن موضوع، المقالة فقد ذكرت الباحثة أن ابن حزم يشير بعبارة يحفّها الغموض إلى أن “الأرواح أكر مقسومة”، لكن على سبيل مناسبة قواها في مقر عالمها العلوي، ومجاورتها في هيئة تركيبها…”. وصورة “الأكر المقسومة”، المنشطرة الآتية من مأدبة أفلاطون تحوَّلت إلى “مقالة”، ترجع الشوق إلى الله مقلّب القلوب في الأبدان، وتنزل الوله (فقدان المعشوق وتضييعه) في إطار ما ورائي”.‏

ومما جاء في بحثها أن الحب الذي يتحدث عنه ابن حزم ليس الحب الأفلاطوني، ولا العذري، ولا الحب المستلهم من الصوفية، بل هو حب أقرب إلى المرضية، إن الحب الذي يؤسس له ابن حزم هو:‏

“الألفة والألاّف”.‏

والدكتورة “ابن سلامة”، ضليعة في أبحاث العشق والوله والحب، وقد حصلت على شهادة دكتوراة دولة على دراسة قدمتها تحت عنوان: “العشق والكتابة في الأدب العربي”، كما لها دراسة أخرى بعنوان: “من أسماء الحب إلى مصارع العشَّاق”، ومن هنا جاء بحثها الذي قدمته في الندوة عن ابن حزم متيناً شاملاً ودقيقاً طرح عدداً كبيراً من التساؤلات والمقولات.‏

هذا، وقد تجلت صورة المرأة المفكرة المجلِّية في مشاركة الدكتورة الباحثة سعاد الحكيم من لبنان الشقيق. وقد تحدثت عن القيم الأخلاقية والجمال عند ابن حزم بدقة وموضوعية، ألقت أضواء جديدة عن أهمية الخلق في الحضارة. إذ تقول:‏

“إن الحضارة لا تقاس بالإنجازات، والتقنيات والاكتشافات فقط، بل من الواجب أن تقاس أولاً بالخلق، لأنّها إنسانية الإنسان، ومبدأ رقيِّه، الأخلاق سلم ذاتي وأهلي، لأنها مبدأ المصالحة مع الذات وشرط قبول الآخر والمصالحة معه”.‏

كما تضيف قائلة:‏

“واستناداً إلى هذه الرؤية الإنسانية للأخلاق، أقول إن الفكر الإسلامي ـ الصوفي والفقهي ـ لديه الكثير ليقوله لإنسان هذا العصر، وإنه قد آن الأوان لأن نخرج من حضانة الآخر لنكتشف ذواتنا. ولن يحجبني هنا أن أرى وجه أفلاطون، أو ملامح أرسطو، أو سمات جالينوس في النص الأخلاقي لفقيه، بل سأزيح هذه الحجب لأرى ماهو الجديد الذي قدَّمه الفقيه المسلم في حقل الأخلاق الإنسانية.‏

وماذا لديه مما ينفع البشرية اليوم”.‏

أما في حديث الدكتورة حكيم عن الجمال. فقد ذكرت أن ابن حزم يصنِّف الجمال في الشخص الجميل على أربعة أشكال: “الحلاوة، والقوام، والروعة، والحسن”، ثم تحدد صفات كل منها.‏

وتتساءل عن دور جمال الصورة الظاهرة في الحب الحقيقي، وتطرح هذا السؤال على ابن حزم نفسه، فيجيبنا قائلاً من نص رائع:‏

إن الصور الظاهرة تلعب دور الجاذب والواصل بين أجزاء النفوس المقسومة “تظهر فيه حركة ميل الإنسان منذ البداية مع الشهوة التي ربما لا ينتقل عنها. تموت الشهوة أو ينتقل من مرحلة “شهوة النفس”، إلى مرحلة “اتصال النفس”، والجمال الحسيّ يلعب دوره في جذب أجزاء الصورتين تمهيداً لاتصالهما”،‏

كما يقول: “النفس تولع بكل شيء حسن، وتميل إلى التصاوير المُتْقَنة، فهي إذا رأت بعضها تثبَّتت فيه. فإذا ميَّزت وراءها شيئاً من أشكالها اتصلت، وصحَّت المحبة الحقيقية، وإن لم تميز وراءها شيئاً من أشكالها لم يتجاوز حبها الصورة، وذلك هو الشهوة، وإن للصور لتوصيلاً عجيباً بين أفراد النفوس النائية”. ـ طوق الحمامة ـ‏

تلك ، كانت قبسات مما جاء في بحث الدكتورة الحكيم عن رؤيتها الفكرية العميقة للأخلاق والجمال بعد “أن تقدَّمت تجربتها الإنسانية، وتوسَّعت معارفها الصوفية”، كما تقول.‏

وفعلاً إن للباحثة د. حكيم باعاً مميزاً وثقافة واسعة في موضوع التصوف، والتصوف المقارن، والطرق الصوفية، وهي رئيسة قسم الفلسفة في كلية الآداب ـ الجامعة اللبنانية ـ ولها في هذا الميدان كتب كثيرة، منها “المعجم الصوفي”، و”ابن عربي ومولد لغة جديدة”، وكتاب “عودة الواصل”، وكلها كتب دسمة منشورة تغني بمعلوماتها المكتبة العربية الإسلامية.‏

ونتابع جولات البحث الفكري لدى المرأة لنقف عند الباحثة مزينة حمارنة.‏

الباحثة من مواليد دمشق، ولكنها اعتذرت عن حضور الندوة لإقامتها في برلين، وقد ألقى الضوء على بحثها والدها الدكتور الباحث نشأت حمارنة.‏

الباحثة حمارنة متخصصة بعلم الآثار والتاريخ القديم وقد درسته في جامعة برلين. ومن ثمة حصلت على درجة الماجستير في حقل الدراسات الإسلامية والأدب النسائي كما جاء في سيرتها الذاتية.‏

وتصب معظم دراساتها في إطار “المجتمع الإسلامي ووضع المرأة”.‏

وقد ترجمت نماذج عديدة من أدب المرأة في الشعر العربي والرواية إلى اللغة الألمانية.‏

شاركت الباحثة حمارنة في ندوة “ابن حزم”، بموضوع “كتاب طوق الحمامة”، التأثر والتأثير”، والبحث متفرد، أشادت فيه بأهمية الكتاب مما دعا القريبين، لترجمته إلى لغاتهم ولاسيما اللغة الألمانية.‏

وأوضحت أثر الكتاب في الحضارة الغربية، واهتمام النقاد بدراسته دراسة فنية غنية في القرن العشرين.‏

وتقف الباحثة عند الترجمة الألمانية لكتاب “طوق الحمامة”, مشيرة إلى ترجمة “فايسفايلر Weisweiler”. عام 1942م. والتي اعتمد فيها على ترجمة قديمة “لبتروف Petrov”، عام 1914هم مستفيداً من شروح وتعليقات ثقات من مؤرخي الأدب العربي ومنهم “بروكلمان”، وكولد تسايهر Goldzieher”.‏

وفي نطاق التأثر والتأثير تذكر الباحثة العلماء الذين أخذ عنهم ابن حزم، وتأثر بأفكارهم، وفي مقدمتهم الجاحظ وابن سينا، أما عن التأثير فقد أوضحت أثره الفكري والعلمي فيمن جاء بعده من المفكرين كابن خلدون وابن رشد وغيرهم.‏

ومما جاء في بحثها أن “ابن حزم اختطَّ لكتابه خطة واقعية تعطي صورة للحب والمحبين بعيدة عن التشويهات المؤذية للحياء التي جاءت من الشرق الإسلامي أحياناً، ومن التراث البيزنطي المتأخر أحياناً أخرى، والتي تشوّه نقاء الحب، وصفاء المحبين كما عرفه العرب في تاريخهم قبل الإسلام”.‏

ومع أن هذه المقولة تحتمل كثيراً من التساؤلات والنقاش لكن عدم حضور الباحثة للندوة لم يفتح باباًللحوار.‏

هذا عن المرأة وأبحاثها، أما عن الندوة وما يمن أن يقال عنها، فقد استمرت فعاليَّاتها على مساحة زمنية امتدت ثلاثة أيام من 2/2/2002 وحتى 4/2/2002، جالت في حياة ابن حزم وثقافته، والمصادر التي كونت فكره والمؤلفات التي كانت ثمرات طيبة لثقافته الموسوعية وأفكاره.‏

كذلك قدمت في رحاب الندوة أبحاث متعددة تناولت موضوع الجمال، والأخلاق عند ابن حزم، بالإضافة لما قدمته د.حكيم.‏

في حين توسع أعلام الفقه والدين من الباحثين في الحديث عن فقه ابن حزم، وتناولته الدراسات فقيهاً، ظاهرياً، صوفياً، عالماً، بالملل والنحل، ومحدثاً أصولياً أوضح موقف السنة من القرآن الكريم كما وظف الأحاديث النبوية الشريفة في تسجيل رحلة الحج المباركة للرسول الكريم، في كتابه: “حجة الوداع”.‏

أخيراً توزعت موضوعات أخرى لتطول الجانب الأدبي في شخصية ابن حزم الشاعر والأديب. وأخرى تناولت القضايا اللغوية والفكرية عند ابن حزم، ولم تغفل هذه الدراسات أيضاً ابن حزم المفكر السياسي والمؤرخ والعالم بخاصة في علم الفلك أو الهيئة.‏

لاشك. أن جهوداً علمية قد بذلت في كثير من الأبحاث لكن هذا لم يمنع من تكرار بعض المسائل والموضوعات. ربما لعدم التنسيق بين الباحثين، أو لعدم دراسة الأبحاث المقدمة من قبل اللجنة العلمية في فترة زمنية كافية لاستبعاد الأبحاث المكررة والتي تعالج فكرة واحدة، ولاسيما فيما يتعلق بكتاب ابن حزم “طوق الحمامة”، وتكرار الأبحاث التي تناولت مصادر المعرفة عند ابن حزم. بحيث طغى الكمي على النوعي، وتم تغييب بعض الدراسات النقدية لصالح الدراسات الوصفية والسردية.‏

وفي حين استفاض بعض الباحثين في سرد أمور فضفاضة معروفة لدى الحاضرين من المهتمين بالدراسات التاريخية والتراثية فإن بعض الأبحاث كان ضنّيناً في تقديم الفكرة وتحليلها لدرجة الإخلال في معالجة الموضوع في عنوان بحثه. كما أسهبت بعض الأبحاث في سرد المقدمة أو المدخل إلى البحث مما أضاع الوقت المخصص لكل باحث فلم يستطع تقديم بحثه كاملاً وفق منهجية تحليلية مدروسة.‏

ومع هذا يمكن القول بأن أكثر الأبحاث قدمت مقولات معرفية سلطت الأضواء على شخصية ابن حزم الأندلسي، ونبشت في زوايا وأركان معارفه القيمة, مما رسم خطوطاً عريضة وواضحة لهذا العالم الفذ الذي جمع بين ضروب العلم المختلفة مما لم يجمعه عالم آخر. وقد تم إحضار ابن حزم إلى ربوع الشهباء وجامعتها بعد أن فصلتنا عنه مئات عدة من السنين (384-456هـ)، (994-1064م).‏

ساهمت تلك الندوة الدولية التي شارك فيها علماء عرب وإسبان وآخرون وفدوا من بريطانيا في إبراز فضل ابن حزم وعلمه وأثره في الفكر الإنساني في مشرق الأرض وغربها. كما أقامت الدليل على أن ابن حزم كان رمزاً للثقافة العربية الأندلسية بما تركه من إنتاج فكري متنوع وغزير. إذ بلغت مؤلفاته أربعمائة مجلد ضمَّت ما يقرب من ثمانين ألف ورقة. وكان من أشهر هذه المؤلفات كتاب “طوق الحمامة”، الذي التصق اسمه بابن حزم التصاق الماء بالهواء. وكتاب “الفضل في الملل والأهواء والنحل”، وموسوعة “المحلى” وكتاب “حجة الوداع”، وكتاب “الإحكام في أصول الأحكام”، وغير ذلك من الرسائل والمقالات التي تناولت مواضيع مختلفة.‏

وأخيراً لقد كانت الندوة الدولية لابن حزم الأندلسي تعبيراً عن التواصل بين الحضارات والتعايش بين الأديان، ولعلها ستحقق آمالاً كبيرة ما زالت تحدونا ـ نحن العرب ـ لإثبات هويتنا الحضارية وثقافتنا العربية الإسلامية التي بنى الغرب عليها حضارته وثقافته وفكره. وهذا ما عبر عنه مدير معهد سرفانتس الإسباني “د.كارلوس فارونا”، بقوله:‏

“لا يسعني إلا أن أشير إلى ضرورة استعادة روح ابن حزم لبدء حوار حضاري حقيقي”.‏

*الباحثة سليمى محجوب.عضو مجلس إدارة في الجمعية السورية، لتاريخ العلوم ـ معهد التراث العلمي العربي بحلب.‏

مظاهر ثقافة أبي حيَّان الأندلسي في ضوء كتابه التذييل والتكميل ـــ د.وليد مح

بسم الله الرحمن الرحيم

http://www.awu-dam.org/trath/98/turath98-015.htm


مظاهر ثقافة أبي حيَّان الأندلسي في ضوء كتابه التذييل والتكميل ـــ د.وليد محمد السراقبي(*)

مقدمة:

أبو حيان، أثير الدين محمد بن يوسف بن علي بن حيَّان الغرناطي الجيَّاني، ولد سنة أربع وخمسين وستمئة للهجرة، وتلقَّى في مسقط رأسه العلم على يد جلَّةٍ من علماء زمانه. ثم ترك بلاده وضرب في الآفاق بلاد المغرب والشمال الإفريقي، والتقى ـ ثمَّة ـ كثيراً من العلماء وأخذ عنهم في شتى العلوم، ثم توجَّه إلى مصر وألقى فيها عصا الترحال، وأخذ عن أكابر علمائها وتوفي فيها سنة خمس وأربعين وسبعمئة للهجرة بعد أن كفَّ بصره.

وهذه الحياة المديدة التي عاشها أبو حيان، وهذه الكثرة الكاثرة من العلماء الذين أخذ عنهم، تدلاّن أشدَّ الدلالة على عمق ثقافة أبي حيَّان، ورسوخ قدمه، وتمثله مختلف الجوانب المعرفية التي كانت تشكل المشهد الثقافي آنذاك.

وقد تمثَّل ذلك في الآثار التي خلَّفها أبو حيان في التفسير والنحو، ككتابه (البحر المحيط)، وموسوعته النحوية الضخمة (التذييل والتكميل في شرح كتاب التسهيل). وهذا الأخير هو الذي سيكون موضوع وقفتنا في هذه الصفحات بغية استجلاء مظاهر ثقافة أبي حيان المتنوعة، ومنها:

أـ الثقافة القرآنية:

وهذه الثقافة بارزة لأدنى نظر، فالكتاب يتّسم بغزارة بينة بآيات القرآن الكريم، وهي ذات دلالة واضحة على رسوخ قدم أبي حيان في هذا الجانب، كيف لا وهو الذي سبق له أنْ وضع تفسيراً للقرآن ضخماً؟ لقد كان القرآن الكريم شديدَ المثول في ذهن أبي حيان، عظيم التمكن منه، يسيرَ الاستحضار لدى الحاجة إلى الاستشهاد والتمثيل، فإن أراد تفسير القاعدة أو شرحها برز الشاهد القرآني بيسر متناهٍ. ومما هو شديد الاتصال بهذا الجانب من ثقافة أبي حيان هذه الإحاطة التامة بالقراءات القرآنية، فتلك قراءة ورش، وهذه قراءة أبي الحسن، وثالثة قرأ بها أبو عمرو،… فمن ذلك مناقشته اللغات في فاء (مَرْء) فقد قال: (في فاءِ مَرْءٍ لغاً ثلاث: إحداها الفتح على كل حال، وبها جاء القرآن، قال تعالى: )يحول بين المرْءِ وقلبه( [الأنفال 8: 24]… وقرأ الحسن بكسر الميم، يعني في قوله: (بين المَرْءِ وقلبه)، وقرأ ابن أبي إسحاق: (بينَ المُرءِ) بضمّ الميم…)([2]).

وأورد في مسألة إتباع الأول للثاني قراءة من قرأ )الحمدِ الله( [الفاتحة 1: 2] بكسر الدال، ومنهم زيد بن علي، وقراءة مَن قرأ )للملائكةُ اسْجدوا( [البقرة 2: 34] بضمّ التاء، أتبع في الأولى الدال للام، وفي الثانية التاء لضمة الجيم وتكون ـ يعني حركة الإعراب ـ للنقل نحو قراءة ورش: (ألمْ تعلمَ أنَّ) بفتح الميم، نقل حركة الهمزة إلى الميم، وحذفت الهمزة)([3]).

ومثّل لندرة حذف نون الوقاية في الرفع نظماً بجملة من أبيات الشعر، وأردف ذلك بمثال من القرآن فقال: (ومثال ذلك نثراً قراءة أبي عمرو في رواية مَن روى ذلك عنه: )قالوا: سَاحِرَان تظَّاهَران( [القصص 28: 48].

وتتجلى مظاهر هذه الثقافة أيضاً في نقد أبي حيان لابن مالك في بعض استشهاداته بقراءات قرآنية، يرفض أبو حيان توجيه ابن مالك لها، من ذلك أنَّ ابن مالك قد ذكر في تقدير جزم الياء في السّعة، ومثّل لذلك بقراءة “قُنْبُل”: )إنَّه من يتَّقي الله ويصبرْ( [يوسف 12: 90] بإثبات الياء في “يتقي”. وقد ردّ أبو حيان ذلك الاستشهاد بقوله: “ولا دليل في هذه القراءة على إثبات هذا الحكم بتقدير الجزم في الياء، لأنه لا يتعيّن “يتّقي” هنا أن يكون مجزوماً لعطف “ويصبر” المجزوم عليه، لأنه يحتمل أن تكونَ “مَن” على التوهّم لا على المجزوم في اللفظ… وممَّا جاء من جزم خبرِ الموصول على توهّم أنه اسم شرط قول الشاعر:

كذاكَ الَّذي يبغي على الناسِ ظالماً



تُصبْهُ على رَغمٍ قوارعُ ما صنع([4])




والأمثلة على ذلك كثيرة، وكلها تدلّ على سعة معرفة أبي حيان وتمثّله آيات القرآن الكريم حفظاً واستحضاراً وتوجيه قراءات.

ب ـ آثار الثقافة الحديثية:

كان لأبي حيان موقف من الاحتجاج بالحديث النبوي الشريف، وهو موقف الرافض لذلك؛ وحجّته أنَّ المرويَّ إنَّما رُوِىَ بالمعنى، وليس هو لفظ حديث النبي (ص) نفسه وكان أبو حيان إلى جانب ذلك أحد الآخذين على ابن مالك كثرة احتجاجه بالحديث النبوي الشريف، ومع ذلك خلا كتاب (التسهيل) من الحديث النبوي إلا ثلاثة مواضع منه. وجاء أبو حيان ليشرح الكتاب فزاد في الجزء الأول منه فحسب ثلاثة عشر ضعفاً عما ذكره ابن مالك، ولنا أن نقول إن هذا العدد قليل بالنسبة إلى حجم الكتاب الضخم.

