Page 3 of 11

درة عزيزة من درر الشيخ أبي غدة رحمه الله تعالى

بسم الله الرحمن الرحيم

بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين وبعد
فقد ذكر الشيخ المحقق عبد الفتاح أبو غدة رحمه الله فائدة عزيزة في كتابه ((خمس رسائل في علوم الحديث)) ص 52, فقال:
قال ابن الأثير في ((النهاية)) 3:187 في (عجم):
((المعجم حروف أ ب ت ث, سميت كذلك من التعجيم. وهو إزالة العجمة)). انتهى.
قلت: وهي حروف الهجاء التي يركب منها الكلام, ويقال لها أيضا: حروف التهجي, والتهجية, وسميت حلاوف الهجاء لتقطيعها, لأن الهجاء تقطيع اللفظة إلى حروفها والنطق بالحروف مع حركاته. وسميت حروف المعجم أيضا من الإعجام, وهو إزالة العجمة والاسبهام عنها بالنقط لبعضها والإغفال لبعضها, وهي 28 حرفاً كما هو معلوم.
قال: ويتفق ترتيبها بين المشارقة والمغاربة حتى الزاي, ثم يختلف فيكون ترتيبها عند المشارقة بعد الزاي:
س ش ص ض ط ظ ع غ ف ق ك ل م ن ه و ي,
وعند المغاربة بعد الزاي:
ط ظ ك ل م ن ص ض ع غ ف ق س ش ه و ي,
والحافظ ابن عبد البر رحمه الله رتب أحاديث ((الموطأ)) عن شرحها في ((التمهيد)) على أسماء شيوخ الإمام مالك, بترتيب حروف الهجاء أو المعجم عند المغاربة, وكذكل رتب أسمائهم لسياقة حديثهم في ((تجريد التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد)), ولكن الأستاذ حسام الدين القدسي رحمه الله تعالى, لما طبع ((التجريد)) غير الترتيب فيه إلى ترتيب المشارقة, في أسملء شيوخ مالك, فأخطأ ووقع له من ذلك اضطراب, حتى حكم على النسخة المخطوطة بالنقص! وهي تامة انظر من ((التجرد)) ص 3 و 56.
وترك الأستاذ حسام الدين ترتيب ((باب الكنى فيمن لا يوقف على اسمه)) ص 239 كما هو على ترتيب المغاربة, فأحسن. وذلك أن تغير الترتيب الذي أسس المؤلف كتابه عليه في مثل هذا –كابن عبد البر مثلا-, يفضي إلى أن تختل الإحالات فيه.
فإذا أحال المؤلف مثلا في حرف السين أو الشين أو العين أو الغين المتأخرة في ترتيبه, إلى ما تقدم في ترتيبه في حرف الميم مثلا, فقال: وقد تقدم هذا فيما سبق, وغُير الترتيب فجعل على ترتيب المشارقة, صارت الإحالة غير صحيحة, لأن المحال إليه صار بعد المحال منه, فلذا ينبغي ابقاء الترتيب على ما هو, حتى لا تفسد الإحالات, أو إاذا غُير الترتيب فيجب التنبيه عليه في التقدمة للكتاب, ويجب تعيين موضع كل \غحالة تشير إلى متقدم وقد صار متأخرا, حتى لا يتناقض كلام المؤلف, ولا يتيه القارئ أو المراجع.
وقد سلك الحافظ ابن عبد البر في كتابه ((الاستيعاب في معرفة الأصحاب)), في إيراد أسماء الصحابة, ترتيب الحروف عند المغاربة. فغير المحقق الأستاذ محمد علي البجاوي رحمه الله تعالى الترتيب إلى ترتيب المشارقة, فوقع له ذلك الخطأ نفسه في الطبعة التي حققها وطبعة في مطبعة نهضة مصر سنة 1380, ثم صورت عنها في بيروت.
بعد هذا أعود إلى لفظ (حروف المعجم), قال غمام العربية والتصريف أبو الفتح عثمان بن جني –بسكون الياء معرب كِنّي, وليس منسوباً إلى الجن-, الموصلي رحمه الله تعالى, في كتابه العُجاب ((سر صناعة الإعراب)) 1: 33-44 م خلاصته:
((قولهم (حروف المعجم), (المعجم) هنا مصدر بمنزلة الإعجام, كما تقول أدخلته مدخلاً, وأخرجته مخرجاً, أي إدخالا وإخرجاً, وفي قراءة بعض القراء: ((ومن يهن الله فما له من مُكرَم)) بفتح الراء, أي من إكرام, فكأنهم قالوا: هذه حروف الإعجام. –فلفظ (المعجم) هنا: مصدر ميمي رباعي-.
وهذا التوجيه أشد وأصوب من أن يذهب إلى أن قولهم: (حروف المعجم) بمنزلة قولهم: (صلاة الأولى) و(مسجد الجامع), لأن معنى ذلك: صلاة الساعة الأةلى, ومسجد اليوم الجامع, فالأولى غير الصلاة في المعنى, والجامع غير المسجد في المعنى أيضاً, وإنما هما صفتان حذف موصوفهما, وأقيمتا مقامهما.
وليس كذلك (حروف المعجم), لأنه ليس معناه حروف الكلام المعجم, ولا حروف اللفظ المعجم, وإنما المعنى أن الحروف هي المعجمة, فصار قولنا: (حروف المعجم) من باب إضافة المفعول إلى المصدر, كقولهم: هذه مطية ركوب, أي من شأنها أن تركب, وهذا سهم نضال أي من شأنه أن يناضل به, وكذلك (حروف المعجم) أي من شأنها أن تعجم.
فإن قيل: إن مادة (عجم) إنما وقعت في كلام العرب للإبهام والإخفاء ضد البيان والإفصاح: من ذلك قولهم: رجل أعجم, وامرأة عجماء, إذا مانا لا يفصحان ولا يبينان كلامهما, وأنت إذا قلت: أعجمت الكتاب, فإنما معناه أوضحته وبينته.
فالجواب أن قولهم (أعجمت) وزنه (أفعلت), وأفعلت هذه وإن كانت في غالب أمرها, إنما تأتي للإثبات والإيجاب –نحو أكرمت زيداً, أي أوجبت له الكرامة وأحسنت إليه أثبت الإحسان إليه- فقد تأتي (أفعلت) أيضاً يراد بها السلب والنفي, وذلك نحو أشكيت زيدا, أي زُلت له عما يشكوه أو أزلت شكايته, فالهمزة هنا للسلب. فكذلك يكون قولنا: أعجمت الكتاب أي أزلت عنه استعجامه.
وقد قالوا أيضاً: عجّمت الكتاب, بتضعيف الجيم, للسلب أيضاً, كما جاءت أفعلت. ونظير عجمت في النفي والسلب قولهم: (مرّضت الرجل) أي داويته ليزول مرضه, و(قذّيت عينه) أي أزلت عنه القذى, وإن كانت (فعلت) في أكثر الأمر للإيجاب. نحو علّمته, وقدّمته, وأخرته, وبخّرته أي أوصلت هذه الأشياء إليه.
فإن قيل: إن جميع هذه الحروف ليس معجما, إنما المعجم بعضها, ألا ترى أن الألف والحاء والدال ونحوها ليس معجما, فكيف استجازوا تسمية جميع هذه الحروف حروف المعجم؟
قيل: إنما سميت بذلك لأن الشكل واحد إذا اختلفت صوره, فأعجمت بعضها وتركت بعضها, فقد علم أن المتروك بغير إعجام هو غير ذلك المعجم, فقد ارتفع بهذا الإشكال والاستبهام عنهما جميعاً.
ألا ترى أنك إذا أعجمت الجيم بواحدة من أسفل, والخاء واحدة من فوق, وتركت الحاء غفلاً, فقد علم بلإغفالها انها ليست واحدة من الحرفين الآخرين, أعني الجيم والخاء, وكذلك الدال والذال, والصاد والضاد وسائر الحروف, فلما استمر البيان في جميعها, جازت تسميتها بحروف المعجم)). انتهى. ونقله العلامة ابن منظر باختصاره في كتابه ((لسان العرب)) في (عجم), وأقره.
هذا, ويخطئ بعضهم فيعبرر عن (حروف المعجم), بقوله: (حروف أبجد هوز), فيقول مثلا: وسلكت في ترتيبه على حروف أبجد هوز, وهو يقصد حروف المعجم أ ب ت ث ج…., فيخئ إذ هما متغايران تماماً, فاعلم ذلك.))
انتهى كلام الشيخ رحمه الله تعالى ولا يخفى ما فيه من درر.