وما احتجّ به أبو حيان من أحاديث لم تبنَ عليه قاعدة نحوية، وإنما كانت شواهد على اللغة أو استدلالاً على قاعدة، مما يسمح بالقول بضمور هذه الثقافة في الكتاب.

فمن ذلك الحديث الذي مثّل به ابن مالك وسماها لغة “يَتَعاقبون” وهي التي يسميها النحاة لغة “أكلوني البراغيث” فقد أبطل أبو حيان ما زعمه ابن مالك وقال: “لأن الحديث رواه مطوّلاً مجوّداً البزاز في مسنده، فقال فيه: إن لله ملائكة يتعاقبون فيكم، ملائكة بالليل…”.

ج ـ أثر الثقافة الفقهية:

عرف عن ابن مالك أخذُه أولاً بالمذهب المالكي، ثم انتقاله إلى المذهب الظاهري وتمسّكه به، حتى إنَّه كان يقول: “مُحالٌ أنْ يرجعَ عن الظاهرِ مَنْ علق بذهنه” وعند وفادته على مصر تمذهب للمذهب الشافعي، على أن ذلك لا يعني أن أبا حيّان معدود في الفقهاء أو دوّن اسمه في أسمائهم، أو تُرجمَ له بين تراجمهم، ولكن عُنيَ مترجموه بالنص على مذهبه الفقهي على نحو ما رأينا. إلا أنه لا مناص من الاعتراف بأن هذه الثقافة تكوِّن رافداً مهماً من روافد تكامل الشخصية النحوية آنذاك. وإذا كنّا نعدم أمثلة كثيرة على أثر هذه الثقافة الفقهية في “التذييل” فإننا لا ننكر أن يستطيع الدارس الوقوف على بعض ملامح من ذلك، فقد عرض مرة في تفسير الآية الكريمة: )فاقْطَعوا أيديَهما( [المائدة 5: 38] لرأي فقهي في المسألة([5]).

وفي مبحث الضمير استشهد بالآية الكريمة )فإنَّه رجْسٌ( [الأنعام 6: 145]، وعرض لرأي ابن حزم الظاهري في مسألة تحريم لحم الخنزير وشحمه باعتبار عود الضمير إلى ما تقدم ذكره. إلا أن أثر الثقافة الظاهرية إنما يظهر أكثر ما يظهر في استخدامه منهج “ظاهرية النص” في تحرير قواعده، فكثر في الكتاب قوله: “وظاهر قول سيبويه” أو “وهذا ظاهر النص” مما يدل دلالة عميقة على تمكّن هذا المذهب من نفسه تمكّناً واضحاً، لم يستطع منه فكاكاً على ما سبق وقرر هو نفسه وقد صرّح بذلك أيضاً في “التذييل” فقال: “إذا ورد شيء من هذه المسائل وقفنا فيه مع الظاهر”([6]). ولعل المسألتين الفقهيتين اللتين عرضنا لهما تدلان دلالة واضحة على ما وقر في نفوس علمائنا من الارتباط بين علم النحو وبين الفقه، وحاجة كل من الفقيه إلى النحوي احتياجاً ظاهراً لا فكاك منه.

2ـ أثر الثقافة اللغوية:

عمد أبو حيان إلى تفسير كثير من الأبيات الشعرية التي استظهر بها على قواعده النحوية المقررة، أو على الرد بشاهده الشعري على قاعدة مقرّرة، أو تفسير كثير من الأبنية التي حفل بها كتابه، وإن نصَّه على مصادره اللغوية الكثيرة من جهة، والنص على المشهور من اللغات وترتيبها من حيث الفصاحة في مراتب، أو الاستدلال على الدلالة اللغوية بالاشتقاق ذو دلالة جد كبيرة على علوّ كعبه في هذا الجانب؛ فقد دلّل على أنّ من لغات “أَبٍ” و”أَخٍ” التشديد في الباء، ونقل ذلك عن الأزهري، ثم عضد ذلك بالاشتقاق اللغوي الذي يشهد لتضعيف الباء، وهو قولهم: استأبَبْت فلاناً، بباءَيْن، أي: اتخذته أباً([7]).

وقد يبدأ بتفسير بعض الألفاظ مبتدئاً بالدلالات الأكثر شهرة، ثم يعرّج على الأقل شهرة، فبعد أن عرض لرأي البصريين ورأي الفراء من الكوفيين في وزن “حَمٍ” قال: “الحمُ: أبو زوج المرأة وغيره من أقاربه، هذا هو المشهور، وقد يطلق على أقارب الزوجة”([8]).

ومن ذلك أيضاً ترتيب لغات “حم” وفق علو جودتها، فقال: “وترتيب لغات حمٍ في الجودة. مصاحبة الحروف، فالإتمام على فَعْل بالواو، فالقَصر، فالنقص، فالإتمام على “فَعْل” بالهمز، فعلى “فَعَل” بالهمز”([9]). وربَّما عكس الأمر فبدأ بالنص على الأضعف، فقد قرّر في مناقشة “ابنُمٍ” أنَّ الأصل “ابن” وزيدت فيه الميم، ثم ذكر فيه لغتين، الأولى بفتح النون، وهي القليلة، والثانية: إتباع حركة النون لحركة الإعراب في الميم. ثم نصَّ على أنَّ العرب لم تعطِ الفرعَ “ابنماً” أحكام الأصل كلّها، فأعطته حكم التثنية فقط ولم تجمعه على “ابنمون” مع أنها قد جمعت “ابن” على “بنون” ولم يسمع تأنيث “ابنُم” وإن كان المسموع تأنيث “ابنة”([10]).

3ـ أثر الثقافة الأدبية التاريخية:

ويتجلّى أثر هذه الثقافة في جملة من المظاهر لعلّ أهمها ذلك الكم الهائل من الشواهد الشعرية التي يستحضرها عاضداً بها ما يقرر من قواعد أو ناقضاً لها. ويتجلّى ذلك أيضاً في ومضات من تعليقاته على هذا الشاهد الشعري أو ذاك، أو في سوقه بعض الأخبار التي تدخل في صميم التأريخ الأدبي، فمن ذلك روايته قصة امرئ القيس مع التوأم اليشكري عند طلب الأول من الأخير أن يملّط له أنصاف الأبيات التي سيقولها، فاستجاب التوأم لذلك، فأخذ امرؤ القيس ينشئ نصف بيت فيتّمه التوأم اليشكري([11]).

ومن ذلك أيضاً خبر جرير والفرزدق وقد جلسا في مجلس أحد الملوك يستمعان إلى عدي بن الرقاع العاملي فلمَّا تشاغل الملك عن عدي سكت هذا الأخير، فسأل الفرزدق جريراً: ما تراه يقول عدي؟ فقال جرير:



قلمٌ أصابَ من الدَّواة مدادَها




وهو عجز بيت قاله عدي وصدره:

تُزْجي أَغَنّ كأنَّ إبْرة رَوْقِه






فعجب الفرزدق من إتمام جرير البيت على إنشاد عدي له([12]).

ومن ذلك أيضاً سوقه خبر زهير بن أبي سلمى مع ابنه كعب عندما استخبره زهير: هل تجيد الشعر؟ فأخذ زهير يقول بيتاً ويُجيزه كعب حتى نظماً أبياتاً([13]).

ومن ذلك ما استشهد به في مبحث “التغليب” من قول الخوارج: “سُنّوا بنا سنّة العمرين([14])، وتفسيره “الزهدمان” قول الشاعر:

جزاني الزهْدمانِ جزاءَ سَوْءٍ



وكنتُ المرءَ أوْلى بالكرامه([15])




والزَّهْدَمَان: زهدم وكَردم ابني قيس”.

ومن ذلك ما ساقه في تفسير “يُستَباء” من قول الشاعر:

فلم أرَ معْشراً أَسَروا هديّاً



ولم أرَ جارَ بيتٍ يُستباءُ([16])




فقال: “… وقيل: معنى يُستباء من البواء، وهو القَود، وكان هذا الرجل قد أتاهم وقامرهم مراراً، فردّوا عليه ماله، ثم قامرهم، فلم يردوه، فقامر على امرأته فغُلب فأخذت امرأته”([17]).

ولعلّ إكثار أبي حيان من شواهده الشعرية التي زادت على “860” بيتاً في الجزء الأول فحسب، وجه نيّر لهذه الثقافة الأدبية التاريخية لأبي حيان، ذلك أنه قد وقر في ذهن أبي حيان أن معرفة قواعد العرب اللغوية وأصولهم النحوية لا تُجدي نفعاً في الوقوف الدقيق على معاني القرآن الكريم وجمالها وروعتها ما لم يطلع المفسّر على نهج العرب في كلامهم وسمتهم في التعبير عميقَ الإطلاع، فلا يكفي فيه مجرد الإلمام من كل علم بطرف، بل لا بد من التطبع والاستكثار من ذلك، ذلك أنَّ النحو وحده ليس بكافٍ في علم الفصيح”([18]).

ولعلّ من مظاهر هذا الإطلاع المتعمّق نصّه في بعض المواضع على رواية البيت على هذا النحو أو ذاك إشارة منه إلى وجود رواية أخرى، على نحو ما فعل في معرض حديثه عن الإخبار بالجملة على رأي بعض النحويين، فأورد قول طرفة بن العبد([19]):

ألا أيّهذا الزاجري أحضرُ الوغَى

وقال في رواية مَنْ رفع، أي مَنْ رفع الفعل المضارع “أحضرُ”: وليس بخاف أن للبيت روايةً ثانية وهي بنصب الفعل “أحضرَ” على إعمال “أنْ” الناصبة محذوفة.

4ـ أثر الثقافة المنطقيّة:

عُرِفَ عن أبي حيان مقته للفلسفة والمنطق([20])، وبعده عن الفلسفة والاعتزال، ذلك أن سوق الفلاسفة والمنطقيين كانت كاسدة في الأندلس آنذاك، فكان “إذا بيع كتاب في المنطق إنّما يباعُ خفية، وأنه لا يتجاسر أن ينطق بلفظ المنطق إنما كانوا يسمونه “المفْعِل”، حتى إنّ أحد أصحاب أبي حيان كتب إليه من الأندلس أن يشتري له أو يستنسخ كتاباً في المنطق، فلم يتجاسر أن ينطق بالمنطق وإنما سمّاه في كتابه إلى أبي حيان بالمفعِل.

إلا أن دارس الكتاب لا يمكنه أن يُعْرِض عن المظاهر المنطقية التي تشيع في جوانب كثيرة من الكتاب، بما يشهد على تأصُّل هذه الثقافة في ذهن أبي حيان، ثم انعكاسها على كتابه “التذييل” دقة وتفريعاً وتقسيماً، وأقيسة وحدوداً، وتعليلاً.

ولعل أهم مظاهر هذه الثقافة عنايته بالحد. وقد سبق أن عرفنا شدة اعتناء أبي حيان بالحدود وتحليلها، حتى إنَّ “التذييل” لتجد ما فيه من نحو منطقي في التحديد والتقسيم والتحليل، ومن عناية بالعلة وبحث في العامل([21]).

لقد كان أبو حيان شديد التعقب لابن مالك في حدوده، وكثير الاستدراك عليه فابتداءً من أوّل أبواب الكتاب يعترض أبو حيّان على ابن مالك لابتدائه الكتاب بـ “باب شرح الكلمة والكلام” وعدم التعرّض لحدّ الكلمة، “ذلك أنّ” الحدّ للشيء عسير الوجود، فعدل عن لفظ “حدٍّ” إلى لفظ “شرح” وكلاهما يشترك في كشف المحدود وبيانه”([22]).

ويبدو انسجام مفهوم “الحد” عند أبي حيان مع مفهوم الحد عند المنطقيين، ذلك أن المفهوم المنطقي للحد احتلّ مكان الصدارة في الحدّ النحوي، وتبنى النحاة عناصره من جنس وفصل ونوع وخاصَّة، وتركّز مفهوم الحدّ على أنه معرفة الماهيَّة. فالحدّ هو القول الدالّ على ماهيّة الشيء، وقيل: إنَّه قول على ما به الشيء هو هو، وذهبوا إلى أن الحد إنما يكون تاماً عندما يعرف الماهية بجميع أجزائها الداخلة، فإذا عرفت الماهية ببعض أجزائها فهذا حد ناقص”([23]).

ويبدو لنا من هذا تبنيّ أبي حيان جملة حدود للنحو، وكلها تصبّ في كشف المحدود وبيانه، فالنحو “صناعةٌ علميّة ينظر بها صاحبها في ألفاظ العرب من جهة ما يتألف بحسب استعمالهم ليعرف النسبة بين صيغة النظم وصورة المعنى، فيتوصل بإحداها إلى الأخرى”([24]).

وتظهر عنايته بالحدود من خلال انتقاداته لحدود ابن مالك الناقصة حيناً، والمعتمدة على حدّ الشيء بأمور عارضة حيناً آخر، ذلك أنَّ الحدّ إنما يكون بالذاتيات لا بالعوارض، والحد إنما يبدأ بالجنس أوّلاً، ثمّ يؤتى بالفصل. ففي حدّ ابن مالك للكلمة ذكر أنها “لفظٌ” وكلمة “لفظ” إنَّما هي نجنس شامل للمحدود وغيره، وهكذا شأن الحدود تبدأ بالجنس أولاً، ولكن ابن مالك أخذ جنساً أبعد وترك جنساً أقرب، وهو القول، ذلك أنَّ اللفظ يطلق على المهمل والموضوع، فكان الأولى بابن مالك الابتداء بالجنس الأقرب تحرّياً للدقة في وضع حدوده.

وحدّ ابن مالك الاسم ـ كما سبق أن وقفنا عليه ـ بأنَّه “ما يُسنَد ما لمعناها إلى نفسها”، وهذا موضع نقد أبي حيان لابن مالك، ذلك أنَّ ابن مالك خرج بهذا الحدّ عن إجماع النحاة واتفاقهم، ذلك أنَّهم حدّوا الاسم بأمور ذاتية، فقال ابن الخشاب: “الاسم لفظ يدل على معنى في نفسه غير مقترن بزمن محصّل”([25]) وحدّه ابن مالك بصفة عارضة له، وهي الإسناد.

وكثيراً ما يشير أبو حيان إلى تنكّب ابن مالك الدقة في صياغة حدوده، والإتيان بالجنس للاحتراز ـ على عادة ابن عصفور في ذلك ـ والجنس لا يُورَدُ في الحدّ للاحتراز، إنما الجنس يشمل المحدود وغيره، والفصل هو الذي يؤتى به لتمييز المحدود من غيره”([26]).

ولعل من مظاهر هذه الثقافة المنطقية اتكاؤه على تعريفات المنطقيين، واستخدامه ألفاظهم، فمن ذلك تبيينه لمفهوم فعل الأمر عند أبي الوليد محمّد بن أبي القاسم بن رشد الحفيد في قوله: “وأمَّا الأمر والنهي فالنحويون يقولون فيه إنه فعل مستقبل نحو: اضربْ، اذهبْ، لا تضربْ… وليس هو في الحقيقة فعلاً، لأن الأمر إنما هو استدعاء فعل، والنهي استدعاء ترك فِعْل”([27]).

ومن ذلك استخدامه بعض ألفاظ المنطقيين، كقوله: “فبدأ بخاصَّة الصيغة التي تبدأ بها أولاً”([28]). والخاصّة في علم المنطق: “كُلْيَّةٌ مقولة على أفراده، وهي ما لا يوجد بدون الشيء والشيء قد يوجد بدونه”([29]).

ونقل أبو حيان عن ابن فارس أن الشيئين المختلفين قد يسميّان باسمين مختلفين، والأشياء الكثيرة بالاسم الواحد، والشيء الواحد بالأسماء المختلفة. وعلّق على ذلك بقوله: “وهذا الذي قاله هو المصطلح عليه في علم المنطق وغيره بالمتباين والمترادف والمشترك”([30]).

وقد أغفل أبو حيان تبيان هذه الحدود، وكأنه لمّا رأى وضوحها في ذهنه لم يرَ مدعاة للتفصيل في ذلك، أو لأنه ـ كما عرف عنه ـ كان راغباً عن المنطق والمنطقيين فلم يكن يريد إثقال الكتاب بمصطلحاتهم وتفسيرها. والمتباين ما كان لفظه ومعناه مُغايراً نحو: الفرس الإنسان. والمترادف: ما كان معناه واحداً وأسماؤه كثيرة، ومعنى الكثرة، ما يقابل الوحدة لا ما يُقابل القلة.

ومن مظاهر ثقافته المنطقية اعتناؤه بالتعليل، فالفعل ـ مثلاً ـ ينبغي أن يُقسم تبعاً للزمان، وهي القسمة الأولى، لأنّ بها يُميّز المبنيُّ من المعرب، والمبهم والخاص، ولعل ذلك لاعتقاده بمساوقة الأفعال للزمان، وأن الزمان من مقوماتها، توجد بوجوده وتنعدم بانعدامه. وقد أخذ على المصنف اعتماده تصنيف سيبويه للأفعال، وابتداءه بالماضي، ثم الأمر، ثم المضارع.

والأصل أن ترتب ترتيباً وجودياً بحسب دورة الزمان من المستقبل مروراً بالحاضر، وانتهاءً بالماضي، ذلك أن الفعل “يكون معدوماً غير مسبوقٍ بوجود، ثم يصير موجوداً، ثم يصير معدوماً مسبوقاً بوجود”([31]). هذا الترتيب منطبق تمام الانطباق على ما قاله به فلاسفة المسلمين كابن سينا الذي يعرِّف الزمان بأنَّه “مقدار الحركة من جهة التقدّم والتأخر”([32]) وكأنّ أبا حيان قد أخذ هذا الترتيب الوجودي من ابن يعيش الذي يقول: “فكانت الأفعال ماضياً وحاضراً ومستقبلاً، فالماضي: ما عُدِم بعد وجوده، فيقع الإخبار عنه في زمان بعد زمان وجوده، والمستقبل: ما لم يكن له وجود بعد، بل يكون زمان الإخبار عنه قبل زمان وجوده، والحاضر: هو الذي يصل إليه المستقبل ويسري منه الماضي فيكون زمان الإخبار عنه هو زمان وجوده”([33]).

ولسنا نريد الإطالة في فرش تعليلات أبي حيّان ـ رغم تنكبه عنها وقوله بعدم الحاجة إلى كثير منها ـ لأن ذلك سيكون له مكان يبسط فيه بما يفي بالعرض، إن شاء الله.

ثبت المصادر والمراجع:

ـ ابن يعيش النحوي أ. د عبد الإله نبهان، ط1، 1997، اتحاد الكتاب العرب، دمشق.

ـ أبو حيان النحوي: أ. د. خديجة الحديثي، ط1، 1966، مط دار التضامن، بغداد.

ـ أمالي الزجاجي: أبو القاسم الزجاجي (ت 337هـ)، تحقيق عبد السلام هارون (ت 1988م، 1382هـ) المؤسسة العربية، القاهرة.

ـ البحر المحيط: أبو حيان الأندلسي (ت 745هـ)، د. ت الرياض.

ـ تاريخ مدينة دمشق: ابن عساكر (ت 571)، تحقيق أ. سكينة الشهابي، مجمع اللغة العربية، دمشق، 1997.

ـ التذييل والتكميل: أبو حيان الأندلسي (ت 745)، مصورتي عن نسخة الأسكوريال.