من حكم ونصائح ابن حزم الظاهري رضي الله عنه

بسم الله الرحمن الرحيم

من حكم ابن حزم الظاهري رضي الله عنه
من كتاب مداواة النفوس
مداواة النفوس وإصلاح الأخلاق
ووجدت للعمل للآخرة سالما من كل عيب خالصا من كل كدر موصلا إلى طرد الهم على الحقيقة ووجدت العامل للآخرة إن امتحن بمكروه في تلك السبيل لم يهتم بل يسر إذ رجاؤه في عاقبه ما ينال به عون له على ما يطلب وزايد في الغرض الذي إياه يقصد
لا مروءة لمن لا دين له
=====================
العاقل لا يرى لنفسه ثمنا إلا الجنة
العقل والراحة
وهو اطراح المبالاة بكلام الناس واستعمال المبالاة بكلام الخالق عز وجل بل هذا باب العقل والراحة كلها من قدر أنه يسلم من طعن الناس وعيبهم فهو مجنون من حقق النظر وراض نفسه على السكون إلى الحقائق وإن آلمتها في أول صدمة كان اغتباطه بذم الناس إياه أشد وأكثر من اغتباطه بمدحهم إياه لأن مدحهم إياه إن كان بحق وبلغه مدحهم له أسرى ذلك فيه العجب فأفسد بذلك فضائله وإن كان بباطل فبلغه فسره فقد صار مسرورا بالكذب وهذا نقص شديد وأما ذم الناس إياه فإن كان بحق فبلغه فربما كان ذلك سببا إلى تجنبه ما يعاب عليه وهذا حظ عظيم لا يزهد فيه إلا ناقص وإن كان بباطل وبلغه فصبر اكتسب فضلا زائدا بالحلم والصبر وكان مع ذلك غانما لأنه يأخذ حسنات من ذمه بالباطل فيحظى بها في دار الجزاء أحوج ما يكون إلى النجاة بأعمال لم يتعب فيها ولا تكلفها وهذا حظ عظيم لا يزهد فيه إلا مجنون
فالسعيد من أنست نفسه بالفضائل والطاعات ونفرت من الرذائل والمعاصي والشقي من أنست نفسه بالرذائل والمعاصي ونفرت من الفضائل والطاعات
طالب الآخرة ليفوز في الآخرة متشبه بالملائكة وطالب الشر متشبه بالشياطين وطالب الصوت والغلبة متشبه بالسباع وطالب اللذات متشبه بالبهائم وطالب المال لعين المال لا لينفقه في الواجبات والنوافل المحمودة أسقط وأرذل من أن يكون له في شيء من الحيوان شبه ولكنه يشبه الغدران التي في الكهوف في المواضع الوعرة لا ينتفع بها شيء من الحيوان فالعاقل لا يغتبط بصفة يفوقه فيها سبع أو بهيمة أو جماد وإنما يغتبط بتقدمه في الفضيلة التي أبانه الله تعالى بها عن السباع والبهائم والجمادات وهي التمييز الذي يشارك فيه الملائكة فمن سر بشجاعته التي يضعها في غير موضعها لله عز وجل فليعلم أن النمر أجرأ منه وأن الأسد والذئب والفيل أشجع منه ومن سر بقوة جسمه فليعلم أن البغل والثور والفيل أقوى منه جسما ومن سر بحمله الأثقال فليعلم أن الحمار أحمل منه ومن سر بسرعة طالب الآخرة ليفوز في الآخرة متشبه بالملائكة وطالب الشر متشبه بالشياطين وطالب الصوت والغلبة متشبه بالسباع وطالب اللذات متشبه بالبهائم وطالب المال لعين المال لا لينفقه في الواجبات والنوافل المحمودة أسقط وأرذل من أن يكون له في شيء من الحيوان شبه ولكنه يشبه الغدران التي في الكهوف في المواضع الوعرة لا ينتفع بها شيء من الحيوان فالعاقل لا يغتبط بصفة يفوقه فيها سبع أو بهيمة أو جماد وإنما يغتبط بتقدمه في الفضيلة التي أبانه الله تعالى بها عن السباع والبهائم والجمادات وهي التمييز الذي يشارك فيه الملائكة فمن سر بشجاعته التي يضعها في غير موضعها لله عز وجل فليعلم أن النمر أجرأ منه وأن الأسد والذئب والفيل أشجع منه ومن سر بقوة جسمه فليعلم أن البغل والثور والفيل أقوى منه جسما ومن سر بحمله الأثقال فليعلم أن الحمار أحمل منه ومن سر بسرعة عدوه فليعلم أن الكلب والأرنب أسرع عدوا منه ومن سر بحسن صوته فليعلم أن كثيرا من الطير أحسن صوتا منه وأن أصوات المزامير ألذ وأطرب من صوته فأي فخر وأي سرور في ما تكون فيه هذه البهائم متقدمة عليه لكن من قوي تمييزه واتسع علمه وحسن عمله فليغتبط بذلك فإنه لا يتقدمه في هذه الوجوه إلا الملائكة وخيار الناس قول الله تعالى ) وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى ( جامع لكل فضيلة لأن نهي النفس عن الهوى هو ردعها عن الطبع الغضبي وعن الطبع الشهواني لأن كليهما واقع تحت موجب الهوى فلم يبق إلا استعمال النفس للنطق الموضوع فيها الذي به بانت عن البهائم والحشرات والسباع.

كيف تتعلم البحث

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وصحبه أجمعين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.

أما بعد: فيقول الله سبحانه وتعالى: ﴿أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى إنما يتذكر أولو الألباب﴾(1).

وروى البخاري ومسلم في «صحيحيهما»: عن معاوية -رضي الله عنه-، عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أنه قال: «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين». ورويا في «صحيحيهما»: عن عبدالله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالما اتخذ الناس رءوسا جهالا، فسئلوا، فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا?».

وفي حديث أنس المتفق عليه، وحديث أبي هريرة المتفق عليه أيضا: أن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ذكر من أمارات الساعة: «رفع العلم، وظهور الجهل»، أو بهذا المعنى.

ونحن في هذا الزمن قد وقع ما أخبر به النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- من ظهور الجهل وتفشيه، حتى إنه أصبح كثير من المسلمين لا يميز بين العالم والمنجم، بل لا يميز بين المسلم والشيوعي، وكل هذا بسبب بعد المسلمين عن تعلم كتاب الله وسنة رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-.

إذا عرفت هذا، -ومعرفته بإذن الله تعالى نافعة للباحث- أعني أن الباحث إذا نظر إلى أحوال المسلمين وإلى حاجتهم، ونظر إلى تفشي الجهل، أنه يحتسب الأجر والثواب ويصبر، فإن طلب العلم يحتاج إلى صبر، ورضي الله عن عبدالله بن عمر إذ يقول: قل لطالب العلم يتخذ نعلين من حديد(2). وكذا يحيى بن أبي كثير -رحمه الله تعالى- يقول لولده عبدالله: لا يستطاع العلم براحة الجسم. ذكره الإمام مسلم في (كتاب الصلاة).

أما إذا لم يصحب الشخص الصبر والاحتساب فإنه يوشك أن يمل، ويسأم، بل ربما إذا حصل على فائدة وأخرجها للمسلمين، ولم ير المسلمين يتقبلونها، ربما يحمله ذلك على أن يترك، كما حصل لغير واحد من المتقدمين، ورب شخص يحرق كتابه، وآخر يدفن كتبه، إما لخلل في كتبه، وإما لعدم إقبال الناس عليها، كما قال بعضهم:

غزلت لهم غزلا نسيجا فلم أر لغزلي نساجا فكسرت مغزلي

فالشخص الذي لا يصبر ولا يحتسب ربما تأخذه السآمة، ويأخذه الفتور، سيما ونحن في مجتمع وعصر لا يشجع على العلم.

فرب ولد محب للعلم يحول بينه وبين العلم والده الجاهل، ورب شخص محب للعلم يحول بينه وبين العلم أهله الجاهلون، فمجتمعنا لا يشجع على العلم، لكن ينبغي أن نصبر، وأن نحتسب، ولا نبالي، فرب العزة يقول في كتابه الكريم: ﴿ياأيها الذين ءامنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون﴾(3).

ويقول سبحانه وتعالى: ﴿وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا﴾(4).

فطالب العلم لابد أن يصبر، حتى وإن تراكمت عليه الأمور والمشاكل، ووجد ضيقا في صدره، وربما يكلف نفسه من الحفظ ومن الاهتمام بطلب العلم، حتى يجد قسوة في قلبه، فلا ينبغي أن يثنيه عن هذا، فالشيطان لا يريد لك الخير، يريد أن يصرفك عن طلب العلم لأن طلب العلم في هذا الزمن أعظم حصن بإذن الله تعالى، يقيك من الفتن، فهو يعتبر حصنا حصينا، كما أن الذكر يعتبر حصنا حصينا، فكذلك العلم في هذا الزمن.

والذي ننصح به طالب العلم والمحب لسنة رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أن يأخذ من اللغة العربية ما يستقيم به لسانه، وما يعرف به ارتباط المعاني، فإن القرآن الكريم كما وصفه الله سبحانه وتعالى بقوله: ﴿قرءانا عربيا غير ذي عوج﴾(5) وسنة رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عربية.

كما ننصحه أن يتعلم الخط والإملاء، فإنه ينبغي أن يؤهل نفسه للتحقيق والتأليف، والرد على المنحرفين، سواء كان في صحافة، أو في إذاعة، أو كان في كتب عصرية. ينبغي أن تكون همته عالية كما قال الشاعر:

فكن رجلا رجله في الثرى وهامة همته في الثريا

ومن رزقه الله فهما وحفظا، ثم قصر في نفسه، وفي طلب العلم، فقد حرم خيرا كثيرا، كما ذكره الحافظ الخطيب -رحمه الله تعالى- في كتابه «الفقية والمتفقه».

إذا أخذ من اللغة العربية ما يستقيم به لسانه، ويمكن أن يكتفي «بقطر الندى» وأخذ من الخط ما يفهم لأن الخط عبارة عن نقوش اصطلح عليها الناس للتفاهم، فإذا كان خطه يقرأ، وقد عرف الإملاء، ولو أن يفهم «المفرد العلم» من أجل أن يعرف أصحاب المطابع الخط، ويعرف الناس الآخرون إذا أراد أن يكتب. والمنحرفون يعيرون أصحاب المساجد، يقولون: لا يستطيع أحدهم أن يكتب اسمه، أو لا يستطيع أن يكتب إلى أبيه أو إلى قريبه، ينبغي أن نقطع ألسنتهم، والكتابة مما امتن الله سبحانه وتعالى بها، قال الله سبحانه وتعالى: ﴿ن ? والقلم وما يسطرون?﴾(6) وقال سبحانه وتعالى: ﴿اقرأ باسم ربك الذي خلق ? خلق الانسان من علق ? اقرأ وربك الأكرم ? الذي علم بالقلم ? علم الإنسان ما لم يعلم?﴾(7).

وينبغي أن يحرص كل الحرص على تكوين مكتبة، فإن وجد علماء يثق بهم من علماء السنة، فننصحه أن يجلس إليهم، فرب جلسة عند عالم، خير من قراءة شهر، ويحرص على مجالستهم، فإذا لم يكونوا في بلده ينبغي أن يرحل إليهم، والرحلة مشروعة، ونبينا محمد -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يرغب في الرحلة في طلب العلم، والصحابة رضوان الله عليهم كان أحدهم يرحل في المسألة الواحدة، فالإمام البخاري -رحمه الله تعالى- قال: باب الرحلة في العلم، في كتاب العلم من «صحيحه» ثم ذكر حديث الرجل الذي أتى يسأل رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عن امرأة سوداء زعمت أنها أرضعته وأرضعت امرأته.

وفي «الأدب المفرد» للبخاري: أن جابر بن عبدالله رحل من أجل حديث واحد إلى عبدالله بن أنيس إلى الشام، فلما حدثه به رجع.

وقد ألف الخطيب -رحمه الله تعالى- كتابا في الرحلة، فإن تيسر له أن يرحل إلى أهل العلم، ويجالس أهل العلم، فمجلس واحد ربما يكون خيرا من قراءة شهر، ويا سبحان الله لا تزال عبارة علمائنا الذين سمعنا منهم واستفدنا منهم، في أذهاننا إلى الآن فجزاهم الله خيرا، فلا أزال أذكر من شيخنا محمد بن عبدالله الصومالي -حفظه الله تعالى-: إذا رأيت شعبة عن عمرو فهو ابن مرة، وإذا رأيت سفيان عن عمرو فهو ابن دينار، وإذا رأيت عبدالله بن وهب عن عمرو فهو ابن الحارث، وهكذا إذا جاء سفيان في السند في «صحيح مسلم» في الثالث أي: بينه وبين مسلم اثنان، قال: في الغالب بأنه سفيان الثوري، وإذا جاء في «صحيح مسلم» بينه وبين مسلم واحد، قال: فالغالب أنه سفيان بن عيينة. لا أزال أذكر مثل هذه الفوائد التي استفدناها منه حفظه الله تعالى، تلقين الشيخ له أثر لا سيما الشيخ الذى يعمل لله ويعلم لله، أما الشيخ المستأجر الذى يدرس بأجرة فالفائدة قليلة، فقد كنا في الجامعة الإسلامية، وبعض المشايخ يشرح الدرس حتى كأننا نشاهد الألفاظ بأعيننا، ونخرج بسبب عدم الثقة في الشيخ فلا نستفيد الفائدة التي ينبغي أن تستفاد.