ـ التعريفات: أبو الحسن علي بن محمد بن علي الجرجاني (ت 816هـ). طبعة بتحقيق د. عبد الرحمن عميرة ط1، 1987، عالم الكتب، بيروت. ونسخة أخرى ط. دار الشؤون الثقافية العامة، وزارة الثقافة والإعلام، بغداد.

ـ الحدود: ابن سينا (ت 428هـ) ضمن كتاب: (المصطلح الفلسفي عند العرب) تحقيق د. عبد الأمير الأعسم، بغداد، مكتبة الفكر العربي.

ـ الحدود: الغزالي (ت 505هـ) ضمن كتاب المصطلح الفلسفي عند العرب) تحقيق د. عبد الأمير الأعسم، بغداد، مكتبة الفكر العربي.

ـ ديوان زهير بن أبي سلمى: صنعة ثعلب، تح. أ. د. فخر الدين قباوة، 1970، المكتبة العربية، حلب.

ـ ديوان زهير بن أبي سلمى: صنعة الأعلم الشنتمري، حققه أ. د. فخر الدين قباوة، دار الآفاق الجديدة، بيروت.

ـ ديوان طرفة بن العبد، تحقيق درية الخطيب ولطفي الصقّال، مجمع اللغة العربية، دمشق.

ـ شرح التسهيل: ابن مالك الطائي (ت 676هـ)، تحقيق د. عبد الرحمن السيد ومحمد بدوي المختون، دار هجر للطباعة، القاهرة.

ـ العمدة: ابن رشيق (ت 456هـ) تحقيق د. محمد قرقزان، ط2، مطبعة الكاتب العربي، 1994، دمشق.

ـ الكامل: المبرد (ت 285هـ)، تحقيق أ. د. محمد أحمد الدالي، 1986، مؤسسة الرسالة، بيروت.

ـ لسان العرب: ابن منظور (ت 711هـ)، دار المعارف، القاهرة.

ـ مجاز القرآن: أبو عبيدة معمر بن المثنى (ت 210هـ)، مؤسسة الرسالة، 1981، طبعة مصوَّرة.

ـ المرتجل: ابن الخشاب (ت 567هـ)، تحقيق علي حيدر، دمشق، 1972م.

ـ المستوفي: علي بن مسعود الفَرْخان (ت 548هـ)، حققه د. محمد بدوي المختون، ط1، 1987، دار الثقافة العربية، القاهرة.

ـ النحو العربي: العلة النحوية، أ. د. مازن المبارك، طبعة مصورة



——————————————————————————–

* جامعة محمد بن سعود ـ الرياض.

([2]) التذييل 52/ ب.

([3]) التذييل 58/ ب.

([4]) التذييل 65/ أ، والبيت لسابق البَرْبري، وهو في: أمالي الزجاجي: 185، وشرح التسهيل 4: 83.

([5]) 117/ ب.

([6]) 34/ ب.

([7]) 49/ أ.

([8]) 49/ ب.

([9]) 51/ أ.

([10]) 12/ أ. والخبر في العمدة: 368.

([11]) 12/أ. والخبر في تاريخ مدينة دمشق 47/ 133.

([12]) 12/ ب.

([13]) 12/ ب.

([14]) 67/ ب. وانظر الكامل: 187، ومجاز القرآن 2: 173.

([15]) البيت لقيس بن زهير، وهو في النقائض: 425، ومجاز القرآن 2: 173، اللسان “زهدم”.

([16]) البيت لزهير في ديوانه: 79، والخبر فيه بصنعة ثعلب: 80، وصنعة الأعلم: 142.

([17]) التذييل 102/ أ.

([18]) أبو حيان النحوي: 68، نقلاً عن النهر الماد 2: 409.

([19]) البيت لطرفة في ديوانه: 31.

([20]) أبو حيان النحوي: 78، والبحر 5: 150.

([21]) النحو العربي: 141.

([22]) التذييل: 3/ أ.

([23]) ابن يعيش النحوي: 233، نقلاً عن: مقاليد العلوم في الحدود والرسوم: ق3.

([24]) المستوفي 1: 11، والتذييل 4/ آ.

([25]) المرتجل: 7.

([26]) التذييل 136/ أ، وانظر التذييل 3/ ب.

([27]) التذييل 25/ أ.

([28]) التذييل 21/ أ.

([29]) التعريفات: 129.

([30])

([31]) التذييل 20/ أ.

([32]) الحدود (لابن سينا): 253.

([33]) شرح المفصل 7: 45، وقارن بالتذييل 25/ أ.

موقف ابن حزم من الطمع والعجب والمرأة ـــ د.مصطفى العلواني

بسم الله الرحمن الرحيم

http://www.awu-dam.org/esbou1000/1047/isb1047-034.htm


موقف ابن حزم من الطمع والعجب والمرأة ـــ د.مصطفى العلواني

تتناثر نظرات ابن حزم (على ابن أحمد 994-1067م)، فقيه وشاعر وفيلسوف ومؤرخ ومتكلم أندلسي) الاجتماعية الثاقبة في مؤلفاته العديدة، لذلك لم تكن منسقة في مؤلف واحد، على عكس ما نجده عند ابن خلدون، ورغم عمق نظراته الاجتماعية فإنها لم تساعده في وضع أسس علمية شاملة لعلم مستقل، ولكنه أسهم هو والفارابي والطرشوشي وإخوان الصفا وغيرهم في وضع أرضية علمية لقيام علم اجتماعي جديد على يد ابن خلدون وهو علم العمران.‏

ومن أهم هذه النظرات ما نشاهده في كتابته عن غاية النشاط الإنساني الذي يتمحور عنده حول هدف واحد هو طرد الهم وهو عنده غرض يستوي جميع الناس في طلبه واستحسانه. والطمع عنده شر مستطير يحرك الإنسان وهو وراء كل حزن وهم وغم يكابده الإنسان، وظاهرة الطمع عنده تتعلق في علاقة الإنسان مع الآخرين وهي ظاهرة تقوم على النفع المصلحي الذي يمكن أن يعود عليه سلباً أو إيجاباً.‏

كما يركز ابن حزم على ظاهرتين اجتماعيتين خطيرتين على الفرد نفسه وبالتالي على المجتمع الذي تتم ضمنه العلاقات الاجتماعية المتشابكة التي تربط أفراد المجتمع بعضهم ببعض وهاتان الظاهرتان هما العجب والكذب. والعجب عند ابن حزم هو الغرور القاتل عند الإنسان لشدة إعجابه بنفسه وتعاليه على الناس وفوقيته في تعامله مع الآخرين. وهذا العجب ممقوت عند ابن حزم بغض النظر عن مصدر ذلك الغرور سواء كان فضلاً أو شجاعة أو وجاهة أو مالاً أو حسباً أو نسباً. فكل ذلك كما يقول ابن حزم يدل على نقص وهو مرض يحتاج إلى علاج وهذا المرض يتفرع عنه التيه والزهو والكبر والتعالي. أما الكذب فهو أفدح شراً وأسوأ عاقبة فهو عنده المرض العضال الذي يصعب على صاحبه البرء منه كالتدخين وتعاطي المخدر، وهو عنده أصل كل فاحشة وجامع كل سوء وجالب لمقت الله عز وجل وهل الكفر إلا كذب على الله عز وجل.‏

أما المرأة فقد احتلت عند ابن حزم مكانة كبيرة وأخذت حيزاً كبيراً من دراساته الاجتماعية والفقهية فازدانت بها فتاويه كما هو في كتابه المحلى والأحكام وطوق الحمامة، فقد أنصف المرأة ووضح موقف الشرع منها فناقش أقوال الفقهاء وأورد الأحاديث والآيات القرآنية واستنبط منها ما يعزز دورها وينزهها ويبين حقوقها وواجباتها وتكريم الإسلام لها. فقد ساواها بالرجل مساواة تامة بالحقوق الإنسانية وذلك انطلاقاً من قوله تعالى: (الرجال قوامون على النساء) حيث يرى أن قوامة الرجال على النساء لا علاقة لها بالحقوق والطبيعة الإنسانية أو القدرة على تدبير الأمور وتصريفها، وكما ورد في المحلى أن قوامة الرجل على المرأة في أنه قائم عليها يسكنها حيث يسكن ويمنعها من الخروج لغير الواجب ويرحلها حيث يرحل. ومساواة المرأة مع الرجل تكون في حدود تخصها (فالجهاد ندب عند المرأة لا نهي، وجهادها الحج والتفقه في الدين والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) (الجباوي) وقد روى عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه ولى الشصاء –امرأة من قومه-السوق، وقد أجاز المالكية أن تكون وصية ووكيلة، ولم يرد نص في أن لا تلي بعض الأمور، وأجاز ابن حزم على الإطلاق أن تولى القضاء، فالمرأة راعية ومسؤولة عن رعيتها كما ورد في الحديث الشريف.‏

وأزال كثيراً من اللبس والغموض حول تفسير بعض الأحاديث في كتابه المحلى فبين مقاصدها وأبعادها الصحيحة ففي حديث تنكح المرأة لأربع لمالها وجمالها وحسبها ودينها فاظفر بذات الدين تربت يداك… قال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما يورد بذلك أخباراً عن فعل الناس ولكنه حض على الزواج من ذات الدين، ويدعم رأيه بحديث آخر في هذا المجال فقال عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (لا تنكحوا النساء لحسنهن فلعل حسنهن يرديهن ولا تنكحوهن لأموالهن فلعل أموالهن يطغيهن وانكحوهن للدين ولأمة سوداء خرماء ذات دين أفضل –الخرماء مشقوقة الأذن).‏

كما حرم ابن حزم على الزوج أن يأخذ من مال زوجته شيئاً إلا ماطابت به نفسها، علماً بأن النفقة والكسوة على الزوج لذات الزوج وعلى الأهل لمن ليس لها زوج إذا احتلجت. ولكن عليها واجبات فعليها أن لا تخالف الزوج في نفسها وماله بما يكره وقد سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن خير النساء قال التي تطيع إذا أمر (بما يرضي الله ورسوله) وتسر إذا نظر وتحفظه بنفسها وماله. ولا يجوز لها أن تتصدق من ماله إلا بإذنه فإن فعلت كان له الأجر وكان عليها الوزر.‏

ولم يظلم ابن حزم المرأة أو يحملها المسؤولية الاجتماعية عند الخطأ وحدها، بل يحدد معنى الصلاح لدى المرأة والرجل على حد سواء فيقول في كتاب طوق الحمامة (ولست أبعد أن يكون الصلاح في الرجال والنساء موجوداً وأعوذ بالله أن أظن غير هذا… والصحيح أن الصالحة من النساء هي التي إذا ضبطت انضبطت وإذا قطعت عنها الذرائع أمسكت… والفاسدة هي التي تسهل الفواحش وتتحايل أن تصل إليها بضروب من الحيل… والصالحان من الرجال والنساء كالنار الكامنة في الرماد لا تحرق من جاورها إلا بأن تحرك والفاسقان كالنار المشتعلة تحرق كل شيء)، ويؤكد على أن الجنوح في الرجال والنساء سواء. وقد ارتفع بالمرأة عن مستوى الشهوة التي تسمو عما شاع بين النساء من أن المرأة ليس فيها من جوانب الحياة إلا المتعة فيظهر في جميع مؤلفاته أن المرأة متعلمة شاعرة مثقفة وعفيفة لا تطمع فيها الأبصار، وفية وذات خلال عالية تستحق أن يبكيها الرجل، بل أن يموت أسفاً عليها إذا فارقها حية أو ميتة.‏

ويقول الجباوي ورغم إنصاف ابن حزم للمرأة ومساواتها بالرجل بكثير من الأمور وولاها كافة مستويات المسؤولية باستثناء مسؤولية رئاسة البلاد فإنه لم يحسن الظن بها لما مر تحت عينيه من تجارب وأحداث لم يستطع لها تعليلاً ولاردها لأسبابها المنطقية.‏