فإن لم يتيسر له الحضور عند المشايخ ومجالستهم، فننصحه بتكوين مكتبة، والحمد لله الوجادة من طرق التحمل التي أجازها علماؤنا المتقدمون على الصحيح، يكون مكتبة من كتب السنة، ومن كتب الرجال، ومن كتب العقيدة، ومن كتب الفقه، ومن كتب التفسير، ينبغي أن يحرص كل الحرص على أن لا يترك كتابا من كتب المراجع الإسلامية إلا ويكون موجودا في مكتبته بحسب القدرة والطاقة، والفائدة الواحدة من الكتاب تساوي الدنيا عند الذي يعرف قدر العلم، وعند من أصبح العلم أحب إليه من ماله وولده والناس أجمعين، كما قاله شعبة في حديث تعب في الرحلة من أجل أن يتحصل عليه، وانتهى به الأمر إلى أن الحديث من طريق شهر بن حوشب، فقال: أفسده علي شهر، ولو صح هذا لكان أحب إلي من أهلي ومالي وولدي والناس أجمعين. أو بهذا المعنى. ذكر هذا الإمام الخطيب في كتابه «الرحلة» وكتابه «الكفاية» وذكر بعضه ابن أبي حاتم في مقدمة «الجرح والتعديل(8)» في ترجمة شعبة. فالفائدة الواحدة عند المحب للعلم والذي يعرف قدر العلم خير من الدنيا وما فيها، بل عبر بعض أهل العلم بأن تحصيل الفوائد لا يعادلها شيء في نفسه فيقول شعرا:

سهري لتنقيح العلوم ألذ لي
من وصل غانية وطيب عناقي
وتمايلي طربا لحل عويصة
أشهى وأحلى من مدامة ساقي
وصرير أقلامي على أوراقها
أحلى من الدوكاة والعشاق
وألذ من نقر الفتاة لدفها
نقري لألقي الرمل عن أوراقي
أأبيت سهران الدجا وتبيته
نوما وتبغي بعد ذاك لحاقي

ثم بعد هذا جمع ما تيسر من كتب اللغة، الكتب التى تشرح المفردات سواء كانت متعلقة بالحديث «كالنهاية» لابن الأثير و
«الفائق» للزمخشري، أم كانت من قواميس اللغة «كالقاموس» و«تاج العروس» و«لسان العرب» وغير ذلك من الكتب التي لا بد أن يقتنيها فهو يحتاج إلى البحث فيها.

بقي كيف يستفيد من هذه الكتب؟ وهذا هو الذي يهمنا كيف يستفيد من هذه الكتب؟ يستفيد أحسن استفادة بالممارسة، وبالقراءة من كتب أصحاب التخاريج مثل «التلخيص الحبير» ومثل: «نصب الراية» ومثل «تفسير ابن كثير» يعتبر أيضا من أعظم كتب التخاريج يبين طرق الحديث وإن كان تفسيرا، وطالب العلم المحب للعلم والذي لديه غيرة يستطيع أن يكتب، ويستفيد من مكتبته الصغيرة فقد كنت في مكة، وكان عندي مكتبة في دولاب صغير من الخشب، والحمد لله كتبت «الطليعة في الرد على غلاة الشيعة» والله المستعان. فإن تيسر توفير الكتب فبها ونعمت، وإن لم يتيسر فينبغي أن تستفيد من مكتبتك الصغيرة، وأن تصبر، إلا أنه فرق بين توفر الكتب وبين عدم توفرها، فتوفر الكتب يوفر عليك وقتك فرب مسألة قد ألف العلماء فيها المؤلفات من أمثال هذا: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ أيجهر بها في الصلاة أم لا يجهر بها؟ الحافظ ابن عبدالبر له كتاب «الإنصاف في مسألة الخلاف» في هذا الموضوع، كذلك الدارقطني له كتاب في هذا الموضوع. يؤيد الجهر في ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾، والخطيب أيضا له كتاب في هذا الموضوع بعض علمائنا المتقدمين مما لا أذكره، لأنه حصل صراع في هذه المسألة بين الشافعية وبين الحنابلة، الحنابلة يرون الإسرار، والشافعية يرون الجهر، فحصل صراع في هذه المسألة فكثرت التآليف فيها، والإسرار أصح لما رواه البخاري ومسلم في «صحيحيهما»: عن أنس -رضي الله عنه- قال: صليت خلف رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وأبي بكر، وعمر، وعثمان، -رضي الله عنهم- فكانوا يستفتحون القراءة بـ﴿الحمد لله رب العالمين﴾. وفي رواية: في «صحيح مسلم»: لا يجهرون بـ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾.

والجهر وارد لما رواه الحاكم في «مستدركه»: عن أبي هريرة أنه صلى بأصحابه وقال: إني لأشبهكم صلاة برسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- فجهر ببسم الله الرحمن الرحيم، وليس كما يقول بعض الناس: إن نعيما المجمر تفرد به، بل تابعه عبدالرحمن بن يعقوب، وتابعه رجل آخر، فالحديث صحيح في الجهر، وحديث الإسرار أصح.

إنما أتينا بمثال من هذه المسائل ليعلم أن بعض المسائل قد ألف علماؤنا فيها، وإذا كان قد ألف في المسألة وفر عليك الوقت، وكذلك أيضا الأحاديث الواردة في فضل رجب، ربما تتعب وأنت تتتبعها من الكتب، قد ألف الحافظ ابن حجر كتابا -رحمه الله تعالى- في هذا وسماه «تبيين العجب فيما ورد في فضل رجب» وهكذا أيضا القراءة خلف الإمام، ألف الإمام البخاري جزءا، وألف الإمام البيهقي جزءا.

والمسائل التى خصت بالتأليف كثيرة، فهذا يوفر عليك وقتك. إذا علمت هذا فكيفية الاستفادة من الكتب، ذكرنا لك فائدة وهي أن ترجع إلى التخاريج، وتنظر كيف يستفيدون.

شيء آخر، ترجع إلى معاني الحديث، فإن كان الحديث يتعلق بالطلاق رجعت إلى كتب الطلاق من «صحيح البخاري» ومن «صحيح مسلم» ومن «سنن أبي داود»، ومن «جامع الترمذي»، ومن «سنن النسائي»، ومن «سنن ابن ماجه»، إلى غير ذلك، وهكذا «سنن البيهقي» وإن كنت تعرف صحابيه يمكن أن ترجع إلى «تحفة الأشراف» لتعرف من أخرجه، أو ترجع إذا لم تجده في «تحفة الأشراف» إلى المسانيد كـ«مسند الإمام أحمد» و«مسند البزار» و«مسند الحميدي» إلى غير ذلك من كتب المسانيد.

وبقي شيء، ما إذا كان الحديث مشهورا فعلماؤنا أيضا ألفوا في هذا، فهناك كتاب «المقاصد الحسنة فيما اشتهر على الألسنة» للإمام السخاوي وهناك «كشف الخفا ومزيل الإلباس عما أشتهر على ألسنة الناس» للعجلوني، والعجلوني ربما يذكر الحديث ولا يذكر الحكم، وربما يكون حديثا مخلا بالعقيدة مثل حديث: «إذا أعيتكم الأمور فعليكم بأصحاب القبور» ذكره وسكت عليه، وهو دعوة إلى التمسح بأتربة الموتى، وإلى العقيدة الشركية، وإن كان يمكن أن يحمل الحديث أي: أنكم تزورون القبور، فإنها تزهد في الدنيا، وتذكر في الآخرة، كما في حديث بريدة مرفوعا «إني كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنها تذكركم الآخرة». رواه مسلم.

إن العجلوني ربما يذكر بعض الأحاديث فلا يتكلم عليها، بل هو نفسه مخرف، فقد ذكر في مقدمة كتابه: «كشف الخفا ومزيل الإلباس» أنه يمكن أن يعرف الحديث أنه صحيح ويكون عند المحدثين ليس بصحيح، كيف يعرفه؟ بواسطة الكشف بأنه يكشف للولي إذا نزل جبريل بالحديث إلى النبي ?-صلى الله عليه وعلى آله وسلم- فكشف له، ويكشف له بأنه ليس بصحيح ويكون عند المحدثين صحيحا، ما هذا؟ إذا فما فائدة كتابك «كشف الخفا» لم لا تعتمد على الكشف الذي هو أوهام وخرافات وخزعبلات، فرحم الله علماءنا المحدثين.

ورب العزة يقول في كتابه الكريم: ﴿ياأيها الذين ءامنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا?﴾(9) وأوهام الصوفية وخرافاتهم وخزعبلاتهم تهدم علم الحديث.

وإن كنت مبتدئا وكانت هذه الطريقة أو الطرق التى ذكرناها بعيدة عليك، فننصحك بأن تأخذ سندا من «سنن أبي داود» ثم تتبع رجاله رجلا رجلا، وينبغي أن تتحرى في ابتداء أمرك حتى لا يلتبس عليك الأمر، فربما تجد وأنت تبحث عن محمد بن علي فتجد في «التقريب» جماعة ممن يسمون محمد بن علي، فلا تدري من هو الذي في السند فكيف تستطيع التمييز؟.

بأمور منها: الطبقات، ومنها: الرموز، فأنت تبحث في «سنن أبي داود»، فإذا رأيت محمد بن علي لم يكن من رجال الجماعة، ولا من رجال أصحاب «السنن» ولا من رجال أبي داود عرفت أن هذا الرجل ليس هو الذي تبحث عنه. بعد هذا بالطبقة، ثم ترجع أيضا إلى المشايخ تنظر إلى مشايخه ثم إلى الرواة من هو، وهم يميزون لك من هو، فإذا لم يتيسر لك هذا، فاجمع طرق الحديث فرب طريق يكون قد نسب فيها المحدث ويقولون مثلا: محمد بن علي النيسابوري، أو مثلا محمد بن علي يذكرون لقبه أو يذكرون كنيته. جمع الطرق أيضا ربما تستطيع أن تميز بها.

فإذا لم تستطع أن تميز، وقد سلكت هذه المسالك فإن كانا ثقتين فلا يضر. من الأمثلة على هذا: علي بن محمد، شيخان لابن ماجة أكثر ابن ماجة عن علي بن محمد الطنافسي، وهناك علي بن محمد آخر أحدهما ثقة، والآخر صدوق، فلا يضر.

وإن اشتبه عليك ضعيف بثقة. ومن الأمثلة على هذا: إسماعيل ابن أبان المقرئ من مشايخ البخاري في طبقته إسماعيل بن أبان الغنوي متروك، والمقرئ من مشايخ البخاري. مثال آخر: الليثان: ليث بن سعد، وليث بن أبي سليم، ليث بن أبي سليم مختلط، وليث ابن سعد إمام.

مثال ثالث: عبدالكريم بن مالك الجزري، وعبدالكريم بن أبي المخارق اشتركا في كثير من المشايخ، واشترك كثير من الطلبة في الأخذ عنهما. الجزري من رجال البخاري، وابن أبي المخارق ضعيف.