المراجع:‏

1-ابن حزم –المحلى.‏

2-ابن حزم-طوق الحمامة.‏

3-الجباوي- في التراث العربي-اتحاد الكتاب العرب-دمشق-1996.‏

كسب رهانين وإنصاف مظلومين للشيخ أبو عبد الله طارق بن عبد الرحمن الحمودي

بسم الله الرحمن الرحيم

هذا مقال للشيخ طارق الحمودي عفا الله عنه وجدته في موقع خرافة يرد فيه على بعض أهل البدع :
وهذا هو الرابط :http://www.khorafa.org/khorafa/ma9al…splay.php?m=10
كسب رهانين وإنصاف مظلومين
أبو عبد الله طارق بن عبد الرحمن الحمودي
بسم الله الرحمن الرحيم
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له واشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له واشهد أن محمدا عبده ورسوله أما بعد :
فقد طالعنا موقع جماعة العدل والإحسان بمقال لأخ اسمه هشام هدانا الله وإياه يرد فيه على ما ورد في قرص (العدل والإحسان من الخرافة إلى الخلافة) منتقدا مكذبا، انتصارا لشيخه عبد السلام ياسين ومحاولة للنيل من مكانة شيخنا أبي أويس محمد بوخبزة حفظه الله تعال وأصحابه برميهم بالكذب.وابتدأ رسالته بأبيات لا أدري أهي له أم لغيره ونصها:
بِكَ اسْتَعَنْتُ إِلهِي عَاجِزاً فَأَعِـنْ أَبْغـِي رِضَاكَ فَـأَسْعِفْنِي بِأَطْيَبِهِ
فَإِنْ تُعِنْ ثَعْلَباً يَسْطُو عَلَى أَسَـدٍ أَوْ تَخْـذِلِ اللَّيْثَ لاَ يَـقْوَى لِثَعْلَبِهِ
وَإِنَّنِي عَالِمٌ ضَعْفِي ولاَ عَمَــلٌ عِـنْدِي يُفِيـدُ ولاَ عِلْمَ أُصُولٍ بِهِ
وَرَأْسُ مَالِي جَاهُ المُصْطَفَى فَبِهِ أَدْعُـوكَ رَبِّي أَيِّدْنِـي لَـهُ وَبِـهِ
فنقضتها بقولي :
بك استعنت إلهي عاجزا فأعن أبغي رضاك فأسعفني بأطيبــه
فلا تعن ثعلبا يبغي على أسد بل انصر الليث كي يسطو بثعلبه
وإنني عالم ضعفي ولا عمل عندي يفيد سوى ما قد تجود به
ورأس ماليَ حب المصطفى فبه أدعوك ربي أيدني له وبـــه
كسب الرهان الأول
إن اللافت للنظر حقا أن هشاما لم ينتبه إلى أنه كان الأولى به أن يشتغل بالرد على أصل المبحث لا على مكملاته، وهذا ما جعلني أشك في نيته والله أعلم.فنفيه كون الإمام ذي النون والجنيد والسري ادعوا رؤية النبي صلى الله عليه وسلم يقظة يخدم مذهب مخالفه لا مذهبه، وهذا إنصاف أو غفلة.
وقد أفسد المقال بسوء أدبه مع الشيخ إذ رماه بالكذب غير معتذر عنه،لمجرد خطأ في نسبة قول إلى قائله كما زعم،ولا يعصم من هذا إلا نبي، ويلزمه بهذا أن يرمي شيخه عبد السلام ياسين حينما نسب إلى شيخ الإسلام أنه ادعى أنه ينظر في اللوح المحفوظ.فقال : (وابن تيمية يقرأ في اللوح المحفوظ وينبئ بعلم المستقبل …كيف …لوح محفوظ وعلم غيب وابن تيمية إي نعم لا أذكر لك ـ يخاطب الأخوات ـ الصفحة والجزء لكي تقرئي كتاب مدارج السالكين لتلميذ ابن تيمية الذكي الزكي الذي قص كيف راجع شيخه حين أخبره أن المسلمين ينتصرون في معركة مع التتار وأخبره شيخه أنه رأى ذلك في اللوح المحفوظ …)(تنوير المؤمنات) (1/290))
والذي في مدارج السالكين : (شاهدت من فراسة شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أمورا عجيبة وما لم أشاهده منها أعظم وأعظم ووقائع فراسته تستدعي سفرا ضخما أخبر أصحابه بدخول التتار الشام سنة تسع وتسعين وستمائة وأن جيوش المسلمين تكسر وأن دمشق لا يكون بها قتل عام ولا سبي عام وأن كلب الجيش وحدته في الأموال وهذا قبل أن يهم التتار بالحركة ثم أخبر الناس والأمراء سنة اثنتين وسبعمائة لما تحرك التتار وقصدوا الشام أن الدائرة والهزيمة عليهم وأن الظفر والنصر للمسلمين وأقسم على ذلك أكثر من سبعين يمينا فيقال له قل إن شاء الله فيقول إن شاء الله تحقيقا لا تعليقا وسمعته يقول ذلك قال : فلما أكثروا علي قلت: لا تكثروا كتب الله تعالى في اللوح المحفوظ أنهم مهزومون في هذه الكرة وأن النصر لجيوش الإسلام} قال : (وأطعمت بعض الأمراء والعسكر حلاوة النصر قبل خروجهم إلى لقاء العدو) قال ابن القيم : (وكانت فراسته الجزئية في خلال هاتين الواقعتين مثل المطر)
فانتبه أخي إلى قوله : (كتب الله في اللوح) فقد حرفها عبد السلام ياسين وهما أو قصدا وجعلها ( رأى ذلك في اللوح المحفوظ ) والفرق واضح فاضح بين (رأى) و(كتب) ولا تلازم بينهما فليس كل علم بالكتابة سببه رؤيتها.فإثبات الأعم لا يستلزم إثبات الأخص،وعلى كلامه أيضا مؤاخذتان، أولها أنك لن تجد في كلام ابن القيم أنه هو الذي راجعه بل كان ذلك من الأمراء والناس، بخلاف الذي ذكره ياسين وهو يعلم أن مدارج السالكين متداول بين الناس سهل التناول ! والثانية أنه زعم أن كلام ابن تيمية كان موجها إلى ابن القيم والذي في المدارج أنه خاطب الجميع وحكى ذلك عنه تلميذه ابن القيم.
فإن كان شيخنا بوخبزة كاذبا بسبب مثل هذا الوهم كما قال فيلزمه أيضا أن يقهر نفسه ويقول : (كذب شيخي عبد السلام ياسين) وإن كان ما فعله شيخه خطأ ووهما، فيلزمه أن يقول ذلك في شيخنا محمد بوخبزة منصفا فهو أولى أن يعتذر له، فإن الشيخ كان بعيدا عن مراجعة المصادر،والشيخ تكلم من حفظه والوهم في مثل هذه الصورة وارد، أما شيخ هشام فقد وقع منه ذلك ومصادره بين يديه في الغالب، يكتب ويصحح، ويراجع ما كتب ويبدل، ويغير وينمق ويزوق. فما قول هشام؟!يحتاج منه الالتزام بأحد الإلزامين شجاعة كبيرة جدا.
ـ وقد كان الأخ هشام من الإنصاف قاب قوسين أو أدنى فإنه قال : ( قد يقال: فيكون الرجل معذورا وغاية الأمر أنه اختلط عليه رجل برجل).
ثم قال : (فأقول: كلا، فإن سياق الرجل – أي بو خبزة- لا يشير البتة إلى أي اختلاط،فليس في ترجمة أبي يزيد أنه استدعاه الخليفة، وإنما من استدعي هو ذو النون، والاستدعاء ليس له علاقة برؤية النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقظة. على أن تلك الكلمة التي قالها الإمام الذهبي نفسها قالها في سياق غير مرتبط برؤية النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقظة، فتأمل !!).
قلتُ : قد تأملت فوجدت أنه كان الأولى أن تصدق في طلب العذر له، وما هكذا تطلب الأعذار يا هشام.وأنت تعرف في قرارة نفسك أن الشيخ علامة وفقيه، ومثله من يعتذر عنه.وقد ساءني منك كثيرا طريقة حديثك عنه وأنت خريج دار الحديث الحسنية، وقد خبرت صاحبك الأزرق فلست ألومك ولا أستغرب منك ومن إخوانك في الجماعة هذا النفس الملتهب في الحط من الشيخ. وبغضك له الذي يعمي ويصم، ولا يضره طعنك، وكان الأولى أن تستعمل عقلك في معرفة الحق.وتتحرر من سجن الولاء للشيخ والجماعة فقط.فليس الحق محصورا في جماعتكم، أليس كذلك يا هشام؟!
وعودا إلى بدء، ولي فيه مواقف مع أخينا هشام.
ـ قال: (نعم قد قال الإمام الذهبي رحمه الله نحو هذا الكلام ” الشأن في صحة ذلك عنه ” وقوله ” وعن أمثاله ” زادها بوخبزة من كيسه، ولكن ليس في ترجمة ذي النون وإنما في ترجمة أبي يزيد البسطامي رحمه الله.)
قلت : إذا كان كلما زاد راو كلمة أو كلمتين في رواية ما أو روايات ، أو نسب القول إلى غير قائله وهما منه اتهم بالكذب لاتهمنا بالكذب مئات الأئمة لأنههم زادوا في حديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم كلمة أو كلمتين أو نسبوه إلى غير راويه خطأ مع حفظهم وعدالتهم. فأين قواعد الجرح والتعديل يا هشام، ألم تدرس شيئا منها في دار الحديث أم تراك نسيتها.أو تناسيتها؟!أم أنك لم تدرسها ؟!وغاية ما يقال أن الرواية منكرة وضعيفة.ولعل الشيخ وقف على هذه الكلمة مرارا، من قول الذهبي فيه وفي أمثاله. كقوله في السير (12/213)في محمد بن منصور الطوسي الصوفي: (ولكن الشأن في ثبوت ذلك عنه).فروى بالمعنى
ـ أما ما زعمت أنه من أدلتكم الباردة ـ وقد صدقت حقا في هذا ـ على مشروعية التبرك بالصالحين وهو ما نقلته عن الذهبي من تبرك الناس بآثار النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقياسك الصالحين عليه فمدعاة استغراب، فأنت تعلم أنه لا يقاس على النبي صلى الله عليه وآله وسلم في مثل ما هو خاص به عليه الصلاة والسلام، أيجوز على طريقتك شرب بول الشيخ عبد السلام ياسين أو الادهان بما تنخمه، أو التطيب بعرقه قياسا على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ؟!! إن كان الجواب (نعم ) فبئس القوم أنتم، وإن كان لا فكفى بجوابك عليك حجة.
وكل هذا على فرض صحة ما نقله هشام عن الشيخ، وإلا………!!!
فإن الذي يحسن استماع كلمة الشيخ كلها باعتبار السباق والسياق واللحاق سيجد أن ما نسبه هشام للشيخ كذب،سوى شيء واحد أصاب في تخطئة الشيخ في حكايته، وسأذكره في محله، ولكي تكون الصورة واضحة أمام القارئ سأنقل كلام الشيخ كما هو من القرص مركزا على أهم الفقرات ونصه: في (13:22د) من القرص:
(بقيت هذه الدعاوي التي ظهرت في العصور المتأخرة، ولا سيما من الأدعياء من المتصوفة ومن الدجاجلة، من دعوى أنهم يرون النبي عليه الصلاة والسلام يقظة، هذه المسألة لا تعرف بتاتا في العصور التي شهد لها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ،وكانوا يقولون أشياء من هذا القبيل ونحن نعلم أنها غير مقبولة وأنها ردت عليهم وممن نقل عنه شيء من هذا ذو النون المصري مثلا والسري السقطي والجنيد وأمثال هؤلاء الناس يقولون شيئا من هذا وهذه كما قالوا،اعتذروا عنهم بأنها أحوال خاصة وتخيلات وأنها لم تكن رؤيا بصرية صحيحة وإنما كانت تخيلا وتوهما ورؤيا بالقلب كما يقولون، وأن (ذو النون المصري) هذا طلبه الخليفة في بغداد وعندما حضر عنده سأله وامتحنه، يقول الذهبي في ترجمته في السير بأن الخليفة لم يجد عنده ما يستنكر فرده إلى بلده وأكرمه، قال الذهبي في هذه المسألة في ترجمته : (والشأن في صحة ذلك عنه وعن أمثاله)، (والشأن في صحة ذلك عنه)،هذه كلمة ذهبية من رجل نقادة معروف،وأن من رجع إلى هذه المنامات والأخبار عن رؤية الله تعالى في المنام وعن رؤية النبي صلى الله عليه وآله وسلم في اليقظة فإنه في الغالب في أغلب الأحوال لا يجد لها سندا ولا تصح بحال).وهذا وقت الفضيحة يا هشام:
قلت يا هشام : (وعلى كلامه مماسك:
أولا: ادعاؤه بأن الإمام الجنيد وشيخه السري السقطي رحمهما الله ادعيا رؤية النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقظة دعوى تحتاج إلى إثبات ودليل، فهل بسط لنا الشيخ أين ادعيا ذلك، أو أحالنا على مصدره في هذا النقل، لا سيما وأن أصحاب الشريط في ديباجة شريطهم قد وعدوا أنهم سيوثقون أقوالهم، ولا يتكلمون إلا بدليل )
قلت : هذا كذب على الشيخ يا هشام، فالذي قاله الشيخ هو 🙁 وكانوا يقولون أشياء من هذا القبيل ونحن نعلم أنها غير مقبولة وأنها ردت عليهم وممن نقل عنه شيء من هذا ذو النون المصري مثلا والسري السقطي والجنيد وأمثال هؤلاء الناس يقولون شيئا من هذا) فالشيخ نسب إليهم أشياء من قبيل دعوى رؤية النبي صلى الله عليه وسلم يقظة كدعوى رؤية الله في المنام وأحوال وكشوفات وغير ذلك، لا دعوى رؤيته يقظة على وجه الخصوص. والأمر بين إن روعي تمام كلامه حفظه الله تعالى، فإنه قال بعد ذلك مبينا هذه الأشياء: (وأن من رجع إلى هذه المنامات والأخبار عن رؤية الله تعالى في المنام وعن رؤية النبي صلى الله عليه وسلم في اليقظة فإنه في الغالب في أغلب الأحيان لا يجد لها سندا ولا تصح بحال)
وقلتَ : (ثانيا: ادعاؤه بأنهم اعتذروا عنهم بأن ذلك صدر منهم في أحوال خاصة وأنهم عدوا أقوالهم أوهاما وتخيلات، لا أدري الإحالة على من ؟، ومن هؤلاء المعتذرون؟، وأين قالوا هذا الكلام ؟.
فهي كذلك دعوى تحتاج إلى إثبات).
قلت : أولا : لم يقل الشيخ إنها حصلت لهم في أحوال خاصة بل قال : هي أحوال خاصة والفرق واضح، ولكنك لا تعرف اصطلاحات التصوف.
ثانيا : الإحالة إلى الذهبي نفسه، وهذا في السير،فقد قال في ترجمة أبي يزيد البسطامي وهو داخل تحت قول الشيخ بوخبزة (وممن نقل عنه شيء من هذا ذو النون المصري مثلا والسري السقطي والجنيد وأمثال هؤلاء الناس يقولون شيئا من هذا) وقد نقلت أنت هذا والحمد لله.ولا أخفي استغرابي من هشام وصاحبه الأزرق وهما خريجا دار الحديث فهما يشتركان في نفس الخصال السيئة تقريبا، فقد جربت هذا على الأزرق في ردي عليه في (الرسالة الكاشفة) في نقض رسالتة في رؤية الله تعالى في المنام و(التحقيقات الفاضحة لحقيقة الدلائل الواضحة) ومن ذلك أنهما لا يحسنان ملاحظة ما يقرآن أو ينقلان.ولله في خلقه شؤون.
قلت 🙁 ثالثا: ادعاؤه بأن الإمام ذا النون المصري رحمه الله ادعى رؤية النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقظة من جنس الادعاء الأول، وادعاؤه أن الإمام الذهبي نقل عنه ذلك في ((سير أعلام النبلاء)) كذب على ذي النون وعلى الذهبي كما سيأتي)
والجواب بعون الملك الوهاب أن الشيخ لم يدع ذلك، وكلام الشيخ ليس به خفاء، فأين ادعى ذلك،إنما هي استنتاجات عقلك الحاقد الحريص على نبز الشيخ.التي تصل إلى درجة الكذب على خصومك فاتق الله.
قلتَ : (رابعا: ادعاؤه بأن الذهبي رحمه الله تعالى قال في سير أعلام النبلاء في ترجمة ذي النون المصري بأن الخليفة لما امتحنه لم يجد عنده ما يستنكر فرده إلى بلده وأكرمه، قال الذهبي بعد هذه المسألة في ترجمته: “والشأن في صحة ذلك عنه وعن أمثاله”.
قلت: وهذا الكلام كله هو كذب على الإمام الذهبي، فلا يوجد هذا الكلام البتة في سير أعلام النبلاء للذهبي في ترجمة ذي النون المصري.) ثم نقلت ترجمة ذي النون من السير.
والرد سهل جدا،فقد ذكر الذهبي في سير أعلام النبلاء نقلا عن السلمي قوله : (دعاه أمير مصر، وسأله عن اعتقاده، فتكلم، فرضي أمره.وطلبه المتوكل، فلما سمع كلامه، ولع به وأحبه.) وقد كان المتوكل طلبه للأمر نفسه فإنه ورد في السير أيضا : (وعن عمرو بن السرح قلت لذي النون: كيف خلصت من المتوكل وقد أمر بقتلك؟)ثم ذكر قصة لقياه المتوكل ورضاه عنه بعد سماع كلامه.وهذا عجيب والأعجب من هذا أن ما ذكرته نقله الأخ هشام وهو في ترجمة ذي النون،فليراجعه من أحب.فسبحان الله.
أقول لك الآن يا هشام : أليس قد دعاه الخليفة ورضي عنه؟!أليس هو في سير أعلام النبلاء يا هشام؟! أليس قولك (فلا يوجد هذا الكلام البتة في سير أعلام النبلاء للذهبي في ترجمة ذي النون المصري) هو عين الكذب يا هشام ؟! الجواب : بلى، وقد كذبت يا هشيم.
وبهذا تكون قد أفلتت يداك من كل المماسك.وطارت تهمك في الهواء.
ولا يفوتني كما تفعل أنت أن أشير إلى كذبة صغيرة على الشيخ أبى هشام إلا أن يبدأ بها تهمه وهي قوله في سياق الإنكار على الشيخ:(وأن الخليفة ببغداد استدعى ذا النون فلم يجد عنده شيئا مما يستنكر فأرجعه إلى بغداد) فالشيخ لم يقل إنه أرجعه إلى بغداد فإنه أرجعه إلى بلده وهي مصر يا هشام.وهذا كذب على الشيخ وجهل بترجمة ذي النون المصري.وأعتذر عن تتبعي لمثل هذه الدقائق فإنني أخذت هذه الطريقة من هشام، والجزاء من جنس العمل.
قلتَ يا هشام : (نعم قد قال الإمام الذهبي رحمه الله نحو هذا الكلام ” الشأن في صحة ذلك عنه ” وقوله ” وعن أمثاله ” زادها بوخبزة من كيسه، ولكن ليس في ترجمة ذي النون وإنما في ترجمة أبي يزيد البسطامي رحمه الله.)
قلت : أولا تنصف يا هشام، ألم يقل الشيخ بعد ذلك (الشأن في صحة ذلك عنه) مصححا عبارته، أنصحك بأن تعيد استماعك لكلام الشيخ من القرص وحاول أن تنسى حينها أنك من جماعة العدل والإحسان وأنصف فإن لم تقدر فتكلف الإنصاف.فإن الإنصاف خير كله.
وقلتَ : (والاستدعاء ليس له علاقة برؤية النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقظة. على أن تلك الكلمة التي قالها الإمام الذهبي نفسها قالها في سياق غير مرتبط برؤية النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقظة، فتأمل !!.)
قلت : صدقت : ليس للاستدعاء علاقة برؤية النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقظة وقول الذهبي (فالشأن…) قاله الذهبي في سياق غير مرتبط برؤية النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقظة، أحسنت يا هشام، ولكن ما علاقة الشيخ بوخبزة بهذا، أو تدعي أن الشيخ يقول 🙁 إن الخليفة استدعاه لأجل دعواه رؤية النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأن الذهبي قال ما قال في نفس السياق، هذا ما لا سبيل إلى إثباته إلا بالتكلف.والذي يسمع كلام الشيخ يجد أنه يتحدث عن ما ادعوه من قبيل رؤية النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقظة من رؤية الله في المنام وأحوال خاصة وكشوفات وأقوال قالوها ظاهرها الكفر أو البدعة ولم يخصص الشيخ رؤية النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالحديث حتى يلزم بها. قد نسيت يا هشام أن الشيخ بوخبزة علامة مؤرخ، وهنا أقول لك : أسأت يا هشام.
وأما قولك إن الذهبي لم يقل ذلك في ترجمته فنعم وقد أخطأ الشيخ.ولا يضر هذا، وليس هذا من الكذب يا هشام،وأنت تعرف هذا.وقد عرضت هذا على الشيخ فاستعظم أن ينسب بسبب هذا إلى الكذب.
وأقول أخيرا: كل ما كذَّبتُ فيه هشاما وقلت فيه : ( كذب) فقد قلته جريا على طريقته وإلا فإني أقول : لعل هشاما وهم في كل هذا، بسبب حقده على الشيخ، وغلوه في شيخه، وأنزه هشيما عن تعمد الكذب.وأنصح كل من حاول تتبع زلات الشيخ بالهوى والتشهي فإني له بالمرصاد والله الموفق.
كسب الرهان الثاني
وأما تكذيبك لأخينا الدكتور العلمي لوهم حصل له فدليل آخر على أن غرضك في هذه النظرات شخصي. وأن قصدك الانتقام لشيخك وجماعتك،وإلا فإنه كان الأولى أن لا تعذر صاحبك الذي نسب الحديث إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فإن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : (من حدث بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين) فلعل الدكتور العلمي وقع عينه على قطعة من حديث عبد الله بن كثير عن أبيه عن جده وهي 🙁 إنه من أحيا سنة من سنتي) فحسبه حديث علي بن زيد عن سعيد بن المسيب عن أنس بن مالك الذي ذكره أحد المشرفين على الموقع وكلاهما في سنن الترمذي بل إن أحدهما تلو الآخر في كتاب العلم (باب ما جاء في الأخذ بالسنة واجتناب البدع)، ولم ينبه الأخ هشام إلى هذا موهما القارئ أنه ليس في الترمذي ليهول الأمر.وهذا لا يليق بهشيم.فكان الأولى المناسب للدين والورع أن ينسبه للوهم ـ إن لم يقنعه وصفه بالخطأ ـ أما أن يبادر إلى رميه بالكذب فلؤم لا يوصف به كريم طبع.
يا هشام، إن كنت تريد شغل نفسك بالرد، فرد على أصول ما ورد في القرص من الإنكار عليكم دعواكم رؤية النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقظة والملائكة في صورهم في الطرقات وغير ذلك، هذا ما ننتظر ردكم فيه.فلا تشغل نفسك وتشغلنا معك ببحوث جانبية لا تنفع حجة أو بينة لما تدعون.والحمد لله الذي رد كيدكم إلى الوسوسة.
كتبه أبو عبد الله طارق بن عبد الرحمن الحمودي

كيف تصنع هامشاً أو حاشية لأبحاثك بشكل دائم بدل التكرار كل مرة

بسم الله الرحمن الرحيمبسم الله الرحمن الرحيم ..

أريد شرح طريقة عمل هامش أو حاشية سفلية للأبحاث في ملفات الوورد ..
وطبعاً الشرح بسيط لا أملك أدوات الشرح من صور وغيرها ..

وهذا هو الهامش : [ (1) ] الذي يكون في وسط النص ، وله نفس الرقم في أسفل الورقة ..

وفائدة الهامش : أن يسهل عليك عملك في الأبحاث ..
وكذلك يحسن من شكل البحث ..

* طريقة عمل الهامش بشكل دائم ..

هناك طريقة سهلة جداً لمن كان له حظ ..
لأنها لا تضبط مع كل أحد ..

وهناك طريقة فيها شيء من الصعوبة لكثيرة العمل ..
وهناك طريقة ثالثة هي طريقة ( الخاملات ) كما نقول ..
أي اللاتي يستسهلن الشيء وإن كان غير عملي أو غير مفيد في الآجل ..

فسأبدأ بالطريقة الثانية لأن الأولى معتمدة على جزء من الأولى ..

* الطريقة الثانية ..
1- افتح ملف ( وورد ) جديد ..
2- اذهب إلى القائمة في الأعلى واختر ( أدوات ) ..
3- اختر منها ( ماكرو ) ، فإن لم تظهر اضغظ على السهم الذي أسفل هذه القائمة لتفتح فيظهر لك جميع ما فيها ، ثم اختر ( ماكرو ) ..
4- إذا ضغطت على ( ماكرو ) ستظهر لك قائمة أخرى وفيها ( تسجيل ماكرو جديد) ، اختره ..
5- يظهر لك صندوق وفيه تعليمات ، لا تفعل شيء إلا الضغط على الصورة التي فيها لوحة المفاتيح ( الكيبورد ) وكتب عندها ( لوحة المفاتيح ) ..
6- يظهر لك صندوق لا تكتب فيه شيء إلا في خانة كتب فوقها ( اضغط مفتاح الاختصار الجديد ) هنا تكتب المفتاح الذي تريد متى ما ضغطت عليه خرج لك هامش في النص وفي الأسفل منسق بشكل جيد ، فأنا أكبس للهامس زر ( alt+z ) أي ألت ، وحرف الزد ، لأنه بقربي لأن جهازي محمول ، فاختر أي حرف مع ألت بما يناسبك ..
واختيار ألت بدل كنترول وغيرها لأن الغالب برنامج الوورد لا يستخدم كلمة ألت ..
وهذا الاختصار سيطهر في الخانة السابقة التي قلنا أنها كتب فوقها ( اضغط مفتاح الاختصار الجديد ) ..
ولكن تذكر أن تحفظ رقم الماكرو ، وغالباً يكون رقمه واحد ، إذا لم يكن عندك ماكرو غيره .. لأنك لو أخطأت ستعرفه وتحذفه بسهولة ..

وبعد اختيار الاختصار والضغط على كلمة ( تعيين ) سيظهر الاختصار في مربع على اليمين في نفس الصندوق ، فاذهب إلى كلمة ( إغلاق ) لتغلق الصندوق .. وستظهر لك شاشة صغيرة اتركها كما هي ..
لكن انتبه .. من هنا أي حركة ستفعلها في ملف الوورد سيجلها الوورد ليفعلها كلما ضغطت هذه الأحرف التي اخترتها للاختصار ..
فمتى ما أغلقت الصندوق لا تفعل شيء حتى تقرأ سابعاً ..
7- تذهب في أي مكان في الصفحة وتكبس ( شفت + صفر ) هذا ليظهر لك قوس هكذا – ( – ، ثم اضغط ( شفت + تسعه ) فيظهر لك قوس آخر للإغلاق هكذا – ) – ..
الشرطتان وضعتهما للتوضيح فقد ، فإن فعلت ما قلت لك ستظهر هكذا () ..
ثم لا تفعل شيء حتى تتم ما يأتي ..
8- مؤشر الفأرة ( الماوس ) في وسط الصندوق وتذهب إلى القائمة في الأعلى وتختار ( إدراج ) ثم اختر من القائمة ( مرجع ) ثم تظهر قائمة أخرى تختار منها ( حاشية سفلية ) ثم سيظهر لك صندوق وفيه خيارات الحاشية ، هل تريد الترقيم من أول البحث أو كل صفحة ترقيم جديد أو كل مقطع ؟
ورأيي : البحوث الكبيرة اختر ترقيم كل صفحة ، والصغيرة اختر كل المستند أو دائم ..
9- سيظهر لك بين القوسين رقم واحد ، وسينزل بك إلى الهامش تلقائياً ويكتب لك رقم واحد ، ولكن هذا الشكل بشع ولتهذيبه نفعل ما يلي :
أ- إذا إلى القوسين والهامش في الصفحة واترك الذي في الأسفل بعد ما نحسن شكل الأول ، فتظلل القوسين والرقم وسطهما سيتظلل تلقائياً ..
ثم تضغط ( كنترول + شكل الزائد مرة أو مرتان ) ليرتفع القوس ويصبح أصغر ..
ولا ترفع يدك عن كنترول وأنت تكرر الضغط على شكل ( + ) ..
ب- الآن صار الرقم في الأعلى بشكل مرتفع عن الخط ليتضح في البحث ..
ج- الآن اذهب إلى الهامش في الأسفل ، واختر كلمة ( home ) من لوحة التحكم تجده بين الأزرار ، ثم إذا ذهب قبل الرقم الذي في الهامش اضغط ( شفت + صفر ) ليظهر لك قوس أول ، ثم اضغط كلمة ( end ) بجانب كلمة هوم ليذهب المؤشر إلى ما بعد الرقم الذي في الهامش ..
ج- ثم اضغط مسح ، والمسح له زران ، الأول كتب عليه ( delet ) أو ( del ) وهذا يمسح ما بعده ، وهذا لا نريده ، ونريد الآخر الذي كتب عليه ( bk sp ) ونحوها وهو يمسح ما قبله ، وهو ما نريده ، فقط كبسه واحده ، ثم اضغط ( شفت + تسعه ) ليظهر لك القوس الثاني ..
د- أخر عملية هي : أن تكبس زر واحد لـ ( مسافة ) بعد القوس الثاني حتى يبتعد كلامك في الهامش أثناء العزو عن القوس ..
وهنا قبل الانتهاء من الهامش بإمكانك تحديد حجم الخط ونوعه في الهامش ، فأنا أضع الهامش عادة بحجم 14 ، والخط في النص بحجم 16 ، وهي ترجع إلى المراد من البحث ، فإن كان للمراجعة الدائمة فالتكبير أفضل ، هذا رأيي وأنتم بالخيار ..
فتظلل القوس الذي في الأسفل وهو الهامش كله ثم تغير الخط أو حجمه ..
هـ- لتسجيل هذه العملية يلزمك أن تضغط على صندوق صغير يظهر لك في صفحة الوورد أول ما باشرت العمل في هذا الاختصار فتكبس شكل إيقاف ، ويكون على شكل مربع ..
هكذا سجلت هامش ، كلما ضغط أحرف الاختصار ظهر لك هذا الهامش في أي مكان تريده ، فقط عليك النزول إلى أسفل الصفحة لكتابة العزو ..
وأحياناً يعمل أحدكم خطأ فلا يضبط الهامش ، فإن لم يضبط فاضغط أدوات ، ثم ماكرو ، ثم وحدات ماكرو ، ثم حذف الماكرو بحسب اسمه الذي حفظته أولاً ..

ملاحظة : أحياناً في النص بعد وضع الهامش يكون الخط بعد القوسين صغير أو مرتفع أو منخفض ، وهذا الأمر إذا حدث معك في كل شيء في الوورد فما عليك إلا أن تضغط على كنترول مع شكل الزائد مرة أو مرتان بحسب ما يظهر لك ، فتارة تكفى مرة ، وتارة أخرى تحتاج التكرار ..

* الطريقة الأولى ..
1- حمل الملف المرفق ..
2- افتحه وانسخ القوسين وبينهما الرقم بأن تظلل كل القوسين وما بينهما ..
3- افتح صفحة جديدة ..
4- اذهب إلى القائمة واختر أدوات ، ثم ماكرو ، ثم تسجيل ماكرو ، ثم عيّن زر الاختصار ، ثم اختر تعيين ، ثم إغلاق ..
5- في أي مكان من الصفحة اضغط ( كنترول + حرف c ) هذا للصق الهامش الذي نسخته
ولا تفعل شيء ، واوقف تسجيل الماكرو من الصندوق الصغير ، وإيقافه بالضغط على شكل المربع في هذا الصندوق كالمسجلة تماما ..

انتهى العمل .. : )

* الطريقة الثالثة ..
إذا عجزت عن فعل الهامش فقد وضعت لك الهامش في المرفق ، فما عليك إلا حفظه في صفحة خاصة مثلاً اسمها الهامش ، وتنسخه وتلصقه في بحثك الذي تعمل فيه لتنسخه كلما احتجته ..
قد يستصعبها أحدنا ، ووالله هي بسيطة ولكن تحتاج تنبه فقط ..
وهي مريحة جداً لمن يعمل في الأبحاث كثيراً ..

حملوا المرفق وفيه الشرح والهامش كما هو لتتمكنوا من نسخه لأني لا أستطيع وضعه هنا ..

سهل الله ذلك عليكم ..
إن كان شرحي غير واضح أرجو التنبيه لأوضح بقدر الطاقة ..

كيف تستثمر وقتك في طلب العلم .. !

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد خاتم الأنبياء والمرسلين، أما بعد:

فالحمد لله الذي خلقنا، ومنحنا من نعمه الظاهرة والباطنة، ووفقنا للوقوف على كتابه، وعلى سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وما ظهر منها بيقين لا شك فيه من أحد.

فقد دار بيني وبين أخ حبيب ناصح أمين من أيام حديث عن مسألة طلبة العلم، وأثار الكلام في النفس بعض الشجون، وذلك أني رأيت بعض طلبة العلم من انشغل بالمهم عن الأهم، وترك الذي وجب عليه إلى ما هو دونه في الألزام من الله تعالى، فرأيت أن أنصح نفسي، ثم الأصحاب والأحباب، فلعل الله يغير ما في نفوسنا جميعاً.

فكل طالب علم فإن من همومه أن يوصل الخير والحق إلى الناس، وإلى من حُرِم من هذا الحق، وهذا من أفضل القربات إلى الله تعالى بلا شك، فهو من أعمال أنبياء الله تعالى.

إلا أن هذا العمل يوجب على طالبه أمور، ومن تلك الأمور:

الأمر الأول: الإخلاص لله تعالى.

فلا يكون عملك صالحاً متقبلاً إلا بهذا الإخلاص، وجميعنا يزعم أنه مخلص لله تعالى، لكنه إذا واجه يقينا من نص يخالف ما ذهب إليه فقد يحيك في نفسه شيء ما، وقد يحاول التملص منه بغير يقين، ويتبع طريق الظن والرأي والتحكم، لنصرة ما يراه حقاً مما قام برهان على بطلانه.

وهذا الفعل يناقض الإخلاص لله تعالى، فمن علم أنه يتعلم لأجل الله تعالى، ولأجل بيان حق في دينه، وأن يكون لبنة في بيت الإسلام، لينفع مسلماً أو مسلمة، علم أن المعاندة، ودفع الحق لأجل ما يعتقد المرء من أفسد الأشياء لنيته وإخلاصه.

فدين الله تعالى ليس لأحد، وإنما هو له سبحانه وتعالى، وعلى طالب العلم أن يقبل الحق متى ما ظهر له بشرط أن يكون دليله متيقن، وإن كان برأي أو ظن فلا يجب عليه قبوله، ولا يندب ولا يباح أيضاً.

فقد يقول المرء منا قولاً، فيجد البرهان الذي فيه فساد قوله، فإن كان عالماً أنه برهان متيقن ثم رده فليس ذلك من صفة طالب العلم، وإنما هذه صفة سوء أعاذنا الله وإياكم منها.

فالحق متى ما ظهر وأينما ظهر فطالب العلم أحق به، سواء ظهر ممن هو دونك في العلم والسن، أو ممن هو أعلى منك في كل شيء.

وكلنا يزعم هذا، ولكن حين يأتي التطبيق، والعمل بحكم الله تعالى، تغيب المراقبة للواحد القهار، وينشغل القلب بمداخل الشيطان، كوسواسه له بأن قبولي لهذا يوجب نقص شأني بين الناس، أو بيان جهلي في تلك المسألة، أو عدم فهمي، وغيرها من مداخل الشيطان، فإذا بلغ الشيطان بك هذا المبلغ فاعلم أنك تحتاج إلى اطراح بين يدي الله تعالى، وأنك بعيد عن فهم معنى مراقبته ومعيته، وأنك أكثر الناس استخفافاً بخالقك.

فلا يوجد أحد إلا وهناك من هو أعلم منه، ولا يوجد أحد وهو يعلم كل شيء، أو يعلمه في نفس وقت ذكر هذا العلم ، وقد يعلم المرء منا علماً في مسألة أو أمر، وحين يسأله الناس تغيب عنه، إما عقوبة من الله تعالى، وإما اختباراً له، فقد يعصي الله تعالى فيبتليه بنسيان تلك المسألة، أو نسيان أصل بأكمله، وكم من حافظ للقرآن نسى ما حفظه لأجل ذنب فعله.

فالله الله بمراقبة الله تعالى، ولا يعين على ذلك إلا لقائه في الليل، وكثرة السؤال، ودوام الدعاء بالحفظ والثبات على الدين والحق.

وأنا أولكم أحتاج هذه الكلمات، ولست بأفضلكم، ولا أدعي ذلك، فكل إنسان له ذنب ولا بد، ومنا المحسن، ومنا المسيء، فالله المستعان.

الأمر الثاني: العمل.

إذا تحققت من صحة الإخلاص، وتبينت سبله، فاعلم أن الطريق بعد الإخلاص هو العمل بما ثبت عندك من حق متيقن، وطلب العلم الذي لم يثبت عندك بعد، حتى تتيقن منه، وهكذا أمر المؤمن في دنياه، فهو في شغل وعمل دائم حتى يلقى الله تعالى.

فكل من رأيته يكثر الجلوس، والمزاح، والحديث، والزيارات، ويجعلها لله كما يقول بعض طلبة العلم، بلا حاجة حقيقية فإنه بعيد عن الطلب بعد المغرب من المشرق، وما رأيت عالماً معاصراً أو من المتقدمين أضاع وقته في الهذر والكلام الذي لا طائل تحته، ولو كانوا كذلك لما نفع الله بهم هذه الأجيال الكثيرة.

وبعضهم يقول: هذا لأجل الدعوة !
ولا أدري كيف تكون دعوة بلا عدة، وحرب بلا سلاح، وكتاب بلا مداد، فهذه دعوى مردودة، وأن أصحابها ظنوا أنهم يتخلصون من انتقاد أقرانهم إذا ذكروا لهم قضية الدعوة.

نعم الدعوة مطلوبة، إلا أنها لا تكون عن جهل، وكم من داعية جلس سنين طويلة في الدعوة وليس له نصيب من العلم، وكل عمله حفظ بعض كتب الوعظ، وأشعاره، وقصص من السيرة، ومن سير الصحابة والتابعين، فظن نفسه أنه من العلماء.

فعلامة طالب العلم عندي: الانشغال الدائم في التدوين والقراءة، ومنا من يحفظ ولا يحتاج إلى التدوين، إلا أن التدوين فيه فائدة، فالحافظ قد لا يسمعه كل الناس، وإنما يسمعه من حوله، فتضيع فائدته تلك.

أما الذي يكتب ويدون فإن هذه المدونات قد تنشر، في كتاب، أو رسالة، أو موقع، فيستفيد منها من حرم منها، وفي هذا فضيلة على الحفظ، فمن جمع الحفظ والكتابة كان أكثر فائدة من غيره.

واعلم أن التدوين مر بمراحل كثيرة، ولا أريد بيان ذلك، لكن أريد الكلام على بعضها، وهو تدوين أهل عصرنا هذا بما يطلق عليه ( البطاقات ) التي تفهرس بعنوان دال على محتواها، وتوضع بوسطه المعلومة، مع العزو، فهذه طريقة مشتهرة اليوم، والجميع يطالب بها، إلا أنني أرى أن عهدها قد ولى.

فالذي يريد جمع البطاقات هذه، فعليه أن يفهرسها، ثم يرتبها، ثم إذا أراد كتابة شيء موجود فيها أخرجها، وفرزها من جديد، ثم نقلها في أوراق، أو ملف ( وورد ) وهذه في الحقيقة مضيعة للوقت، والسبيل الأفضل هو:

العمل على الأجهزة: وذلك في برنامج ( وورد ).

بحيث تكون البطاقة موجودة في ملف وورد، ولكن بطريقة أخرى، فالعزو في الهامش، والمعلومة تكتب في أي صفحة، ولا يضرك أين كتبتها، في الأول، أو في آخر الصفحة، فمجرد اختيار فرز المحتوى: يفرز لك البرنامج هذه المعلومات بحسب الحرف الأبجدي.

وأعطيكم مثالا صغير: أثناء عملي في موسوعة فقه داود الظاهري، جمعت الكثير من المسائل، وكنت أكتبها هكذا:

وضوء: شروطه: …. (1)
ماء: أقسامه …. (2)
وضوء: نواقضه … (2)

وأضع العزو في الهامش، ولا أعتني بالترتيب، لأن الجمع هذا أولي، كجمع البطاقات بلا فرق، وكل من دون شيئاً لا بد أن يكون هذا التدوين آلي تلقائي، بمعنى أنه لا يفكر في ترتيبه أثناء هذا التدوين، فكل ما عليه هو التدوين، ويترك الانشغال في الترتيب إلى وقت آخر.

ثم حين أفرغ من كتاب أو كتب أختار فرزها أبجدياً، فيجعلها هكذا:

ماء: أقسامه …. (1)
وضوء: شروطه: …. (2)
وضوء: نواقضه … (3)

ويتغير رقم الهامش تلقائياً، وهكذا تكون عندي أكثر من بطاقة في ملف واحد، وبعد كل عمل: أحفظ العمل على قرص خارجي، مع حفظي له على الجهاز، حتى آمن من الضياع والتلف، وتارة أنسى، ومن منا لا ينسى !

فالقصد أن طريقة الترتيب للمعلومات في ملف ( وورد ) أصبحت أسهل وأفضل للجمع، وخاصة من لا يتمذهب بمذهب معين، وذلك لأنه يتعلم أكثر من علم، ويجمع أكثر من فن، فيبدأ يقارن، ويفرق، ويميز بين ما جمعه، ولا يكتفي بذكر تعريف شيء ما من كتاب ابن حزم مثلاً، أو غيره، وإنما يبحث عنها في بطون الكتب.

وقد قرأنا كثيراً كتب في اللغة، منها الصغير، ومنها الكبير، وكذلك الأدب، والفقه، والتاريخ، والسيرة، والأصول، فتخيل لو دونت كل ما تقرأ، فماذا ستكون النتيجة الآن ؟!

أعطيكم هذا المثال: عندما كنت اشتغل في المحلى، فماذا كنت أصنع ؟!

كنت أفتح المحلى، وافتح أمامي أكثر من ملف ( وورد ) واحد للتعريفات، والثاني للأحاديث، والثالث للآيات وتفسيرها، والرابع للرجال، والخامس في بيان علل الحديث، والسادس لمسائل فقه ابن حزم، والسابع للقواعد الفقهية، والثامن الفروق الفقهية، والتاسع لتناقضات المذاهب، فكلما وقفت على شيء من ذلك وضعته في مكانه، فصارت عندي رسائل في هذه الأبواب لا تحتاج إلا للترتيب والمراجعة والمقارنة.

ويكون كل ذلك في مجلد اسمه: ( أعمال المحلى ) على سبيل المثال، وعندي آخر باسم ( معجم لغة الظاهرية ) وهو لكل تعريف وقفت عليه لأهل الظاهر، وآخر باسم ( تفسير الألفاظ الشرعية ) وهو في جمع كل تفسير لأهل اللغة المتقدمين لآية أو حديث، وآخر باسم ( فقه الظاهرية ) لكل قول للظاهرية وقفت عليه، فحين اشتغلت في موسوعة فقه داود الظاهري لم أجد المشقة الكبيرة، فالكثير من هذه الأقوال قد جمعتها منذ زمن طويل.

ذكرت ذلك لتتصور المسألة، وتستبين فائدتها مستقبلاً، فقد ترى أن هذا لا يناسب الآن، وكذلك قلت أنا في البداية، فحثني شيخي أ.د محمد رواس قلعه جي على ذلك، فبدأت بالجمع، فبعد ذلك جمعت الكثير والكثير جداً، وهذا بفضل الله تعالى وتوفيقه.

وسيأتيك يوم تتفرغ بعد الجمع، وتكتفي من أمهات المصادر، وترى بقية الكتب أنها لم تزد على أصولها إلا ببعض ما يمكن الاستغناء عنه من شرح أو تقييد ونحو ذلك، فتبدأ بالترتيب والتصنيف.

واليوم لا أرى عالماً يؤلف الكتب أسرع من شيخي حفظه الله، وذلك أن كل فقه السلف مكتوب ببطاقات عنده على الطريقة القديمة، فيخرجها، ويفرزها، ويرتبها، فيبدأ صياغة الكتاب، وبمرور عام يكون الكتاب جاهزا للنشر، كموسوعاته في فقه السلف، فصحيح هناك انتقاد من جهة تحقيق صحة القول إلى المنقول عنه، لكنه جمع وموسوعة لم يسبق إليها على حد علمنا إلا بعض ما جمعه السلف في فقه ابن عباس، أو الزهري، ولم يصلنا ذلك.

فالعمل أساس طالب العلم، والرأس إن لم يملأه طالب العلم بالعلم سيمتلئ بغيره ولا بد، فالكأس إن لم يكن فيه سائل أو جامد، ففيه هواء ولا بد.

فابدأ بوضع خطة لنفسك، وبحسب ما بلغت من علم، وفينا المتقدم، وفينا الجديد، وكل واحد منا بحسبه، واستشر من تثق به، ودون هذه الفوائد، ورتبها، لتستفيد منها لاحقاً، فهي أول عدة لك، لتبني عليها ما يستجد.