مثال آخر أيضا: أسامة بن زيد الليثي، وأسامة بن زيد بن أسلم، أسامة بن زيد الليثي يحسن حديثه عند بعضهم، وأسامة بن زيد بن أسلم ضعيف، فإذا كان أحدهما ضعيفا والآخر ثقة توقفت.

فإذا انتهيت من رجال السند وعرفتهم، ووجدتهم ثقات ينبغي أن تجمع طرق الحديث، فرب حديث يكون سنده كالشمس، ثم بعد ذلك تظهر به علة أو يكون شاذا، ومع جمعك للطرق فإنك تعرف الشذوذ، وتعرف العلة، ورحم الله علي بن المديني، إذ يقول: (الباب إذا لم تجمع طرقه لم يتبين خطؤه)، ورب حديث كما تقدم يكون سنده كالشمس، وهو شاذ، أو معل، فجمع الطرق أمر مهم.

كيف تستطيع أن تجمع الطرق؟ تقدم شيء من هذا، إن كان الحديث يتعلق مثلا بفضيلة الوضوء، ترجع إلى أبواب الوضوء وأبواب الطهارة في الكتب على الأبواب.

فإن كنت تعرف صحابيه رجعت أيضا إلى «تحفة الأشراف» وإلى المسانيد.

ما عرفت لا ذا، ولا ذاك، لكنك الآن قد خرجت إلى طريق أخرى، لكن لو ذكرت حديثا ولم تعرف صحابيه ولم تعرف إلا معناه، فينبغي أن ترجع إلى «المعجم المفهرس» فهو يتكلم عن المعاني، ويرشد، ولكن لا ينبغي أن تقتصر على «المعجم المفهرس»، بل هناك كتب لم تذكر في «المعجم المفهرس» من الأمثلة على هذا «مسند الحميدي» ومعاجم الطبراني الثلاثة «المعجم الكبير والمعجم الأوسط والمعجم الصغير» وكيفية الاستفادة من هذه الثلاثة المعاجم.

الاستفادة منها: أما «المعجم الصغير» فإنه على ترتيب شيوخه، وقد فهرس والحمد لله ونشرت فهرسته، فأما «المعجم الكبير» فإنه كالمسانيد على الصحابة، وإن كان يذكر فوائد ليست من الأحاديث و«المعجم الكبير» يخالف المسانيد، هو مثل المسانيد، بأنه على ترتيب الصحابة، يخالفهم ربما يذكر فوائد وآثار عن الصحابة، ويذكر تفسيرا له إن كان من أئمة التفسير.

ومعرفة كيفية الاستفادة من الكتب أمر مهم، أذكر أننا في ذات مرة سألت بعض أهل العلم كيف أستطيع أن أستفيد من «التمهيد» لابن عبدالبر فجزاه الله خيرا، كان لا يعرف مثلي كيف يستفاد لكن أعطاه الله بصيرة، قال: ائتنا بكتابه فأتينا بالكتاب، فإذا هو على ترتيب مشايخ الإمام مالك، فشيخ الإمام مالك في الحديث اسمه إبراهيم فارجع إلى «التمهيد» تجد خيرا كثيرا لأن التمهيد يعتبر من أحسن الكتب في جمع الطرق والكلام على المعاني والجمع بين الأدلة.

ونسيت شيئا مهما مما يستفاد من «التمهيد» وهو ذكر الاختلاف في وصل الحديث وإرساله، أو وصل الحديث وانقطاعه، أو رفع الحديث ووقفه، وطريقة الحافظ ابن حجر -رحمه الله تعالى- قريبة أو أنه استفاد الحافظ ابن حجر من «التمهيد» ومن طريقة «التمهيد» وفي طريقة إخراج الحديث، ثم الجمع بين الأدلة، ثم استنباط الأحكام، فجزاه الله خيرا.

معرفة الاستفادة من الكتب من الأمور المهمة، فرب شخص يستطيع أن يستخرج الحديث في قدر نصف ساعة، ويخرج الحديث والحمد لله، لكن شخص آخر ممكن أن يبقى فيه سبعة أيام، وممكن أن يبقى فيه شهرا.

وعند أن كنت مبتدئا مر بي حديث: «يا علي لولا أن تقول فيك طوائف من أمتي ما قالت النصارى في عيسى لقلت فيك مقالا لا تمر بأحد إلا أخذوا التراب من أثرك لطلب البركة» وأنا كنت أكتب في «الطليعة في الرد على غلاة الشيعة» فوجدت في السند يحيى ابن يعلى، ووجدت جماعة في «تهذيب التهذيب» ممن يسمون يحيى بن يعلى فما استطعت التمييز وصرت أسأل العلماء في الحرم، وغالبهم لا يهتم بالحديث فلم أجد منهم إجابة، حتى سألت بعض الباحثين فقال: هو يحيى بن يعلى الأسلمي القطواني قال: استفدت من «تهذيب الكمال» قلت: أين هو «تهذيب الكمال»؟ قال: في مكتبة الحرم المكي، ثم بعد ذلك ذهبت أهرول إلى مكتبة الحرم المكي حتى أنقله بعلو وأراجع ترجمة يحيى بن يعلى الأسلمي القطواني في «ميزان الاعتدال» إلى غير ذلك، فمعرفة الكتب ومعرفة الاستفادة من الكتب مهم.

وذات مرة كنت أبحث، فمرت بي كلمة لغوية، وكان عندي أخ في الله متخرج من الجامعة الإسلامية كلية الشريعة، فأعطيته «القاموس المحيط» ليخرجها، فأخذ الكتاب ووضعه على فخذه، وأنا كما يقولون: واحر قلباه ممن قلبه شبم، فأنا استحييت أن أقول له: أعطني الكتاب من أجل أن أخرج الكلمة، وهو أيضا استحيى أن يرد لي الكتاب، ويقول لا أستطيع استخراجها فقلت له: مالك يا أخي ما تخرج الكلمة؟ قال: أنا لا أعرف كيف أستخرجها، وصار يضحك جزاه الله خيرا.

فمعرفة الاستفادة من الكتب توفر عليك وقتك. بقي المواضيع، فرب حديث يتعلق بالعقيدة وأنت تريد أن تخرجه وما وجدته في «السنن» ولا في «صحيح البخاري» أنصحك أن ترجع إلى كتب العقيدة مثل «الأسماء والصفات» للبيهقي وكتاب «التوحيد» لابن خزيمة و«الرد على الجهمية» لعثمان الدارمي و«الرد على الجهمية» لابن منده، وإذا كان الحديث يتعلق بالترغيب والترهيب ترجع إلى «الترغيب والترهيب» للمنذري ليدلك على مخرجه، لأن «الترغيب والترهيب» ليس كافيا. إذا كان الحديث يتعلق بالطب ترجع إلى كتب الطب التي ألفت في هذا ككتاب «الطب» للحافظ ابن القيم وكتاب «الطب» للحافظ الذهبي، وكتاب «الطب» لأبي نعيم إلى غير ذلك من الكتب التي ألفت.

فينبغي أن تنظر وتفكر في الموضوع الذى تريد أن تخرجه.

فإذا لم تر الحديث فلا توقف بحثك من أجل أنك ما رأيت الحديث، أو من أجل أنك ما رأيت ترجمة الراوي، فكيف تعمل؟ تترك بياضا كما كان علماؤنا الأولون، يتركون بياضا فابن أبي حاتم في كتابه «الجرح والتعديل» ربما يترك بياضا. حتى تنتهي من البحث وتراجع، فإن وجدته وإلا قلت: لم أجده، كما يقول الحافظ العراقي في «تخريج الإحياء» وكما يقول الحافظ الهيثمي في كتابه «مجمع الزوائد» يقول: في سنده فلان ابن فلان ولم أجده أو لم أجد له ترجمة، والحافظ أيضا في «تخريج الكشاف» ربما يقول: الحديث لم أجده، لأن الزمخشري يعتبر حاطب ليل، وكذا الغزالي يعتبر حاطب ليل، وربما يأتيك شخص بكلام يظنه حديثا، كما كنا نسمع ونحن في مكة عند أن أخبر الناس بأن اثنين صعدا إلى القمر، فإذا قائل يقول: قال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «لا تقوم الساعة حتى يصعد اثنان إلى ظهر القمر». أو بهذا المعنى. والحديث من موضوعات العصريين، فلا تتعب نفسك في البحث عنه، ومن الأمثلة على هذا أيضا قول بعض الأئمة «استووا فإن الله لا ينظر إلى الصف الأعوج» وهكذا أيضا «من تعلم لغة قوم أمن مكرهم» حديث ليس له أصل، ثم يطالبونك أن تخرجه من كتب السنة. ثم هب أنه في كتب السنة التي لم تطلع عليها، وهنا أمر أريد أن أنبه عليه، فربما يقع فيه كثير من الناس ونحن من أولئك، ربما يستدل المستدل بجملة من الحديث وأنت تريد أن تستخرج هذا الحديث فتذهب وتبحث في كتب الفهارس في كتب الحديث وتتعب نفسك فلا تجد الحديث.

فإذا ذهبت تبحث في أوائل الحديث في كتاب مثل: «معجم الطبراني» فأحاديثه ليست موجودة في «المعجم المفهرس» وليست موجودة في «تحفة الأشراف» فكيف تعمل؟ ترجع إلى كتب الفقه إن كان يتعلق بالفقه، وهكذا سائر الفنون في الحديث.

بقى شيء في طريقة البحث، فإذا كنت تريد أن تكتب موضوعا باستيعاب، والموضوع يستحق هذا فكيف تعمل؟ الذي أنصحك به أن تطالع كتب السنة كلها، وكلما وجدت حديثا يتعلق بموضوعك كتبته، فإن كنت لا تريد الاستيعاب وتريد أن تكتب جملة من الأدلة نظرت إلى الكتب التى ألفت في هذا الموضوع.

وسآتي بمثال: فإذا كنت تريد أن تكتب في القدر، ومن جملة أبواب القدر المشيئة، فعليك أن ترجع إلى الكتب التى كتبت في القدر تجد أحاديث يسيرة في المشيئة، لكن لو ألف أحد كتابا في المشيئة من كتاب الله، ومن سنة رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لخرج الكتاب مجلدا. وفق الله الجميع إلى ما يحبه ويرضاه، والحمد الله رب العالمين.

_______________________
(1) ? سورة الرعد، الآية: 19.

(2) ? ثم ظهر لي أنه ضعيف.

(3) ? سورة آل عمران، الآية: 200.

(4) ? سورة السجدة، الآية: 24.

(5) ? سورةالزمر، الآية: 28.

(6) ? سورة القلم، الآية: 1-2.

(7) ? سورة العلق، الآية: 1-5.

(8) ? الصحيح منه ما ذكره ابن أبي حاتم في المقدمة.

(9) ? سورة الحجرات، الآية: 6.
(من كتاب المقترح في أجوبة أسئلة المصطلح)للعلامة مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله .
منقول

معنى الحرف لغة

الحرف من كل شيء طرفه وشفيره وحده ومن الجبل أعلاه المحدد ثم يقول: وواحد حروف التهجي والناقة الضامرة والمهزولة أو العظيمة، وسيل الماء، وأرام سود ببلاد سليم.
وعند النحاة ما جاء لمعنى ليس باسم ولا فعل ، و في القرآن الكريم نجد كلمة حرف مذكورة في سورة الحج في قوله تعالى: “ومن الناس من يعبد الله على حرف” أي : وجه واحد وهو أن يعبده على السراء لا على الضراء أو على شك أو على غير طمأنينة على أمره أي لا يدخل في الدين متمكنًا .
ونزل القرآن على سبعة أحرف ليس معناه أن يكون في الحرف الواحد سبعة أوجه وإن جاء على سبعة أو عشرة أو أكثر، ولكن المعنى أن هذه اللغات السبع متفرقة في القرآن”.
وقد اختلف العلماء في المراد من الأحرف السبعة في الأحاديث المذكورة اختلافًا كبيرًا، حتى قال السيوطي: اختُلِفَ في معنى هذا الحديث على نحو أربعين قولاً .

وفي معنى سبعة أحرف أقوال منها ما يقوله الزركشى من أنها سبع لغات لسبع قبائل من العرب. أي نزل القرآن بعضه بلغة قريش، وبعضه بلغه هذيل، وبعضه بلغة تميم، وبعضه بلغة أزد وربيعه، وبعضه بلغة هوازن وسعد بن بكر وهكذا .

وأنسب المعاني في المراد بالحرف في قوله صلى الله عليه وسلم: “أنزل القرآن على سبعة أحرف” أنه الوجه من أوجه القراءة وبيان هذه الأحرف قد بينها العلماء في ما يلي:
الأول: اختلاف الأسماء من إفراد وتثنية وجمع، وتذكير وتأنيث، ومن ذلك “والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون”. فقد قرئ (لأماناتهم).
الثاني: اختلاف وجوه الأفعال من ماض ومضارع وأمر، ومن ذلك قوله تعالى: “فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا” فقد قرئ “ربنا بعِّد”.
الثالث: اختلاف وجوه الإعراب، ومن ذلك قوله تعالى: “ولا يضار كاتب ولا شهيد”، فقد قرئت بضم الراء في يضار وبفتحها.
الرابع: الاختلاف بالنقص والزيادة ومن ذلك قوله تعالى: “وما خلق الذكر والأنثى”. فقد قرئ والذكر والأنثى.
قلت : أما هذا الوجه فلا يمكن التسليم به إلا بنص قاطع ، فما سبق ، وما سيلحق يوافق المنقول والمعقول ، أما هذا فلا زلت لم اجد عليه دليلا ، ولابد أن يكون نصا صحيحا صريحا قاطعا .
الخامس: الاختلاف بالتقديم والتأخير ، ومن ذلك قوله تعالى: “وجاءت سكرة الموت بالحق” فقد قرئ وجاءت سكرة الحق بالموت.
قلت : وهذا الوجه وردت به رواية لكن لم اقف على سندها بعد .
السادس: الاختلاف بالإبدال ومن ذلك قوله تعالى: “وانظر إلى العظام كيف ننشزها”. فقد قرئ (ننشرها).
السابع: اختلاف اللهجات كالفتح والإمالة والترقيق والتفخيم، والإظهار والإدغام”.
ومن ذلك قوله تعالى: “بلى قادرين” فقد قرئ أيضًا بالفتح والإمالة في لفظ بلى.
وهذا الوجه الذي ذكرناه هو ما اخترناه من أربعين قولاً ذكرها السيوطي وغيره.
وهو رأي الرازي وابن قتيبة والقاضي ابن الطيب وابن الجزري لا يختلف رأيهم عنه إلا في أنهم جعلوا الستة الأولى مما ذكرت سبعة ، وتركوا الوجه الأخير.
وهذه الأحرف انتقلت إلينا عن طريق الصحابة رضوان الله عليهم فقد اشتهر بالإقراء منهم جماعة مثل : أبي وعلي، وزيد بن ثابت، وابن مسعود، وأبو موسى الأشعري .

واسذاجتاه!!!!… مقال للعلامة ابن عقيل الظاهرى

بسم الله الرحمن الرحيمواسذاجتاه!!!!

كتبها: أبو عبد الرحمن بن عقيل الظاهري

سمعت كل ما قيل عن فضائح (سجن أبوغريب) سُمِّيت فضائح!!.. واطلعت على لقطة ليهودية شبه عريانة تداعب سجينًا مكتَّف اليدين حتى إذا أخذ منه الهياج مبلغه (وكان مفتول العضلات في هيئة بغل) عرضته قائمًا عريانًا تركله برجل حادة الأظفار في فرجه وأنثييه؛ فيقفز يصيح من الألم حتى إذا هدأ أعادت له الركلة وهكذا!!.. وهذا منظر مؤلم حقًا ينافي جبلَّة الرحمة الإنسانية، ويحادُّ الأديان والفلسفات والفكر وتربيات المصلحين، والأخلاق بالمفهوم الديني والوضعي معًا.. ولكن الذي آلمني أكثر وعْينا العربي؛ إذ اعتبر هذه اللقطات مما جاء مُتسرِّبًا، واعتبرها فضائح!!.. كما سبق لوعينا العربي أن اعتبر اعتقال ثاني رمز للنظام البعثي اصطيادًا مضنيًا، وَهَمّاً أمريكيًا لا تقل أهميته عن الرمز الأول!!.

قال أبوعبدالرحمن: لولا التورع من احتمال واحد في الألف لأقسمت أبر الإقسام: أن اللقطات لم تتسرَّب، وليست فضائح كما نزعم نحن العرب المساكين، أما أنها لم تتسرب؛ فلأن أضعف دولة وأفقرها لا يمكن أن يُصوَّر من سجونها أي معاناة، وإنما من الممكن أن يُصرِّح السجين بعد سجنه، أو يبدي ما عنده للجنة حقوق إنسانية عالمية، وأما أنها ليست فضائح فلأن القائمين على سجن أبوغريب صهاينة متحكمون بقوة ودهاء مالاً وإعلامًا وقانونًا وتصفيات معنوية وجسدية، وأقوى دولة في العالم رهن إشارتهم تضليلاً بالنسبة للسبتيين، وقهرًا بالضغوط الخفية للأحديين؛ فلا يبالون برأي عالمي، ولا بضمير إنساني، ولا بقرار لمنظومة الدول يشجب أي ظلم؛ فلا معنى لكلمة فضائح في السياسة اللاأخلاقية، بل شُهرت الصور، وأذيعت خفايا التعذيب عمدًا من الجهة المهيمنة المعتدية لعاملين:

أولهما: ترويع العالم العربي قادة وشعوبًا.

وثانيهما: إشاعة ما هو مهانة وذلة للعالم العربي والإسلامي بسبب واقعهم الضعيف المرير، وتشرذمهم؛ لتشويه صورتهم عند العالم، ولقتل نفسيتهم المعنوية، ووأد طموحهم الحركي والعلمي.

وأما الرمز البعثي الثاني فما اعتقل من غيابة جُبٍّ، ولا حمل مع السجناء محاربًا ملقيًا السلاح، وما برز حالة اعتقاله متغضِّن الجبين مثقل الهموم شاحب السحنة، بل حُمل بصحة وعافية وأنسٍ ظاهر على محياه، وهندام ونضارة؛ فكأنه خارج من حمامات تركيا؛ لأنه ليس من الزعماء الذين ينتهون إذا انتهى دورهم، بل هو -بحكم ملته، وبحكم أقربائه في إسرائيل- زعيم ثابت يحمل كل روحٍ للمعتدي، وستكشف الأيام عن إعلان براءته من وصمة الزعيم الإرهابي، وسيبقى في التلميع الأجنبي رائد الهموم العربية، والمتأذي من دكتاتورية أضرت بالأمة العربية كلها، وإن غدًا لناظره قريب، والله المستعان.

رأي القنوجي في القياس, وخلاف داود.

بسم الله الرحمن الرحيم

قال الإمام القنوجي في كتابه الماتع ((أبجد العلوم)) (2/ 405) وذلك عند ذكر علم الفقه ما نصه:
اعلم أن أصول الدين اثنان لا ثالث لهما: الكتاب والسنة, وما ذكروه من الأدلة الأربع: القرآن والسنة, والإجماع والقياس, فليس عليه أثارة من علم, وقد أنكر إمام السنة أحمد بن حنبل الإجماع الذي اصطلحوا عليه اليوم, وأعرض سيد الطائفة داود الظاهري عن كون القياس حجة شرعية, وخلاف هذين الإمامين نص في محل الخلاف, ولهذا قال بقولهم عصابة من أهل الإسلام قديماً وحديثاً إلى زماننا هذا, ولم يروا الإجماع والقياس شيئاً مما ينبغي التمسك به سيما عند المصادمة بنصوص التنزيل وأدلة السنة الصحيحة…
قال أبو الزهراء:
على النقل كلام من وجوه:
أولاً: إن إنكار أحمد للإجماع الذي قصده الإمام القنوجي لا يعني أنه لا يقر الإجماع وله فيه تعريف خاص.
ثانياً: لابد من مراجعة كلام القنوجي في غيرما مؤلف ولا يؤخذ كلامه من مؤلف واحد فقط, ولم أفعل ذلك لأن كتب الإمام ليست كلها عندي ولم أتتبع نصوصه.
ثالثاً: ذكر شيخي (بمعنى أني كثير المطالعة لكتبه) الإمام أبو الحسنات محمد عبد الحي اللكنوي في كتابه الفذ ((إبراز الغي الواقع في شفاء العي)) وهو نقد علمي حثيث لعدد من تآليف الشيخ صديق حسن خان, وجلها في تواريخ الوفاة والولادة, مع وجود بعض التعليقات الفقهية والأصولية كذلك, وأنا هنا أنصح باقتناء كتاب اللكنوي هذا مع كتاب ((أبجد العلوم)) للتأكذ من التواريخ خاص, ذكر الإمام وعلامة الهند ومحدثها تعقيباً على مقالة القنوجي هذه فقال (142):
وهذا عجيب كل العجب منشأه التقليد الجامد لابن تيمية وتلامذته وللظاهرية مشتمل على مغالطات:
أما أولاً:
فلأنه ماذا أراد بالأصل الذي حصره بالكتاب والسنة, إن أراد بها مثبت الحكم في نفس الأمر, فهو ليس إلا الكلام النفسي القديم للباري تعالى لا هذا الكتاب ولا هذه السنة.
وإن أراد به مثبت الحكم بحسب علمنا فيصدق على الإجماع والقياس كليهما إن عمم العلم, وإن خصص القطع يدخل الإجماع دون القياس, وإن أراد به ما يرجع إليه يكون الأول بالآخرة إليه, فهو منحصر في الكتاب, فلولا أمرنا فيه بإطاعة الرسول, وكون طاعته موجبا لاطاعة ربنا لما وجب علينا اتباع السنة من حيث هي سنة, وقد فرغت من هذا البحث في ((الكلام المبرور)) و ((السعي المشكور)) فمن شاء فليرجع إليهما.
وأما ثانياً: فلأن قولهم أدلة الدين أربعة ليس مما ليس عليه أثارة من علم, بل دلايل واضحة, وبراهين شامخة من الكتاب والسنة, ومن لم يراجعهما أو لم يفهمها فلا يتهم إلا نفسه, وقد فرغ من تحقيقه علماء الأصول, وهو كاف لمن هو من ذوي العقول.
وأما ثالثا: فلأن نسبة إنكار الإجماع الذي اصطلحوا عليه اليوم إلى أحمد من بيان ما اصطلحوا عليه مغالطة لا تليق بمن له دراية, ولو ثبت إنكار أحمد للإجماع الذي هو من أصول الدين, وحجيته ثابتة بالكتاب والسنة وأقوال السلف الصالحين, فلا عبرة لإنكاره, إنظر إلى ما قال ولا تنظر إلى من قال.
وأما رابعاً: فلأن إعراض سيد الطائفة الظاهرية عن كون القياس حجة شرعية غير مضر في مقام التحقيق, فقج رد إعراضه في كتب الأئمة بوجه أنيق.
وأما خامساً: فلأن قوله وخلاف هذين الإمامين.. إلخ, بعيد بمراحل عن درجة الإنصاف, فإت اعتبار القول المردود -الذي دل على كونه مردوداً الكتاب والسنة- اعتسافٌ أي اعتساف.
وأما سادساً: ولهذا قال بقولهما عصابة عظيمة… إلخ, من دون تصريح تلك العصابة العظيمة جرأة عظيمة! ونقمة كبيرة!.
انتهى ما ذكره محدث الهند وفقيهها الشيخ الإمام اللكنوي في تعقبه.
ونحن إذ نوافقه على بعض ما ذكر فإننا نتنصل ونتبرأ من بعض ما ذكر كذلك, يعرف ذلك من عرفنا وعرف قولنافي المسائل المذكورة.
فالله ولي التوفيق والحمد لله رب العالمي.
لا تنسونا من صالح دعائكم.