وقد كان ابن حزم رحم الله أول ما طلب العلم لخص كتب، أو رتبها، كترتيبه لأسماء الصحابة الرواة الذين ذكرهم الإمام بقي بن مخلد رحمه الله، وترتيبه أو اختصاره كتاب الضعفاء من المحدثين للساجي، وكذلك اختصاره الموضح في الفقه لابن المغلس الظاهري، وصنعه كتاب التصفح في الفقه، وهو اختصار مسائل الفقه، فهذه عدة طالب العلم، يهيئ منها ما يجده، ثم يضيف ما وجد على أصله، وهكذا، حتى تكون رسائله درر من كل وجه.

اذكر حدثني صاحبنا الحبيب ( أبو الزهراء الشافعي ) أنه كثير القراءة، وأنه قرأ مئات الكتب بحسب ما اذكر، ولو دون صاحبنا هذه المعلومات في ورقات لكان اليوم شيئاً نفيساً للغاية، ولا أدري لعله بدأ في ذلك متأخراً، لكن بكل حال فهو أفضل من عدم كتابة شيء، فأسأل الله له التوفيق والسداد، فهذا مثال لبعض طلبة العلم الذين يكثرون القراءة، وما أكثرهم في عصرنا والحمد لله، ويبقى فقط ترتيب وتدوين ما وجدوا في بطون هذه الكتب، وهذه مع المران، والسؤال، تأخذ الشكل الذي يريده طالب العلم.

الأمر الثالث: المثابرة والمداومة.

ثمرة العمل لا تظهر إلا بالمداومة والمثابرة، فلا بد أن يفهم طالب العلم العقبات التي ستواجهه، والتي ستشغله عن عمله الأيام أو الأسابيع، وهذه لا بد منها، فهي من المنقصات على طالب العلم !

فكلما تقدم طالب العلم في عمله، وكان بالنسبة له الأساس الذي يبني عليه، وأن الحق لا يعرفه إلا بمعرفة هذه العلوم، وصور ذلك في نفسه بحيث اعتقد صحته وضرورته فكلما كان البعد عن طلب العلم بالنسبة له منقصة ووحشة.

ولا يعرف ذلك إلا من جربه، وكنت استغرب من شيخي حفظه الله إذا عرض له ما يشغله عن عمله، فكان يقول: إني أمرض إذا لم أعمل، وكنت أظنه يبالغ في ذلك، ولكن لما أوقع الله تعالى محبة طلب العلم في نفسي، وجدت ما وجده، فكنت إذا لم أعمل شعرت بالضيق والملل والثقل في الجسد، وكأني مريض فعلاً، فإن قمت إلى العمل، رجعت طاقتي، واستعدت عافيتي بفضل من الله تعالى، فعلمت أن للعلم حلاوة لا يدركها إلا من أحبه حقاً.

وكل طالب علم له فترة، يمل أحياناً، ويستكثر ما سيجمع في كتاب كذا، ويدخل الشيطان هنا، ويحاول ثنيك عن عملك، وتشتيت همتك، تارة بالأهل والأصحاب، وتارة أخرى بالترويح عن النفس حتى لا تمل، ونحوها من مداخل الشيطان.

ولا يكون طالب العلم متميزاً إلا إذا أعطى كل ذي حق حقه، فأعطى أهله بعض وقته، وأصحابه كذلك فيما لا يشغل عن طاعة الله، ويروح عن نفسه بأي طريق مباح، ولكن ليكن في نفسه هاجس الموت قبل إتمام عمله الذي يقابل به الله تعالى، فكلنا يرجو أن نعمل عملاً يجعله الله لنا كأمثال الجبال، ولعل كلمة تقولها غداً تكون سبباً في هداية أحد، أو توبته من ضلال كان عليه، فإن كان هذا همك في الدنيا، فلن تكون فترتك وترويحك إلا في أمر قريب من مرضاة الله تعالى.

وكنت إذا أردت الترويح عن نفسي أخذت القلم والأوراق، وجلست أكتب، وأمرن يدي على الخط، فأنا من محبي الخط العربي، أو الحفر على الزجاج، فأنا من هواة هذا الفن، فأحاول تسلية نفسي فيما أحبه، ثم لا أطيل في ذلك حتى أمل، وأحاول التملص من تلك السياحة المؤقتة، فأعود سريعاً إلى العمل.

واجعل لنفسك جدولاً، كما فعلت أنا ولكن بحسب وضعك الشخصي وحالك في العلم، فأنا جدولي في التدوين هكذا:

السبت: في أصول الفقه.
الأحد: في الفقه.
الاثنين: في العقيدة.
الثلاثاء: في اللغة.
الأربعاء: في الحديث.
الخميس: في التحقيق.
الجمعة: جمع لعلوم أهل الظاهر، كموسوعة فقه داود، أو موسوعات ابن طاهر، أو النباتي، وغيرهم.

وأغير الجدول بحسب ما أحتاج كل فترة، بحيث لا اشتغل بغير الفن الذي وضعته لنفسي، فكل يوم في علم وفن، بحيث لا تمل نفسي.

فاصنع لنفسك مثل هذا الجدول، وابدأ بالعمل، ودع عنك التعلل بالانشغال، فإن الأشغال لا تنتهي أبداً، فحاول التوفيق بين ذلك، وحاول أن تختار من العلوم ما يناسبك في مراحل طلب العلم.

الأمر الرابع: الانشغال بما هو أوجب وأولى.

من أكثر ما يفسد طريق طالب العلم أنه يشتغل في أشياء ليست هو أولى من التي تركها، وأعني في ترتيب العلوم، فهناك من يشتغل بعلوم هي في الحقيقة مفيدة لكن يمكن تأجيلها.

فمن العلوم التي يجب أن يشتغل بها طالب العلم:

1- علم اللغة: من نحو، أو صرف، أو معنى.
وكلنا له لحن، أدركه أو لم يدركه، وتارة يكون من العادة، وتارة من عدم العلم، وطالب العلم يجب أن يتعاهد نفسه في هذا الأمر، حتى يحسن هذا العلم.

وكذلك بأن يعرف على الأقل معاني الألفاظ الشرعية، والتي ورد فيها حكم شرعي، وذلك بما قاله أئمة اللغة، ولا يكتفي بما في لسان العرب، بل يحاول أن يجمع كل ما وجده من كتب المتقدمين.

وقد علمني هذا واستفدته من العلامة أبي تراب الظاهري رحمه الله رحمة واسعة، فكان جبلاً في هذا العلم، رغم أن الجبل جماد، ولا ينبغي وصفه بجماد، لكنه شابه الجبل في صلابته، وفي علوه وارتفاعه في هذا العلم بشهادة من قرأ له رسالة أو كتاباً.

فكل كتاب ذكره فإني أحاول الحصول عليه، وكل كتاب ذكره الأئمة الثقات كالإمام ابن حزم وغيره أحاول الحصول عليه، وكلما جاء يوم اللغة في أسبوعي فإني آخذ هذه المعلومات وأدونها بشكل معجمي، حتى تكون عدتي لاحقاً.

فمن فائدة معرفة اللغات والمعاني: رد شبه المخالفين للكتاب والسنة، وذلك لا يكون إلا بالعلم، ومن تلك الشبه ما له تعلق باللغة، فمن ذلك:

إذا قيل: ما معنى الاستواء في النصوص الشرعية ؟

فيقول المعتزلي: أي استولى، وأن اللغة تعرف ذلك، فيقول السني: كذبتم، ليس في اللغة هذا المعنى في الاستواء، فيرد المعتزلي: بل قال الطبري ذلك، وكذلك غيره من أهل اللغة، كالزجاج، فهؤلاء من أئمة اللغة، وذكروا أشعار عن العرب.

فماذا يقول السني حينها ؟! فليس له إلا أحد هذه الطرق:

1- أن يرد هذا، ويعتبر الطبري أو الزجاج أو من نقلوا عنه خطأ، وينقل ما قاله أئمة اللغة كابن الأعرابي وغيره، ولن يرفع هذا الإشكال، لأنه قول يضاده قول.

2- أن يشكك في صحة النسبة إلى هؤلاء، لكن المشكلة أن هذا صحيح إلى الطبري، وذكر أن من معاني الاستواء الاستيلاء، فلن يرفع هذا الإشكال.

3- أن يبطل هذا المعنى لأنه مخالف لأصل الاعتقاد الصحيح لأجل المعنى في لفظ الاستيلاء.

وهذا استفاده من معرفة الألفاظ ومعانيها وعلى ماذا تقع، فالاستيلاء يقتضي المنازعة ولا بد، ولا يوجد استيلاء إلا وفيه هذا المعنى، ويكون بلا رضا من أحد المتنازعين.

والله تعالى لا ينازعه أحد أصلاً في ملكه، ولا يستحق مخلوق أن ينازع الله حقيقة، فبطل أن يكون معنى الاستواء هنا هو الاستيلاء لفساد المعنى الذي في هذه اللفظ، وفساد نسبته إلى الله تعالى.

فصح أن الاستواء يقبل كل معاني الاستواء في اللغة، من العلو، والارتفاع، والانتهاء، والإقبال، والإتمام، وكل آية تحدد المراد من ذلك بحسب السياق الذي وردت فيه، وإن كان ما ذكره الطبري صحيحاً فيحمل فيما بيننا ولا يحمل فيما نسب إلى الله تعالى.

فالذي بلغ أشده واستوى إتمام، واستواء الثمرة تمامها أيضاً، ومنها انتهاء بقائها في مكانها وحاجتها إلى أصلها، واستوى إلي يكلمني، أي أقبل إلي، واستوى على ظهر البيت، فهو من العلو والارتفاع، فكل ذلك عند أئمة اللغة، ومقبول في لغتنا.

لكن إذا ذكرنا ذلك ونسبناه إلى الله تعالى ذكرنا أنه تعالى قال أننا لا نحيط به علماً، ونحمل من هذه المعاني ما يجوز حمله فقط، كما ذكرنا في مقالة تفسير الألفاظ المتعلقة بذات الله تعالى.

وصحيح أن لهم اعتراضات على بعض هذه المعاني، ولكن إبطالها بنفس إبطال لفظ الاستيلاء، وكل ذلك راجع إلى الفرق في المعاني، ومعرفتنا على ماذا تطلق.

2-علم الحديث: من مصطلح، ورجال، وعلل.

فتحاول الوقوف على أصولهم، وتعرف قواعدهم، ومأخذ كل قاعدة، وتجمعها في قالب واحد، لتعرف مستقبلاً أيها الحق من الباطل.

وكذلك تقرأ في كتب الرجال، وتعرف الضعيف من الثقة، ولا تتكل في ذلك على كتب المتأخرين، فرغم أن فيها فائدة، لكن أسلوب المتقدمين يعلمك أمور كثيرة، فتفهم كيفية انتقادهم، وما هو الانتقاد الذي يراد منه التضعيف، أو الذي لا يراد منه ذلك، وتعرف حال الرجل الذي تكلموا فيه إذا جمعت قول جميعهم، فيكون مختصر عندك من كلام الأئمة النقاد ووجه كل انتقاد لتعرف صحة ذلك وبطلانه مستقبلاً.

وكذلك تقرأ في كتب العلل، وتدون ما عللوا به الأخبار، فيكون عندك مجموع في هذا الفن، تستطيع بلوغ مطلبك بسرعة ودقة، وذلك لأنك تذكر العزو إلى الكتاب، وتنقل الكلام بنصه.

ولا أدري كيف يكون طالب العلم طالباً للحق وهو يجهل هذا العلم الذي تثبت به أحكام وتبطل، ولا تشغل نفسك بتخريج فلان وفلان، أو طلب من فلان أو فلان، واشغل نفسك بما ينفعك، فإن وجد الوقت الكافي خرجت للطالب ما يريد من حديث، أو نقلته من كتابك إذا كنت قد دونته فيه.

3- علم العقيدة: ولا تعتني إلا بالكتب المسندة، ورأيت الكثير من طلبة العلم يعرض عنها، ويكتفي بكتب ابن تيميه وغيره من المتأخرين، وهذه الطريقة مضرة بطالب العلم، فصحيح أن في كتب ابن تيميه وغيره خير كثير، لكنك كيف تحاكم قول ابن تيميه أو غيره إذا لم تقف على قول السلف من الصحابة والتابعين ؟!

فالعلم والاعتقاد الصحيح عند السلف، وما ابن تيميه وغيره إلا تبع لهم، وكلهم تبع للنص، فالنظر في كتب الأئمة، وكتب من جمع كلامهم بالإسناد، بحيث ترتبه بحسب الباب الذي ورد تحته هذا النص سيفتح عليك خيراً كثيراً مستقبلاً، فتحقق هذه الأسانيد، فتعرف صحيحها من باطلها.

وهنا تقول لمن يدعي على السلف شيئاً: هذه دعوى، فهذا قول السلف، قالوا كذا وكذا، كما صح بالإسناد عنهم، أو أن هذا لا يصح عن السلف، فلم يصح فيه شيء عنهم.

4- علم أصول الفقه: فالغريب أن طلبة العلم ممن يأبى التقليد يرغب عن هذا العلم، مع أنه أصل العلوم من جهة كيفية فهم النص والخطاب، ومتى يقال هذا دليل، ومتى يقال هذا ليس بدليل، فلا عجب أن علم العقيدة، وعلم الحديث، وعلم اللغة، وكل علم يعتمد على هذا العلم، وتأخيري في ذكره كان بلا ترتيب مقصود، وإلا فهو أساس العلوم هذه.

فكيف نفهم خطاب الله في العقيدة، وفي الفقه، وفي الأخلاق، فإن لم يكن عندنا معرفة متيقنة أن الأصول التي تثبت بها العقائد هي كذا وكذا، أو العام له حكم كذا، والخاص له حكم كذا، فكيف نفهم العقيدة الصحيحة !

ولا أعني علم الأصول بما فيه من مفاسد أدخلها أصحاب الرأي والكلام ممن تأخر، وإنما علم الأصول معرفة مصادر التشريع، وكيفية فهم ألفاظها، ومن أي طريق نفهما.

ولن أطيل هنا لأني أتكلم عن هذا العلم كثيراً لضرورته لكل طالب علم.

فلا يثبت شيء، ولا يبطل إلا بضبط هذا العلم، فهو من هذا الباب أصلها وأساسها، وبه تتميز سبل الحق، وسبل الباطل، وتعرف تحكم الفقهاء في إخراج أو إدخال معاني، وتأويلهم، وحملهم اللفظ على ظاهره، وكل ذلك، ومتى يكون.

الأمر الخامس: العمل بما علمت.

وتلك ثمرة العلم ومقصده، بأن تعمل وفق ما أمر الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، ومن علم ولم يعمل فيخشى عليه من الفتنة والبلاء من الله تعالى، ويخشى عليه من العذاب يوم القيامة.

فواجب طالب العلم أن يعمل بما علم وتيقن منه مما ثبت بالكتاب والسنة، وأن لا يحرم شيئاً فيأتيه، وأن يوجب شيئاً فلا يأتيه، فطالب العلم بلا عمل كشجرة بلا ثمر ولا ورق، لا يستفاد منها إلا بالتحريق !

أعاذنا الله وإياكم أن نكون وقود النار، وأعاذ أهلنا، وولدنا، وأصحابنا، وأحبابنا أن يكونوا كذلك.

وكلمة أخيرة ..

لا تستعجل في قول شيء قد تندم عليه غداً، ولا تستعجل القول في شيء من أحكام الديانة إن كنت لا تضبط هذه الأصول أو أكثرها، ففي الناس من يكفي عنك، وفرض بيان الحق لم يتحقق فيك، فلا تقل على الله تعالى ما لا تعلم، ولا تقل ما لم يأذن لك به سبحانه وتعالى، فتندم يوم لا ينفع الندم.

ولا تقل عن شيء لم تعرفه: أخجل من السؤال، فإنه ما ضيع الطالب إلا الخجل من الحق والعلم، فلا يضر أن يسأل كل أحد، واذكر لابن حزم مقولة جميلة إذ يقول: ولا ندعي أننا نعلم كل العلوم، وأننا نعرف حكم كل مسألة، وقد يفوتنا ذلك، وقد نعلمه مستقبلاً، لكن حكم ذلك موجود عند من علمه.

وصدق رحمه الله تعالى، فلا يوجد أحد يعلم كل شيء، أو يحسن كل شيء، وفينا المحسن لأكثر من علم وفن، وفينا من لا يحسن إلا الدعاء للغير، وفي كلّ فضل وخير، ما داموا يسلكون طريق العلم والتعلم.

فهذه نصيحة لنفسي المقصرة، ولمن أحب أن يستمع النصح، فيبادر قبل فوات الأوان، ويتصرف في أوقاته الثمينة قبل أن يشغله مرض أو زواج أو ولد عن مقصوده الأسمى، وهو العمل لمرضاة الله تعالى، ولما ينجينا من النار، ويدخلنا الجنة.

أسأل الله تعالى أن يجعل هذه الكلمة خالصة لوجهه، وأن يعلمنا ما ينفعنا، وينفعنا بما علمنا، إنه سميع مجيب.

المعالم الأساسية لمنهج الإمام ابن حزم الأندلسي ـ رحمه الله تعالى ـ

بسم الله الرحمن الرحيم

إن الحمد لله ، نحمدُه ونستعينه ونستغفرُه ، ونعوذ بالله من شرور أنفسِنا وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضِلَّ له ، ومن يُضلل فلا هادي له .
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له .
وأشهد أن محمداً عبده ورسولُه .
أمَّا بعدُ :
ففي هذه العجالة أحب أن أشارك الأخوة الفضلاء في هذا الملتقى المبارك في الحديث عن الإمام العلم العالم العامل أبي محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الظاهري ـ رحمه الله تعالى ـ ومشاركتي هي : عن أهم المعالم الأساسية لمنهج الإمام الحافظ ابن حزم الظاهري في مجال البحث الديني، وتتلخص في التالي :
1 ـ الالتزام بالنص قرأناً أو سنةً ثابتةً في حدود المعنى الظاهر بحكم دلالة اللغة الواضحة .
قال ابن حزم : لا سبيل إلى معرفة شيء من أحكام الديانة إلا من القرآن، والسنة ، والإجماع ، والدليل وهي كلها راجعة إلى النص .
قال أبو عبدالرحمن : فقد جرى الفهم العام المشترك على أن الظاهرية هي : المعنى الحرفي الواضح دون الخفي الذي لا يعرف إلا بالاستنباط وهذا وهم أي وهم فالظاهر هو كل ما تدل عليه القضية سواء أكان واضحاً أم خفياً . فإن كانت القضية عقلية فظاهرها ما لا يحتمل العقل غيرها بيقين أو رجحان .
وإن كانت القضية نصية فظاهرها ما تدل عليه اللغة بيقين أو رجحان من ناحية المفردة والصيغة والرابطة والسياق أو السياقات .
والله المستعان .
2ـ الاعتراف بإجماع الصحابة ومن يجيء بعدهم كمصدر للتشريع ورفض القياس في الشرع والاستحسان وغيرهما ويضاف إلى الإجماع مصدر يسمى الدليل وهو مولد من النص أو الإجماع وليس حملا عليهما .
قال أبو عبدالرحمن : باب سد الذرائع لا ينكره ابن حزم إذا كان أداء الوسيلة إلى المفسدة قطعياً ويقينياً ، أما إذا كانت الوسيلة إلى المفسدة ظنية فينكر الأخذ بها . (قواعد الوسائل في الشريعة الإسلامية صفحة 372) .
3ـ إيراد حجج الخصوم واعتبار التجني على الخصوم والتقول عليهم بما لم يقولوا جريمة البحث .
4ـ ما اختلف فيه الصحابة رضي الله عنهم فليس قول بعضهم أولى من قول بعض ( ومن جاء بعدهم أولى بذلك . والنصوص وحدها هي المتقيد بها ) .
5ـ النظر إلى أئمة المذاهب نظرة متساوية ؛ لأنه لا معنى للتعصب لمالك دون الشافعي ، أو غيره .
6ـ رفض التقليد ( ويكفي أن القائلين به مقرون على أنفسهم بأنه لا يحل ، فلا يحل لأحد أن يأخذ بقول أحد بلا برهان ) .
قال أبو عبدالرحمن : ولا يعني رفضه للتقليد فتح باب الإجتهاد على مصراعيه للعامي وأنصاف المتعلم ، فيتكلمون في دين الله بغير علم ، وإنما أراد الإجتهاد قدر الطاقة وهو السؤال عن الدليل عند إجابة المفتي أ و البحث عمن استفاضة شهرته بالعلم والصلاح والتقوى فيسأله . (انظر : الإحكام 7/ 151)
7ـ الاهتمام بالمصادر الكثيرة سواء في الحديث أو في غريب الحديث أو في اللغة أو في الفقه . ( انظر : رسائل ابن حزم 3/87) .
8ـ لا حجة في الكثرة ( فإن خالف واحد من العلماء جماعة فلا حجة في الكثرة ، لأن الله تعالى يقول وقد ذكر أهل الفضل : وقليل ماهم ).
( انظر : النبذ 88 ) .
9ـ العبرة في الأمور بالرواية فإذا روى الصاحب حديثاً عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وروي عن ذلك الصاحب أنه فعل خلافاً لما روى فالفرض الحق : أخذ روايته وترك ما روي عنه . ( انظر : النبذ 98).
10ـ رفض التعليل فالشريعة تعبدية والمعقول منها نص الله على معقوليته
11ـ وطريقته أن يبدأ المسألة ثم يقول : قال أبو محمد ـ وهي كنيته ـأو قال ” علي ” ـ وهو أسمه ـ ثم يذكر فقهه ثم يستدل عليه بأية أو حديث بسنده إلى النبي صلى الله عليه وسلم من طرقه المختلفة . وقد يستدل بالإجماع الذي هو عنده إجماع كل عصر إذا لم يتقدم قبله في ذلك المسألة خلاف …. وهو يعني بالعلماء : ” المجتهدون الذين حفظت عنهم الفُتيا من الصحابة والتابعين وتابعيهم وعلماء الأمصار وأئمة الحديث ومن تبعهم .. ” .
12ـ وبعد إيراد كل هذا بسنده إلى قائليه يأتي دور التحليل والنقد فيصحح ويضعف ويعدل ويجرح ويقبل ويرفض ويقارن بين فقيه وفقه غيره ويناقش الأدلة والحجج بلغة علمية أدبية عرف بها علماء الأندلس .
13ـ يكثر من إيراد كلام غيره في الجرح والتعديل ، ككلام شعبة ، وسفيان الثوري ، وعبدالله بن المبارك ، وأحمد بن حنبل ، وعبدالرحمن ابن مهدي ، ويحيى بن سعيد ، ويحيى بن معين وغيرهم .
14ـ أيراد ما قد يتبادر للذهن أنه يصلح حجة للخصم ومن ثم نقضه .
15ـ إن ابن حزم ـ وإن كان ظاهرياً ـ لا يبطل العقل البشري ( وإن بدا أنه يلغيه في القياس ) لأنه يحدد وظيفة العقل البشري ، وهو بذلك ـ وإن كره المقلدون ـ رائد لدراسات الفلاسفة النقديين في نظرية المعرفة .
قال أبو عبدالرحمن : ووظيفة العقل بالنسبة للشرع إدراك النصوص وفهمها وتمييز مدلولاتها .
16ـ احتفاؤه بغرائب الفقه وفي المحلى من غرائب فقه الصحابة والتابعين ومن جاء بعدهم عجائب يستنبط منها مدى السعة والشمول والتطور والمرونة في التشريع الإسلامي .
هذه هي ابرز معالم منهج ابن حزم في البحث الديني ، وقد دلت عليها كتبه التي بين أيدينا . ( انظر : ابن حزم الأندلسي وجهوده في البحث التاريخي والحضاري 92 ـ 95) .
قال أبو عبدالرحمن : وهناك ميزة عظيمة يتمتع بها الإمام ابن حزم رحمه الله تعالى وهي الرجوع إلى الحق متى ما تبين له خطأه . ( أنظر : التقريب لحد المنطق 4/337ـ338ـ رسائل ابن حزم ) .

العلامة الكبير أبوتراب الظاهري وشيء من سيرته

بسم الله الرحمن الرحيم

بالصور والوثائق النادرة «ورَّاق الجزيرة» تنفرد بأميز ترجمة لأبي تراب الظاهري
من مشاهدات تلميذه عبدالله الشمراني ( 1 – 2 )


«إنَّا على فراقك لمحزونون»:
لقد فجعنا صباح يوم السبت الموافق: 21/2/1423هـ بوفاة عميد اللغة العربية في عصره، والرجل الموسوعي، والمعلمة التاريخية، والخزانة المتنقلة، شيخنا: العلامة، المحدث، الأصولي، اللغوي، الأديب: «أبو تراب الظاهري»، عن ثمانين سنة، فرحمه الله، وغفر له.
فكتبت هذه الأوراق وفاءً حقه، وهي أوراق مختصرة من كتابي: «هداية الأحباب بإجازة الشيخ أبي تراب» ترجمت فيه له، ولأبيه المحدث: عبدالحق الهاشمي رحمه الله، وذكرت شيوخهما، ومصنفاتهما. واستندت في ترجمة الشيخ، وأبيه على المشافهة، ودار بيني وبين الشيخ الكثير من الجلسات، التي تخللها الكثير من الأسئلة، فأنا أسأل والشيخ يُجيب، كما وضع بين يدي مؤلفات أبيه الخطية، واطلعني على إجازات العلماء لأبيه، وقرأتها، لكي أخرج بصورة عن الحياة العلمية في ذلك العصر. فأقول مستعيناً بالله:
اسمه: أبو محمد، عبدالجميل بن أبي محمد عبدالحق بن عبدالواحد بن محمد بن الهاشم، وكان له أكثر من اسم منها: عبدالجليل، وعلي، وعمر.
كنيته: لشيخنا بحفظه الله ثلاث كنى: أبومحمد، وأبو الطاهر، وأبو تراب. الأولى باسم ولده الأكبر، والثانية كانت الرسمية، وعلى ذلك ختمه القديم، ولكنها كنية قديمة، واندثرت، ولا أحد يكنيه بها اليوم، ولا يُعرف الشيخ إلا بالثالثة.
لقبه: الهاشمي، العُمري، العدوي، ويعود نسبه الى الخليفة الفاروق عمر بن الخطاب بن نفيل القرشي رضي الله عنه. فهو كما رأيت عُمري، عدوي، أما: الهاشمي فنسبه الى جده الثالث: «الهاشم»، وليس من «بني هاشم».
مولده: ولد الشيخ في «أحمد بور الشرقية» بالهند عام «1923م 1343هـ».
ولادته، ونشأته، وتعليمه، وحصيلته في القراءة، والمطالعة:
كانت ولادته، ونشأته الأولية في مدينة «أحمد بور، بالهند»، وكان مبدأ تعليمه على يد جده: عبدالواحد رحمه الله، ابتداءً من فك الحرف «أ،ب،ت…» وانتهاءً الى «المثنوي»، للرومي، قرأ خلال هذه الفترة: «كريمة بخش، وبندناما، وناماحق، وبلستان، وبوستان»، وهي كتب فارسية، كانت مقررة في دروس التعليم آنذاك.
ثم تعلم الخط الفارسي على يد جدّه في الجامع العباسي في : أحمد بور، وبعد ذلك جلس الى دروس والده، وبدأ من «الصرف» ثم النحو ثم أصول الحديث، ثم أصول الفقه.
سرد مفصل لنشأته التعليمية
أولاً: كتب الحديث:
بدأ في الحديث من بلوغ المرام، ثم المشكاة، ثم سنن ابن ماجة، ثم سنن أبي داود، ثم سنن الترمذي، ثم سنن النسائي، ثم صحيح مسلم، ثم صحيح البخاري.
كل ذلك قراءة، ودراسة، وتحقيقاً على يد أبيه رحمه الله.
وبعد ذلك سرد على أبيه: المسند، والسنن الكبرى، للبيهقي، والمنتقى، لابن الجارود، المستدرك للحاكم، والسنن للدارقطني، والمسند للطيالسي.
ثم نسخ بيده: المصنف لعبدالرزاق، والمصنف لابن ابي شيبة كاملين، والجزء الأول من كتابي ابن عبدالبر رحمه الله: التمهيد، والاستذكار، ونسخ أجزاء من كتاب «العلل» للدارقطني. وقرأها على أبيه.
كما قرأ: «فتح الباري» للحافظ، وإرشاد الساري، للقسطلاني مطالعة.
وقرأ أيضاً بعض الكتب المطولة، منها في دار الكتب المصرية كتاب «الكواكب الدراري في تبويب مسند الإمام أحمد على أبواب البخاري» لابن عروة الدمشقي، الحنبلي رحمه الله، وهو كتاب عظيم جداً يقع في مائة وعشرين مجلداً.
وقرأ أيضاً كتابي ابن عبدالبر رحمه الله. «التمهيد» و«الاستذكار»، كاملين قبل أن يُطبعا.
ثانياً: كتب التفسير:
أول ما قرأ على أبيه رحمه الله «تفسير الجلالين» ثم تفسير القرآن العظيم، لابن كثير كاملاً، وقرأ عليه ايضاً أجزاء من «جامع البيان» للطبري، والجزء الأول من «مفاتيح الغيب» للرازي، و«الجامع لأحكام القرآن» للقرطبي، وقرأ عليه «تفسير البيضاوي»، دراسة من أوله الى سورة الكهف.
وطالع الباقي مطالعة، إما كاملة، أو أجزاء منها، وتبلغ كتب التفسير التي طالعها، نحو، ثلاثين كتاباً، ك«تفسير النسفي، والبحر المحيط لابن حيان و…».
ثالثاً: كتب الفقه:
الفقه الحنفي:
أول ما بدأ به شيخنا رحمه الله الفقه الحنفي، فقرأ الكتب الصغيرة، دراسة على أبيه رحمه الله، كالكتاب المعروف ب«مختصر القدوري» للقدوري و«كنز الدقائق» للنسفي، والبحر الرائق شرح كنز الدقائق» لابن نجيم، و «الهداية شرح بداية المبتدئ» للمرغيناني.
ثم بعد ذلك طالع المبسوطات، ك:«المبسوط» للسرخسي، و«شرح فتح القدير» لابن الهمام.
الفقه المالكي: قرأ على أبيه دراسة: «مختصر خليل» كاملاً، ثم طالع: «المدونة الكبرى» كاملة، و«المقدمات الممهدات لبيان ما اقتضته رسوم المدونة» لابن رشد الجد.
كما استفاد استفادة عظيمة من كتاب «بداية المجتهد ونهاية المقتصد» لابن رشد الحفيد، الذي يعد موسوعة فقهية موازنة.
الفقه الشافعي: قرأ الجزء الأول من كتاب: «الأم»، وكامل «الرسالة» للشافعي، دراسة على أبيه رحمه الله، ثم طالع «المجموع» للنووي رحمه الله.
الفقه الحنبلي: طالع فيه: «المغني» لابن قدامة، والشرح الكبير، لعبدالرحمن بن قدامة، ومجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية، كاملة.
علم الفرائض
درس شيخنا الفرائض على الشيخ: واحد بخش رحمه الله، وهو من كبار علماء الفرائض في: «الهند، كما درس، السراجية، على ذهبي العصر العلامة، عبدالرحمن المعلمي رحمه الله.
رابعاً: كتب اللغة: قرأ شيخنا على أبيه كتاب «فقه اللغة» للثعالبي، والصحاح للجوهري، وكان والده يُفضل «الصحاح» على سائر كتب اللغة، ويقول: مرتبته بين كتب اللغة، كمرتبة «صحيح البخاري» بين كتب الحديث.
ثم حثه والده بعد ذلك على حفظ المواد اللغوية، فحفظ «عشرين ألف» مادة تقريباً.
ثم طالع سائر المطولات، ك«لسان العرب» لابن منظور، وقرأه ثلاث مرات، وعلق عليه، وقرأ: «تهذيب اللغة» للأزهري، و«تاج العروس» للزبيدي و«العين» للخليل، و«الجمهرة» لابن دريد، و«مجمل اللغة» لابن فارس، و«النهاية في غريب الحديث» لابن الأثير، و«الفائق» للزمخشري و… كل ما سبق من كتب اللغة قرأها كاملة.
وحثه أبوه رحمه الله على كتاب «مقايس اللغة» لابن فارس، و«أساس البلاغة» للزمخشري.
وأخيراً: ما ذكرته قليل من كثير، ولكن ذكرت بعضها، مرتبة، ومصنفة، وإلا فالشيخ حفظه الله يقول: «مجموع ما يبلغ من الكتب التي طالعت، أو درست، نحو ثمانية آلاف كتاب، من مختلف العلوم».
اللغات التي يتحدث بها الشيخ رحمه الله
الشيخ رحمه الله يجيد لغات شبه القارة الهندية، وخاصة «الأوردية» ويجيد ايضا «الفارسية»، وقد ذكرت من خلال الكلام على نشأته أنه قرأ على جده كتباً فارسية.
رحلاته: كان لشيخنا الكثير من الرحلات الحافلة بالقصص والطرائف العلمية، واستفاد من خلال رحلاته الكثير من الفوائد، كمقابلة العلماء، والمفكرين، والأدباء. كما نسخ خلال رحلاته الكثير من الكتب الخطية، سواء كان النسخ له، أو بطلب من أبيه، كما استفاد من مطالعة الكتب الخطية، ولا سيما المطولات، ومن ذلك مطالعته لكامل كتابي ابن عبدالبر رحمه الله «التمهيد» و«الاستذكار»، قبل ان يراهما عالم المطبوعات ، وطالع كذلك مخطوطة كتاب «الكواكب الدراري».
ومن رحلاته:
السعودية: قدم الى السعودية بطلب من الملك عبدالعزيز رحمه الله، حيث ابرق الى سفارته هناك، وارسل اليه طائرة، وذلك ليكون مدرساً في «الحرم المكي»، وفعلاً قدم الى جدة عام 1367هـ، ومنها الى مكة المكرمة.
مصر: رحل الى مصر وكان معه توصية خطية من أبيه رحمه الله الى محدث مصر في وقته، العلامة أحمد بن محمد شاكر رحمه الله واستضافه في بيته، كما استضافه رئيس جماعة السنة المحمدية: العلامة «محمد حامد فقي رحمه الله في بيته أيضاً.
وفي مصر التقى بالعلماء، وممن لقي هناك المدعو: زاهد الكوثري.
المغرب: رحل إليها، وحل ضيفاً عند شيخه: منتصر الكتاني رحمه الله واستجاز ممن لقيهم، ولقي المحدث: الأصولي: عبدالله بن الصديق الغماري ت«1413هـ» رحمه الله ولم يستجز منه.
ويقول: لقيت الكثير من أصحاب الرواية هناك، ولم استجزهم، لشدة بدعهم، بل وجدت منهم المشعوذين ممن يدّعون الرواية».
شيوخه: لقد أكثر الشيخ من الرحلة والسماع، وتعدد شيوخه من أقطار إسلامية عديدة، وهذا ذكر لبعضهم ممن درس عليهم، أو سمع منهم، أو استجازهم:
والده المحدث: عبدالحق الهاشمي، وهو شيخه الأول، والأخير.
ومن علماء الهند: إبراهيم السِّيالكوني، وعبدالله الروبري، الأمر التسري، وابو تراب محمد عبدالتواب الملتاني، وهو من تلاميذ نذير حسين، وقد قرأ عليه الشيخ ابوتراب «سنن النسائي» كاملة، ثناء الله الأمر تسري، وعبدالحق الملتاني، وكان يدرس كل العلوم.
ومن علماء الحرمين: القاضي أبوبكر بن أحمد بن حسين الحبشي، والعلامة القاضي: حسن مشاط المالكي، والمحدث: عبدالرحمن الافريقي، والعلامة: عبدالرحمن المعلمي، والمحدث: عمر بن حمدان المحرسي، والشيخ: محمد عبدالرزاق حمزة، ومسند العصر: ياسين بن محمد عيسى الفاداني.
ومن علماء مصر: المحدث أحمد بن محمد شاكر، والشيخ: حسنين مخلوف، والعلامة الشيخ محمد حامد فقي.
ومن علماء المغرب: الحافظ: عبدالحي الكتاني، والمسند: منتصر الكتاني.
طلابه: الذين قرءوا على الشيخ واستجازوه كثيرون، منهم من درَّسهم في الحرم المكي، ومنهم من يأتي اليه في خزانته العامرة، وقد ذكرت أبرزهم في ترجمتي له.
إجازة الصاع النبوي
والمدّ النبوي
الشيخ مجاز بهما عن جماعة من شيوخه، وعلى رأسهم والده المحدث عبدالحق الهاشمي، ورأيت في خزانته «المد النبوي» الخاص بوالده رحمه الله، وهو مصنوع من النحاس، وقد نحت عليه من الخارج الإسناد من والده، الى الصحابي الجليل: جابر بن عبدالله رضي الله عنه، الى النبي صلى الله عليه وسلم وكل واحد من رجال الإسناد قاس مده بمد شيخه، الى جابر بن عبدالله رضي الله عنه، الذي قاس مُدّه بمدَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وقد كانت النية بيننا على الإجازة بهذين السندين، بعد إحضار المد والصاع، ولكن حصاد التسويف مر. وإسناد المد النبوي لا يخلو من مقال.
أعماله
عمل مدرساً في «المسجد الحرام» سنين عديدة، وعمل في «مكتبة الحرم»، وشغل رئاسة التصحيح بجريدة «البلاد السعودية، ثم البلاد، والرائد وغيرها».
وأسهم في الصحافة بقلمه نحو خمسين عاماً.
وأخيراً شغل وظيفة مراقب في «وزارة الإعلام» منذ كانت «المديرية العامة للإذاعة والصحافة والنشر»، كما قدم عدة برامج إذاعية، من اشهرها، «حديقة اللغة، وسير الصحابة، وبرنامجه اليومي المعروف «شواهد القرآن»، والذي يبحث في تحليل المواد اللغوية في القرآن الكريم.
مذهبه: من لقبه وشهرته يتبين أنه ظاهري، على مذهب ابن حزم رحمه الله.
علماً بأنه على غير جمود ابن حزم، فيخالفه في بعض المسائل الى رأي الجمهور، ومن ذلك حكم الشرب واقفاً، فالشيخ يرى الكراهة، خلافاً لإمامه ابن حزم، ويقول: «ثبت شرب النبي صلى الله عليه وسلم واقفاً، فيُحمل حديث مسلم على الكراهية التنزيهية».
شعره
الشيخ أبو تراب ممن يقول الشعر ويجيده، وله في ذلك صولات وجولات. وسيأتي ضمن مؤلفاته أن له ديوانين شعريين، هما:
«بث الكث في الغث والرث»، و«لقلقة القمري»
نماذج من شعره:
له قصيدة رائعة بعنوان «هواتف الضمير» يقول في مطلعها:




خلوت إلى نفسي لأسكب عبرتي
فقد آب رشدي في الصيام لتوبتي
رثيت لحالي بعد شيبي وقد جرت
عواصف آثام يُشعِّثن لمتي
وقد ضاع عمري لاهياً لا انتباهة
ولا يقظة من بعد نوم وغفلتي
تقلبت في النعماء دهراً أذوقها
نسيت بها البؤس وذُلِّي وشقوتي
فهل قمت بالشكر الذي كان واجباً
عليَّ وهل جانبت موطن زلتي


وقال في مطلع قصيدته «ابتهال»:



عبد ببابك قد أتى يتذلل
حيث التذلل في جنابك اجمل
عبد أثيم أثقلته ذنوبه
فأتاك يعثر في خطاه ويوجل
ولى له ماض بأوزار غدت
سودا كمثل الليل بل هي أليل
يبكي على ما فاته متحسرا
وسواك ليس له إلهي موئل


خِزانته العلمية
الشيخ مولع بالكتاب، واقتنائه، وبدأ في الشراء منذ وقت مبكرٍ جداً، ولا يزال يسأل عن اخبار الجديد في عالم المطبوعات، ويشتري كل ما يطبع أولاً بأول الى آخر لحظة في حياته رحمه الله.
وآخر احصائية لكتبه تقول: إنّ خزانة أبي تراب الظاهري تبلغ «500 ،16» ستة عشر ألفا وخمسمائة كتابا.
وهي مجموعة علمية ضخمة، ولا سيما اذا عرفنا أنّها ملك لشخص دون غيره، وهي بحق من أكبر المكتبات الشخصية.
ومن خلال التجول في مكتبته أقول:
مكتبة غنية بفنون المعرفة في: الدين، واللغة، والأدب، والتاريخ، والطب، و…
كما يوجد فيها مخطوطات مختلفة، منها أصلية، ومنها ما نسخها إما في «مصر» او غيرها، ويوجد بعض هذه المخطوطات على شرائح ميكروفيلم.
وتحتوي مكتبته على الكثير من الكتب القديمة والنادرة.
كما تحتوي على أكثر من نسخة من بعض الامهات بطبعات مختلفة، واكثر كتبه طبعة اولى.
والكثير من الكتب في «خزانته» لا تخلو من تعليقات كثيرة، إما تعقيب، او تذييل، او تأييد على كلام اهل العلم، تدل على سعة اطلاعه.
وقد طالعت بعضها في: «لسان العرب»، و«القاموس المحيط»، و«الاصابة»..
والشيخ يريد ان تكون «خزانته» بعد موته (وقفاً) على طلاب العلم، هكذا حدثني اكثر من مرة، وكانت امنيته في حياته ان تشتري الدولة لها مقرا في جدة، وتوضع فيه لتكون في متناول طلاب العلم.
وهي بحق خزانة عامرة، وعسى ان يكون في مقالي هذا نداء لمن يلبي أمنيته قريباً ان شاء الله.
إنتاجه العلمي
للشيخ نحو خمسين كتابا، في مختلف الفنون، «الحديث، والسيرة، والتراجم، والنحو، والأدب، والشعر، والنقد» ويلاحظ ان الصبغة الادبية طاغية على تأليفه، كما له تعاليق، ومراجعات على كتب شتى.
وقد طبع من مؤلفاته نحو خمسة وعشرين كتابا، وهذا مسرد موجز عنها، وفي ترجمتي له ذكرت وصفا كاملا لكل كتاب:
1 أدعية «القرآن» و«الصحيحين»، جمع فيه الادعية الواردة في «القرآن الكريم»، و«صحيح البخاري»، و«صحيح مسلم»، طبع بحجم الجيب لسهولة حمله سنة: «1413هـ».
2 آراء المتقدمين في الادب.
3 الاثر المقتفى لهجرة المصطفى صلى الله عليه وسلم نشرته «دار القبلة» «جدة» وطبع سنة: «1404هـ».
4 «اصحاب الصفة»، ظهر منه الجزء الاول «112» صفحة، من الحجم الصغير، وشمل على «95» صحابيا، وطبع سنة: «1404هـ».
5 «اضمامة ذهول العقول فيما رثي به الرسول صلى الله عليه وسلم» «7» صفحات، جمع فيه بعض ما قيل في الباب، اضافة لما ورد في كتابه «ذهول العقول» الآتي، وهو مطبوع بآخره.
6 «اعلام أهل الحاضر برجال من الماضي الغابر»، في التراجم، طبع المجلد الاول منه سنة: «1405هـ»، عن دار القبلة.
7 «الاقاويق».
8 «إلقام الكتاب» لم يطبع.
9 «الأوباد والأسمار».
10 «أوهام الكتاب» طبع الجزء الاول سنة: «1403هـ».
11 «بث الكث في الغث والرث» ديوان شعره في مجلدين ضخمين، ولم يطبع.
2 1 «تأنيس من أقبل على القربات».
13 «التحقيقات المعدة بحتمية ضم جيم جدة»، له القسم الثالث منها، طبع سنة: «1385هـ».
14 تخريج: «مسند أبي يعلى الموصلي».
15 تخريج: «منتقى ابن الجارود».
16 «تذكرة المتزود».
17 «تفسير التفاسير».
18 «تفسير ما يخفي من كلمات القرآن»، تحت التأليف، وهو آخر ما كان رحمه الله يكتب فيه، ابتدأه في: «7/10/1422هـ» ولم يتمه.
19 «تناقض الفقهاء» لم يطبع.
20 حاشية على: «المنتقى» لابن الجارود لم يطبع.
21 «الحديث والمحدثون» مطبوع.
22 «الحواضر والخواطر».
23 «دلائل النبوة للبيهقي»، علق على الجزء الاول.
24 «ذهول العقول بوفاة الرسول صلى الله عليه وسلم»، نشرته دار القبلة، عام «1404هـ، ويقع في «186» صفحة، من الحجم العادي.
25 «سرايا رسول الله صلى الله عليه وسلم»، نشرته: «تهامة» بجدة، ويقع في «549» صفحة، من الحجم العادي، طبع عام «1404هـ». ووضع الشيخ في آخره، فهرسا بتعقباته على من سبقوه، بلغت «123»، ما بين تعقيب، واستدارك، وتصحيف، ووهم، وتعليق، وخطأ لغوي، وفائدة، وتوجيه، وتنبيه.
وهو كتاب جليل، حافل بالتعليقات، والنقد، فضلا عن كثرة النقول في الموضوع.
قال الشيخ، الاديب: علي الطنطاوي رحمه الله في تقريظه لهذا الكتاب:
«هو خزانة علم، يجب ان يكون في كل بيت» أ.هـ.
26 «سير الصحابة»، ويقع هذا الكتاب في «اثني عشر» مجلدا بخطه، وهو في اصله برنامج كان يقدمه في «الاذاعة»، ثم توقف عنه.
27 «شواهد القرآن»، وهو من أعجب كتبه، وأمتعها، وهو في أصله برنامج يومي يقدمه في الاذاعة، ولم يكمل، وقد بلغ فيه الى المجلد السادس، وطبع منه المجلد الاول سنة: «1404هـ»، والمجلد الثاني سنة: «1409هـ».
28 «صفة الحجة النبوية»، طبع سنة: «1404هـ.
29 «الغزوات الأربع: بني قريظة بني النظير خيبر بني قينقاع» مطبوع.
30 «فتكات الأسد في مقاعد القتال بأحد» «229» صفحة، من الحجم العادي، نشرته «دار القبلة»، طبع سنة: «1405هـ».
31 «فصل أهل البيت وحقوقهم»، لشيخ الاسلام ابن تيمية، قدم له، وعلق عليه، وذلل عليه بأحاديث، ويقع في: «161» صفحة، من الحجم الصغير، نشرته : «دار القبلة»، سنة: «1405هـ».
32 «قوانين التصريف والعوامل النحوية»، طبعته «مطابع سحر»، سنة: «1416هـ».
33 «قيد الصيد»، طبع سنة: «1402هـ».
34 «كبوات اليراع»، طبع الجزء الاول سنة «1402هـ».
35 «كيف حج رسول الله صلى الله عليه وسلم» مطبوع.
36 «لجام الأقلام»، طبع في «تهامة»، عام: «1402هـ».
37 «لقلقة القمري»، ديوان شعر، لم يطبع.
38 «ما لقي رسول البرايا صلى الله عليه وسلم من الأذايا والبلايا»، نشرته «دار القبلة»، بدون تاريخ طبع، ولم يصدر منه سوى الجزء الاول فقط في «108» صفحة، من الحجم العادي.
39 «المستدرك».
40 «المنتخب من الصحيحين» جزء واحد، نشرته «دار القبلة».
41 «منتخب الصحيحين للنبهاني»، علق عليه، والنبهاني هو: يوسف بن اسماعيل النبهاني، وهو مطبوع.
42 «الموزون والمخزون»، نشرته: «تهامة»، سنة: «1402هـ».
43 «النحو والنحاة».
44 «الهوامش والتعليقات».
45 «وفود الاسلام»، طبع سنة: «1404هـ.
كما راجع الكثير من الكتب، منها:
«الرواة الذين وثقهم الإمام الذهبي في ميزان الاعتدال»، لمحمد شحاذة الموصلي، طبع سنة: «1406هـ».
اضافة الى مشاركاته في: «التلفاز»، و«الاذاعة»، و«الاندية الأدبية»، و«المجلات»، و«الصحف»، وهي مشاركات علمية وأدبية، ومن ذلك برنامج قدم في التلفزيون عن «مادة الضحك في اللغة والأدب».
الكتب التي نسخها بيده
استفاد شيخنا رحمه الله أثناء رحلاته في أمور عدة، منها قيامه بنسخ الكثير من الكتب، إما له، أو بطلب من أبيه، ومما نسخه بيده: «المصنف» لعبد الرزاق، و«المصنف» لابن ابي شيبة، كاملين، و«انتقاض الاعتراض» للحافظ، كاملا، وهو رد الحافظ ابن حجر رحمه الله، على العيبي في شرحه للبخاري: «عمدة القاري»، و«المعجم» للطبراني، والجزء الاول من كتابي ابن عبد البر: «التمهيد»، و«الاستذكار»، ونسخ أجزاء من كتاب «العلل» للدار قطني.
ثناء من عرفوه
قال عنه محدث الديار المصرية، الشيخ: احمد بن محمد شاكر رحمه الله:
«هو بارقة في علم الحديث، والرجال، ناقد ذو فهم» أ.هـ.
وقال عنه الشيخ الباقوري:
«العلم ملء إهابه، والأدب يمشي في ركابه».
وقال عنه فضيلة الشيخ عبد الله بن عبد الغني خياط، امام وخطيب: «المسجد الحرام»، وعضو «هيئة كبار العلماء»، و«مجمع الفقه الاسلامي» رحمه الله:
«هو نادرة هذا الزمان في: اللغة، والحديث، والفقه» أ. هـ.
وقال أبو عبدالرحمن بن عقيل الظاهري:
«هو مهر سباق، لا يبارى» أ.هـ.
كما أثنى عليه غيرهم من: العلماء، والأدباء، والمفكرين، أمثال:
عبد الرحمن المعلمي في مقدمة تحقيق «الإكمال» «1/50»، ومحمد عبد الرزاق حمزة، ومحمد نصيف، ومحمد سرور صبان، وحمد الجاسر، وعبد القدوس الانصاري، واحمد محمد جمال، وعبد العزيز الرفاعي، و…
ما تميز به الشيخ
ان كان لشيخنا باع في الحديث، والفقه، والتاريخ، والنحو، و.. الا ان علم «اللغة العربية» هو الذي تميز به من بين معاصريه، وهذا ما اشتهر به، ومؤلفاته ومقالاته وبرامجه الاذاعية تشهد بذلك، ولا أعلم ان احدا مثله في عصرنا في اللغة وعلومها، لا في الشعر والأدب، ولا النحو والصرف، ولا اللغة وفقهها. بل تميز الشيخ بكثرة استخدام شوارد اللغة وغريب الألفاظ، حتى انه ليكتب الرسالة الواحدة، ولا يستطيع أحد قراءتها من غير الرجوع الى معاجم اللغة الموسعة.
كل يؤخذ من قوله ويرد
كان للشيخ رحمه الله بعض المسائل قال فيها بقول ابن حزم رحمه الله، فسبب ذلك فجوة بينه وبين بعض معاصريه، وهذا نابع من انتسابه للمذهب الظاهري، في وقت لا نجد من ينتسب اليه، والشيخ يعلن ذلك، بل اختار لنفسه هذا الاسم: «أبو تراب الظاهري»، ولا يعرف الا به.
ومعروف لدينا نظر العلماء قديما وحديثا الى هذا المذهب، بل قد وسمه بعضهم بالشذوذ، ولم يعدوا خلاف ابن حزم رحمه الله في المسائل الإجماعية خرقا للإجماع، بل مر زمن حرقت فيه مؤلفاته، واكثر العلماء من الرد عليه، والقسوة عليه، اما في حياته، او بعد مماته، والى وقتنا هذا.ولاشك في ان ابن حزم امام مجتهد، من ائمة الدنيا، ومن نوادر ما عرف الزمان في العقل، والعلم، وكان يتوقد حكمة، وذكاء. ولعل من اشد ما اغضب الناس عليه، هو تشدده في القول بالظاهر، وتشدده في الرد على خصومه، ولا سيما: أبي حنيفة، ومالك رضي الله عنهما، بل اشتد النكير عليه، عندما قال عن الإمام: أبي عيسى، محمد بن سورة، الترمذي، صاحب: «السنن»: «مجهول»!.
ويعلم الله بأني لم ارد التنقص من قدر ابن حزم رحمه الله، فهو كما قلت من أئمة الدنيا، ولكن سقت هذا الكلام لأبين نظرة الناس اليه، ومن ثم نعلم سبب انتقاد بعض معاصري أبي تراب لانتسابه لهذا المذهب.
ولكن عند مجالسة الشيخ «أبي تراب»، ومناقشته في بعض المسائل يتبين أنه لا يقول بالظاهرية جملة وتفصيلا، بل يخالف ابن حزم في بعض المسائل. كما انه ذهب الى ما ذهب اليه عن اجتهاد، فإن اصاب فله اجران، وإن أخطأ فله أجر.
ولا أظن ان الخلاف في الفروع، يبرر الوقوع في أعراض المسلمين.
قصة وفاته
الشيخ مع كبر سنه، إلا أنّه قليل الحركة، بسبب اعتكافه في «خزانته»، وقد تعب في آخر حياته جدا، وتوالت عليه الامراض بسبب الشيخوخة، وفي صباح يوم السبت الموافق 21/2/1423هـ طلب من خادمه مساعدته للوضوء، وقد احس ببطء في حركته، وبعد عودته الى فراشه، شعر بأن قدميه توقفتا عن الحركة، بعدها لفظ أنفاسه الاخيرة، قابضا بأصابع كلتا يديه مشيرا بالسبابة، على الهيئة المعروفة عند ذكر الحي الذي لا يموت سبحانه. عندها اتصل الخادم بأخي الاستاذ علي الشمراني، والذي أحضر الطبيب، فأخبرهم بوفاة الشيخ رحمه الله.
وقد صلي عليه فجر يوم الاحد، ودفن بمقبرة المعلاة بمكة المكرمة.
وهكذا سقطت السارية العتيقة، والتي كبرت وارتفعت حتى أدركت أكثر من عصر.
نعم.. سقطت سارية عاشت في غير وقتها.
و«إن العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول الا ما يرضي ربنا، وإنا بك يا أبا تراب لمحزونون»، ولا حول ولا قوة إلا بالله، الحي الذي لا يموت.
ملامح من سيرته
كان رحمه الله محباً للمجالسات، والمذاكرات العلمية، وهذا أهم ما يميزه.
كثير القراءة، ومتابع لأخبار الكتب، وكان كثيرا ما يتصل بي في «الرياض» ليسألني عن الجديد، فاشتريه له.
اذا غضب، فانه سرعان ما ينسى ويتسامح.
يحب سماع الفوائد العلمية، ولو ممن هم اصغر منه سنا، وأقل منه علما.
محب لطلاب العلم.
كريم جدا، ولا يرد لأحد طلبا.
محب للمزاح، والضحك، وقد سمعت منه قصصا طريفة، وغريبة، من اخبار المحدثين، او من نوادر الفقهاء، او من بلاهات المخرفين، وعندي من ذلك طرائف وغرائب.
كان يحب البسطون العكاز ويعدد في أشكاله، وألوانه، وجمع منه عددا.
كان له ثلاثة من الرفقة في آخر حياته، لا يملهم، ولا يملونه، وهم: أخي الاستاذ علي بن محمد الشمراني، موظف رسمي، والسيد: أحمد بن عمر البيتي، رجل أعمال، والكابتن الطيار: عمر بن محمد البيتي، في الخطوط السعودية، وكان الاول، يساعده بانجاز أعماله ومراجعاته، اما الثاني فكان يرافقه في سفراته العلاجية، مرافقا ومترجما.
ومن رفقائه القدماء والدنا الأستاذ: عبد الله بن عمر خياط، الكاتب المشهور، وصاحب «مطابع سحر» وكان كثير الثناء على معالي الاستاذ: مصطفى ادريس الذي وقف معه في بعض ازماته الدنيوية.
الجدير بالذكر أنّ «أبا تراب» ابن المحدث السلفي، الكبير: عبد الحق الهاشمي، المكي «1302 1394هـ»، صاحب المصنفات العديدة في: التفسير، والحديث، والفقه، ورأيت جلها بخطه، في مكتبة ابنه، منها: ثبت بمروياته كبير، وصغير، واقامة الدليل على أنّ اختلاف الأئمة في التحريم والتحليل لا يوجب التضليل، والتعليق الربيح على أبواب الجامع الصحيح، وتفسير القرآن والسنة، والحجر البقي لكسر الجوهر النقي، وخروج المكي الى الحرم، ورجال الموطأ والصحيحين، وشرح صحيح البخاري، وفتح العلي الخبير في شرح المسند الحنبلي الكبير، وفهارس مسند الامام احمد، وقمر الاقمار بما في البخاري من الأحاديث والآثار، ولب الألباب في تحرير التراجم والأبواب «على أبواب صحيح البخاري»، والمسند على الصحيحين، ومصنف الصحيحين، ووضع اليد بعد الركوع.

عبد الله بن محمد الشمراني
الرياض: ص . ب 103871 الرمز: 11616
shamrani45@hotmail.com

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قال أبوعبدالرحمن : جزاك الله خيراً الجزاء على هذه الترجمة الطيبة الكريمة لشيخنا العلامة أبي تراب الظاهري رحمه الله تعالى وأسكنه فسيح جناته مع النبين والصديقين والشهداء ،وارض عنه يارب العالمين . واذكرك بالقول : ما المانع أن يكون ظاهريا ويرد على ابن حزم وغيره ، فإن أبرز سمات الاخذ بالظاهر والإتباع ترك التعصب والتبعية والتقليد الاعمى .