__________________

المعالم الأساسية لمنهج الإمام ابن حزم الأندلسي ـ رحمه الله تعالى ـ

بسم الله الرحمن الرحيم

إن الحمد لله ، نحمدُه ونستعينه ونستغفرُه ، ونعوذ بالله من شرور أنفسِنا وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضِلَّ له ، ومن يُضلل فلا هادي له .
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له .
وأشهد أن محمداً عبده ورسولُه .
أمَّا بعدُ :
ففي هذه العجالة أحب أن أشارك الأخوة الفضلاء في هذا الملتقى المبارك في الحديث عن الإمام العلم العالم العامل أبي محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الظاهري ـ رحمه الله تعالى ـ ومشاركتي هي : عن أهم المعالم الأساسية لمنهج الإمام الحافظ ابن حزم الظاهري في مجال البحث الديني، وتتلخص في التالي :
1 ـ الالتزام بالنص قرأناً أو سنةً ثابتةً في حدود المعنى الظاهر بحكم دلالة اللغة الواضحة .
قال ابن حزم : لا سبيل إلى معرفة شيء من أحكام الديانة إلا من القرآن، والسنة ، والإجماع ، والدليل وهي كلها راجعة إلى النص .
قال أبو عبدالرحمن : فقد جرى الفهم العام المشترك على أن الظاهرية هي : المعنى الحرفي الواضح دون الخفي الذي لا يعرف إلا بالاستنباط وهذا وهم أي وهم فالظاهر هو كل ما تدل عليه القضية سواء أكان واضحاً أم خفياً . فإن كانت القضية عقلية فظاهرها ما لا يحتمل العقل غيرها بيقين أو رجحان .
وإن كانت القضية نصية فظاهرها ما تدل عليه اللغة بيقين أو رجحان من ناحية المفردة والصيغة والرابطة والسياق أو السياقات .
والله المستعان .
2ـ الاعتراف بإجماع الصحابة ومن يجيء بعدهم كمصدر للتشريع ورفض القياس في الشرع والاستحسان وغيرهما ويضاف إلى الإجماع مصدر يسمى الدليل وهو مولد من النص أو الإجماع وليس حملا عليهما .
قال أبو عبدالرحمن : باب سد الذرائع لا ينكره ابن حزم إذا كان أداء الوسيلة إلى المفسدة قطعياً ويقينياً ، أما إذا كانت الوسيلة إلى المفسدة ظنية فينكر الأخذ بها . (قواعد الوسائل في الشريعة الإسلامية صفحة 372) .
3ـ إيراد حجج الخصوم واعتبار التجني على الخصوم والتقول عليهم بما لم يقولوا جريمة البحث .
4ـ ما اختلف فيه الصحابة رضي الله عنهم فليس قول بعضهم أولى من قول بعض ( ومن جاء بعدهم أولى بذلك . والنصوص وحدها هي المتقيد بها ) .
5ـ النظر إلى أئمة المذاهب نظرة متساوية ؛ لأنه لا معنى للتعصب لمالك دون الشافعي ، أو غيره .
6ـ رفض التقليد ( ويكفي أن القائلين به مقرون على أنفسهم بأنه لا يحل ، فلا يحل لأحد أن يأخذ بقول أحد بلا برهان ) .
قال أبو عبدالرحمن : ولا يعني رفضه للتقليد فتح باب الإجتهاد على مصراعيه للعامي وأنصاف المتعلم ، فيتكلمون في دين الله بغير علم ، وإنما أراد الإجتهاد قدر الطاقة وهو السؤال عن الدليل عند إجابة المفتي أ و البحث عمن استفاضة شهرته بالعلم والصلاح والتقوى فيسأله . (انظر : الإحكام 7/ 151)
7ـ الاهتمام بالمصادر الكثيرة سواء في الحديث أو في غريب الحديث أو في اللغة أو في الفقه . ( انظر : رسائل ابن حزم 3/87) .
8ـ لا حجة في الكثرة ( فإن خالف واحد من العلماء جماعة فلا حجة في الكثرة ، لأن الله تعالى يقول وقد ذكر أهل الفضل : وقليل ماهم ).
( انظر : النبذ 88 ) .
9ـ العبرة في الأمور بالرواية فإذا روى الصاحب حديثاً عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وروي عن ذلك الصاحب أنه فعل خلافاً لما روى فالفرض الحق : أخذ روايته وترك ما روي عنه . ( انظر : النبذ 98).
10ـ رفض التعليل فالشريعة تعبدية والمعقول منها نص الله على معقوليته
11ـ وطريقته أن يبدأ المسألة ثم يقول : قال أبو محمد ـ وهي كنيته ـأو قال ” علي ” ـ وهو أسمه ـ ثم يذكر فقهه ثم يستدل عليه بأية أو حديث بسنده إلى النبي صلى الله عليه وسلم من طرقه المختلفة . وقد يستدل بالإجماع الذي هو عنده إجماع كل عصر إذا لم يتقدم قبله في ذلك المسألة خلاف …. وهو يعني بالعلماء : ” المجتهدون الذين حفظت عنهم الفُتيا من الصحابة والتابعين وتابعيهم وعلماء الأمصار وأئمة الحديث ومن تبعهم .. ” .
12ـ وبعد إيراد كل هذا بسنده إلى قائليه يأتي دور التحليل والنقد فيصحح ويضعف ويعدل ويجرح ويقبل ويرفض ويقارن بين فقيه وفقه غيره ويناقش الأدلة والحجج بلغة علمية أدبية عرف بها علماء الأندلس .
13ـ يكثر من إيراد كلام غيره في الجرح والتعديل ، ككلام شعبة ، وسفيان الثوري ، وعبدالله بن المبارك ، وأحمد بن حنبل ، وعبدالرحمن ابن مهدي ، ويحيى بن سعيد ، ويحيى بن معين وغيرهم .
14ـ أيراد ما قد يتبادر للذهن أنه يصلح حجة للخصم ومن ثم نقضه .
15ـ إن ابن حزم ـ وإن كان ظاهرياً ـ لا يبطل العقل البشري ( وإن بدا أنه يلغيه في القياس ) لأنه يحدد وظيفة العقل البشري ، وهو بذلك ـ وإن كره المقلدون ـ رائد لدراسات الفلاسفة النقديين في نظرية المعرفة .
قال أبو عبدالرحمن : ووظيفة العقل بالنسبة للشرع إدراك النصوص وفهمها وتمييز مدلولاتها .
16ـ احتفاؤه بغرائب الفقه وفي المحلى من غرائب فقه الصحابة والتابعين ومن جاء بعدهم عجائب يستنبط منها مدى السعة والشمول والتطور والمرونة في التشريع الإسلامي .
هذه هي ابرز معالم منهج ابن حزم في البحث الديني ، وقد دلت عليها كتبه التي بين أيدينا . ( انظر : ابن حزم الأندلسي وجهوده في البحث التاريخي والحضاري 92 ـ 95) .
قال أبو عبدالرحمن : وهناك ميزة عظيمة يتمتع بها الإمام ابن حزم رحمه الله تعالى وهي الرجوع إلى الحق متى ما تبين له خطأه . ( أنظر : التقريب لحد المنطق 4/337ـ338ـ رسائل ابن حزم ) .

العلامة الكبير أبوتراب الظاهري وشيء من سيرته

بسم الله الرحمن الرحيم

بالصور والوثائق النادرة «ورَّاق الجزيرة» تنفرد بأميز ترجمة لأبي تراب الظاهري
من مشاهدات تلميذه عبدالله الشمراني ( 1 – 2 )


«إنَّا على فراقك لمحزونون»:
لقد فجعنا صباح يوم السبت الموافق: 21/2/1423هـ بوفاة عميد اللغة العربية في عصره، والرجل الموسوعي، والمعلمة التاريخية، والخزانة المتنقلة، شيخنا: العلامة، المحدث، الأصولي، اللغوي، الأديب: «أبو تراب الظاهري»، عن ثمانين سنة، فرحمه الله، وغفر له.
فكتبت هذه الأوراق وفاءً حقه، وهي أوراق مختصرة من كتابي: «هداية الأحباب بإجازة الشيخ أبي تراب» ترجمت فيه له، ولأبيه المحدث: عبدالحق الهاشمي رحمه الله، وذكرت شيوخهما، ومصنفاتهما. واستندت في ترجمة الشيخ، وأبيه على المشافهة، ودار بيني وبين الشيخ الكثير من الجلسات، التي تخللها الكثير من الأسئلة، فأنا أسأل والشيخ يُجيب، كما وضع بين يدي مؤلفات أبيه الخطية، واطلعني على إجازات العلماء لأبيه، وقرأتها، لكي أخرج بصورة عن الحياة العلمية في ذلك العصر. فأقول مستعيناً بالله:
اسمه: أبو محمد، عبدالجميل بن أبي محمد عبدالحق بن عبدالواحد بن محمد بن الهاشم، وكان له أكثر من اسم منها: عبدالجليل، وعلي، وعمر.
كنيته: لشيخنا بحفظه الله ثلاث كنى: أبومحمد، وأبو الطاهر، وأبو تراب. الأولى باسم ولده الأكبر، والثانية كانت الرسمية، وعلى ذلك ختمه القديم، ولكنها كنية قديمة، واندثرت، ولا أحد يكنيه بها اليوم، ولا يُعرف الشيخ إلا بالثالثة.
لقبه: الهاشمي، العُمري، العدوي، ويعود نسبه الى الخليفة الفاروق عمر بن الخطاب بن نفيل القرشي رضي الله عنه. فهو كما رأيت عُمري، عدوي، أما: الهاشمي فنسبه الى جده الثالث: «الهاشم»، وليس من «بني هاشم».
مولده: ولد الشيخ في «أحمد بور الشرقية» بالهند عام «1923م 1343هـ».
ولادته، ونشأته، وتعليمه، وحصيلته في القراءة، والمطالعة:
كانت ولادته، ونشأته الأولية في مدينة «أحمد بور، بالهند»، وكان مبدأ تعليمه على يد جده: عبدالواحد رحمه الله، ابتداءً من فك الحرف «أ،ب،ت…» وانتهاءً الى «المثنوي»، للرومي، قرأ خلال هذه الفترة: «كريمة بخش، وبندناما، وناماحق، وبلستان، وبوستان»، وهي كتب فارسية، كانت مقررة في دروس التعليم آنذاك.
ثم تعلم الخط الفارسي على يد جدّه في الجامع العباسي في : أحمد بور، وبعد ذلك جلس الى دروس والده، وبدأ من «الصرف» ثم النحو ثم أصول الحديث، ثم أصول الفقه.
سرد مفصل لنشأته التعليمية
أولاً: كتب الحديث:
بدأ في الحديث من بلوغ المرام، ثم المشكاة، ثم سنن ابن ماجة، ثم سنن أبي داود، ثم سنن الترمذي، ثم سنن النسائي، ثم صحيح مسلم، ثم صحيح البخاري.
كل ذلك قراءة، ودراسة، وتحقيقاً على يد أبيه رحمه الله.
وبعد ذلك سرد على أبيه: المسند، والسنن الكبرى، للبيهقي، والمنتقى، لابن الجارود، المستدرك للحاكم، والسنن للدارقطني، والمسند للطيالسي.
ثم نسخ بيده: المصنف لعبدالرزاق، والمصنف لابن ابي شيبة كاملين، والجزء الأول من كتابي ابن عبدالبر رحمه الله: التمهيد، والاستذكار، ونسخ أجزاء من كتاب «العلل» للدارقطني. وقرأها على أبيه.
كما قرأ: «فتح الباري» للحافظ، وإرشاد الساري، للقسطلاني مطالعة.
وقرأ أيضاً بعض الكتب المطولة، منها في دار الكتب المصرية كتاب «الكواكب الدراري في تبويب مسند الإمام أحمد على أبواب البخاري» لابن عروة الدمشقي، الحنبلي رحمه الله، وهو كتاب عظيم جداً يقع في مائة وعشرين مجلداً.
وقرأ أيضاً كتابي ابن عبدالبر رحمه الله. «التمهيد» و«الاستذكار»، كاملين قبل أن يُطبعا.
ثانياً: كتب التفسير:
أول ما قرأ على أبيه رحمه الله «تفسير الجلالين» ثم تفسير القرآن العظيم، لابن كثير كاملاً، وقرأ عليه ايضاً أجزاء من «جامع البيان» للطبري، والجزء الأول من «مفاتيح الغيب» للرازي، و«الجامع لأحكام القرآن» للقرطبي، وقرأ عليه «تفسير البيضاوي»، دراسة من أوله الى سورة الكهف.
وطالع الباقي مطالعة، إما كاملة، أو أجزاء منها، وتبلغ كتب التفسير التي طالعها، نحو، ثلاثين كتاباً، ك«تفسير النسفي، والبحر المحيط لابن حيان و…».
ثالثاً: كتب الفقه:
الفقه الحنفي:
أول ما بدأ به شيخنا رحمه الله الفقه الحنفي، فقرأ الكتب الصغيرة، دراسة على أبيه رحمه الله، كالكتاب المعروف ب«مختصر القدوري» للقدوري و«كنز الدقائق» للنسفي، والبحر الرائق شرح كنز الدقائق» لابن نجيم، و «الهداية شرح بداية المبتدئ» للمرغيناني.
ثم بعد ذلك طالع المبسوطات، ك:«المبسوط» للسرخسي، و«شرح فتح القدير» لابن الهمام.
الفقه المالكي: قرأ على أبيه دراسة: «مختصر خليل» كاملاً، ثم طالع: «المدونة الكبرى» كاملة، و«المقدمات الممهدات لبيان ما اقتضته رسوم المدونة» لابن رشد الجد.
كما استفاد استفادة عظيمة من كتاب «بداية المجتهد ونهاية المقتصد» لابن رشد الحفيد، الذي يعد موسوعة فقهية موازنة.
الفقه الشافعي: قرأ الجزء الأول من كتاب: «الأم»، وكامل «الرسالة» للشافعي، دراسة على أبيه رحمه الله، ثم طالع «المجموع» للنووي رحمه الله.
الفقه الحنبلي: طالع فيه: «المغني» لابن قدامة، والشرح الكبير، لعبدالرحمن بن قدامة، ومجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية، كاملة.
علم الفرائض
درس شيخنا الفرائض على الشيخ: واحد بخش رحمه الله، وهو من كبار علماء الفرائض في: «الهند، كما درس، السراجية، على ذهبي العصر العلامة، عبدالرحمن المعلمي رحمه الله.
رابعاً: كتب اللغة: قرأ شيخنا على أبيه كتاب «فقه اللغة» للثعالبي، والصحاح للجوهري، وكان والده يُفضل «الصحاح» على سائر كتب اللغة، ويقول: مرتبته بين كتب اللغة، كمرتبة «صحيح البخاري» بين كتب الحديث.
ثم حثه والده بعد ذلك على حفظ المواد اللغوية، فحفظ «عشرين ألف» مادة تقريباً.
ثم طالع سائر المطولات، ك«لسان العرب» لابن منظور، وقرأه ثلاث مرات، وعلق عليه، وقرأ: «تهذيب اللغة» للأزهري، و«تاج العروس» للزبيدي و«العين» للخليل، و«الجمهرة» لابن دريد، و«مجمل اللغة» لابن فارس، و«النهاية في غريب الحديث» لابن الأثير، و«الفائق» للزمخشري و… كل ما سبق من كتب اللغة قرأها كاملة.
وحثه أبوه رحمه الله على كتاب «مقايس اللغة» لابن فارس، و«أساس البلاغة» للزمخشري.
وأخيراً: ما ذكرته قليل من كثير، ولكن ذكرت بعضها، مرتبة، ومصنفة، وإلا فالشيخ حفظه الله يقول: «مجموع ما يبلغ من الكتب التي طالعت، أو درست، نحو ثمانية آلاف كتاب، من مختلف العلوم».
اللغات التي يتحدث بها الشيخ رحمه الله
الشيخ رحمه الله يجيد لغات شبه القارة الهندية، وخاصة «الأوردية» ويجيد ايضا «الفارسية»، وقد ذكرت من خلال الكلام على نشأته أنه قرأ على جده كتباً فارسية.
رحلاته: كان لشيخنا الكثير من الرحلات الحافلة بالقصص والطرائف العلمية، واستفاد من خلال رحلاته الكثير من الفوائد، كمقابلة العلماء، والمفكرين، والأدباء. كما نسخ خلال رحلاته الكثير من الكتب الخطية، سواء كان النسخ له، أو بطلب من أبيه، كما استفاد من مطالعة الكتب الخطية، ولا سيما المطولات، ومن ذلك مطالعته لكامل كتابي ابن عبدالبر رحمه الله «التمهيد» و«الاستذكار»، قبل ان يراهما عالم المطبوعات ، وطالع كذلك مخطوطة كتاب «الكواكب الدراري».
ومن رحلاته:
السعودية: قدم الى السعودية بطلب من الملك عبدالعزيز رحمه الله، حيث ابرق الى سفارته هناك، وارسل اليه طائرة، وذلك ليكون مدرساً في «الحرم المكي»، وفعلاً قدم الى جدة عام 1367هـ، ومنها الى مكة المكرمة.
مصر: رحل الى مصر وكان معه توصية خطية من أبيه رحمه الله الى محدث مصر في وقته، العلامة أحمد بن محمد شاكر رحمه الله واستضافه في بيته، كما استضافه رئيس جماعة السنة المحمدية: العلامة «محمد حامد فقي رحمه الله في بيته أيضاً.
وفي مصر التقى بالعلماء، وممن لقي هناك المدعو: زاهد الكوثري.
المغرب: رحل إليها، وحل ضيفاً عند شيخه: منتصر الكتاني رحمه الله واستجاز ممن لقيهم، ولقي المحدث: الأصولي: عبدالله بن الصديق الغماري ت«1413هـ» رحمه الله ولم يستجز منه.
ويقول: لقيت الكثير من أصحاب الرواية هناك، ولم استجزهم، لشدة بدعهم، بل وجدت منهم المشعوذين ممن يدّعون الرواية».
شيوخه: لقد أكثر الشيخ من الرحلة والسماع، وتعدد شيوخه من أقطار إسلامية عديدة، وهذا ذكر لبعضهم ممن درس عليهم، أو سمع منهم، أو استجازهم:
والده المحدث: عبدالحق الهاشمي، وهو شيخه الأول، والأخير.
ومن علماء الهند: إبراهيم السِّيالكوني، وعبدالله الروبري، الأمر التسري، وابو تراب محمد عبدالتواب الملتاني، وهو من تلاميذ نذير حسين، وقد قرأ عليه الشيخ ابوتراب «سنن النسائي» كاملة، ثناء الله الأمر تسري، وعبدالحق الملتاني، وكان يدرس كل العلوم.
ومن علماء الحرمين: القاضي أبوبكر بن أحمد بن حسين الحبشي، والعلامة القاضي: حسن مشاط المالكي، والمحدث: عبدالرحمن الافريقي، والعلامة: عبدالرحمن المعلمي، والمحدث: عمر بن حمدان المحرسي، والشيخ: محمد عبدالرزاق حمزة، ومسند العصر: ياسين بن محمد عيسى الفاداني.
ومن علماء مصر: المحدث أحمد بن محمد شاكر، والشيخ: حسنين مخلوف، والعلامة الشيخ محمد حامد فقي.
ومن علماء المغرب: الحافظ: عبدالحي الكتاني، والمسند: منتصر الكتاني.
طلابه: الذين قرءوا على الشيخ واستجازوه كثيرون، منهم من درَّسهم في الحرم المكي، ومنهم من يأتي اليه في خزانته العامرة، وقد ذكرت أبرزهم في ترجمتي له.
إجازة الصاع النبوي
والمدّ النبوي
الشيخ مجاز بهما عن جماعة من شيوخه، وعلى رأسهم والده المحدث عبدالحق الهاشمي، ورأيت في خزانته «المد النبوي» الخاص بوالده رحمه الله، وهو مصنوع من النحاس، وقد نحت عليه من الخارج الإسناد من والده، الى الصحابي الجليل: جابر بن عبدالله رضي الله عنه، الى النبي صلى الله عليه وسلم وكل واحد من رجال الإسناد قاس مده بمد شيخه، الى جابر بن عبدالله رضي الله عنه، الذي قاس مُدّه بمدَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وقد كانت النية بيننا على الإجازة بهذين السندين، بعد إحضار المد والصاع، ولكن حصاد التسويف مر. وإسناد المد النبوي لا يخلو من مقال.
أعماله
عمل مدرساً في «المسجد الحرام» سنين عديدة، وعمل في «مكتبة الحرم»، وشغل رئاسة التصحيح بجريدة «البلاد السعودية، ثم البلاد، والرائد وغيرها».
وأسهم في الصحافة بقلمه نحو خمسين عاماً.
وأخيراً شغل وظيفة مراقب في «وزارة الإعلام» منذ كانت «المديرية العامة للإذاعة والصحافة والنشر»، كما قدم عدة برامج إذاعية، من اشهرها، «حديقة اللغة، وسير الصحابة، وبرنامجه اليومي المعروف «شواهد القرآن»، والذي يبحث في تحليل المواد اللغوية في القرآن الكريم.
مذهبه: من لقبه وشهرته يتبين أنه ظاهري، على مذهب ابن حزم رحمه الله.
علماً بأنه على غير جمود ابن حزم، فيخالفه في بعض المسائل الى رأي الجمهور، ومن ذلك حكم الشرب واقفاً، فالشيخ يرى الكراهة، خلافاً لإمامه ابن حزم، ويقول: «ثبت شرب النبي صلى الله عليه وسلم واقفاً، فيُحمل حديث مسلم على الكراهية التنزيهية».
شعره
الشيخ أبو تراب ممن يقول الشعر ويجيده، وله في ذلك صولات وجولات. وسيأتي ضمن مؤلفاته أن له ديوانين شعريين، هما:
«بث الكث في الغث والرث»، و«لقلقة القمري»
نماذج من شعره:
له قصيدة رائعة بعنوان «هواتف الضمير» يقول في مطلعها:




خلوت إلى نفسي لأسكب عبرتي
فقد آب رشدي في الصيام لتوبتي
رثيت لحالي بعد شيبي وقد جرت
عواصف آثام يُشعِّثن لمتي
وقد ضاع عمري لاهياً لا انتباهة
ولا يقظة من بعد نوم وغفلتي
تقلبت في النعماء دهراً أذوقها
نسيت بها البؤس وذُلِّي وشقوتي
فهل قمت بالشكر الذي كان واجباً
عليَّ وهل جانبت موطن زلتي


وقال في مطلع قصيدته «ابتهال»:



عبد ببابك قد أتى يتذلل
حيث التذلل في جنابك اجمل
عبد أثيم أثقلته ذنوبه
فأتاك يعثر في خطاه ويوجل
ولى له ماض بأوزار غدت
سودا كمثل الليل بل هي أليل
يبكي على ما فاته متحسرا
وسواك ليس له إلهي موئل


خِزانته العلمية
الشيخ مولع بالكتاب، واقتنائه، وبدأ في الشراء منذ وقت مبكرٍ جداً، ولا يزال يسأل عن اخبار الجديد في عالم المطبوعات، ويشتري كل ما يطبع أولاً بأول الى آخر لحظة في حياته رحمه الله.
وآخر احصائية لكتبه تقول: إنّ خزانة أبي تراب الظاهري تبلغ «500 ،16» ستة عشر ألفا وخمسمائة كتابا.
وهي مجموعة علمية ضخمة، ولا سيما اذا عرفنا أنّها ملك لشخص دون غيره، وهي بحق من أكبر المكتبات الشخصية.
ومن خلال التجول في مكتبته أقول:
مكتبة غنية بفنون المعرفة في: الدين، واللغة، والأدب، والتاريخ، والطب، و…
كما يوجد فيها مخطوطات مختلفة، منها أصلية، ومنها ما نسخها إما في «مصر» او غيرها، ويوجد بعض هذه المخطوطات على شرائح ميكروفيلم.
وتحتوي مكتبته على الكثير من الكتب القديمة والنادرة.
كما تحتوي على أكثر من نسخة من بعض الامهات بطبعات مختلفة، واكثر كتبه طبعة اولى.
والكثير من الكتب في «خزانته» لا تخلو من تعليقات كثيرة، إما تعقيب، او تذييل، او تأييد على كلام اهل العلم، تدل على سعة اطلاعه.
وقد طالعت بعضها في: «لسان العرب»، و«القاموس المحيط»، و«الاصابة»..
والشيخ يريد ان تكون «خزانته» بعد موته (وقفاً) على طلاب العلم، هكذا حدثني اكثر من مرة، وكانت امنيته في حياته ان تشتري الدولة لها مقرا في جدة، وتوضع فيه لتكون في متناول طلاب العلم.
وهي بحق خزانة عامرة، وعسى ان يكون في مقالي هذا نداء لمن يلبي أمنيته قريباً ان شاء الله.
إنتاجه العلمي
للشيخ نحو خمسين كتابا، في مختلف الفنون، «الحديث، والسيرة، والتراجم، والنحو، والأدب، والشعر، والنقد» ويلاحظ ان الصبغة الادبية طاغية على تأليفه، كما له تعاليق، ومراجعات على كتب شتى.
وقد طبع من مؤلفاته نحو خمسة وعشرين كتابا، وهذا مسرد موجز عنها، وفي ترجمتي له ذكرت وصفا كاملا لكل كتاب:
1 أدعية «القرآن» و«الصحيحين»، جمع فيه الادعية الواردة في «القرآن الكريم»، و«صحيح البخاري»، و«صحيح مسلم»، طبع بحجم الجيب لسهولة حمله سنة: «1413هـ».
2 آراء المتقدمين في الادب.
3 الاثر المقتفى لهجرة المصطفى صلى الله عليه وسلم نشرته «دار القبلة» «جدة» وطبع سنة: «1404هـ».
4 «اصحاب الصفة»، ظهر منه الجزء الاول «112» صفحة، من الحجم الصغير، وشمل على «95» صحابيا، وطبع سنة: «1404هـ».
5 «اضمامة ذهول العقول فيما رثي به الرسول صلى الله عليه وسلم» «7» صفحات، جمع فيه بعض ما قيل في الباب، اضافة لما ورد في كتابه «ذهول العقول» الآتي، وهو مطبوع بآخره.
6 «اعلام أهل الحاضر برجال من الماضي الغابر»، في التراجم، طبع المجلد الاول منه سنة: «1405هـ»، عن دار القبلة.
7 «الاقاويق».
8 «إلقام الكتاب» لم يطبع.
9 «الأوباد والأسمار».
10 «أوهام الكتاب» طبع الجزء الاول سنة: «1403هـ».
11 «بث الكث في الغث والرث» ديوان شعره في مجلدين ضخمين، ولم يطبع.
2 1 «تأنيس من أقبل على القربات».
13 «التحقيقات المعدة بحتمية ضم جيم جدة»، له القسم الثالث منها، طبع سنة: «1385هـ».
14 تخريج: «مسند أبي يعلى الموصلي».
15 تخريج: «منتقى ابن الجارود».
16 «تذكرة المتزود».
17 «تفسير التفاسير».
18 «تفسير ما يخفي من كلمات القرآن»، تحت التأليف، وهو آخر ما كان رحمه الله يكتب فيه، ابتدأه في: «7/10/1422هـ» ولم يتمه.
19 «تناقض الفقهاء» لم يطبع.
20 حاشية على: «المنتقى» لابن الجارود لم يطبع.
21 «الحديث والمحدثون» مطبوع.
22 «الحواضر والخواطر».
23 «دلائل النبوة للبيهقي»، علق على الجزء الاول.
24 «ذهول العقول بوفاة الرسول صلى الله عليه وسلم»، نشرته دار القبلة، عام «1404هـ، ويقع في «186» صفحة، من الحجم العادي.
25 «سرايا رسول الله صلى الله عليه وسلم»، نشرته: «تهامة» بجدة، ويقع في «549» صفحة، من الحجم العادي، طبع عام «1404هـ». ووضع الشيخ في آخره، فهرسا بتعقباته على من سبقوه، بلغت «123»، ما بين تعقيب، واستدارك، وتصحيف، ووهم، وتعليق، وخطأ لغوي، وفائدة، وتوجيه، وتنبيه.
وهو كتاب جليل، حافل بالتعليقات، والنقد، فضلا عن كثرة النقول في الموضوع.
قال الشيخ، الاديب: علي الطنطاوي رحمه الله في تقريظه لهذا الكتاب:
«هو خزانة علم، يجب ان يكون في كل بيت» أ.هـ.
26 «سير الصحابة»، ويقع هذا الكتاب في «اثني عشر» مجلدا بخطه، وهو في اصله برنامج كان يقدمه في «الاذاعة»، ثم توقف عنه.
27 «شواهد القرآن»، وهو من أعجب كتبه، وأمتعها، وهو في أصله برنامج يومي يقدمه في الاذاعة، ولم يكمل، وقد بلغ فيه الى المجلد السادس، وطبع منه المجلد الاول سنة: «1404هـ»، والمجلد الثاني سنة: «1409هـ».
28 «صفة الحجة النبوية»، طبع سنة: «1404هـ.
29 «الغزوات الأربع: بني قريظة بني النظير خيبر بني قينقاع» مطبوع.
30 «فتكات الأسد في مقاعد القتال بأحد» «229» صفحة، من الحجم العادي، نشرته «دار القبلة»، طبع سنة: «1405هـ».
31 «فصل أهل البيت وحقوقهم»، لشيخ الاسلام ابن تيمية، قدم له، وعلق عليه، وذلل عليه بأحاديث، ويقع في: «161» صفحة، من الحجم الصغير، نشرته : «دار القبلة»، سنة: «1405هـ».
32 «قوانين التصريف والعوامل النحوية»، طبعته «مطابع سحر»، سنة: «1416هـ».
33 «قيد الصيد»، طبع سنة: «1402هـ».
34 «كبوات اليراع»، طبع الجزء الاول سنة «1402هـ».
35 «كيف حج رسول الله صلى الله عليه وسلم» مطبوع.
36 «لجام الأقلام»، طبع في «تهامة»، عام: «1402هـ».
37 «لقلقة القمري»، ديوان شعر، لم يطبع.
38 «ما لقي رسول البرايا صلى الله عليه وسلم من الأذايا والبلايا»، نشرته «دار القبلة»، بدون تاريخ طبع، ولم يصدر منه سوى الجزء الاول فقط في «108» صفحة، من الحجم العادي.
39 «المستدرك».
40 «المنتخب من الصحيحين» جزء واحد، نشرته «دار القبلة».
41 «منتخب الصحيحين للنبهاني»، علق عليه، والنبهاني هو: يوسف بن اسماعيل النبهاني، وهو مطبوع.
42 «الموزون والمخزون»، نشرته: «تهامة»، سنة: «1402هـ».
43 «النحو والنحاة».
44 «الهوامش والتعليقات».
45 «وفود الاسلام»، طبع سنة: «1404هـ.
كما راجع الكثير من الكتب، منها:
«الرواة الذين وثقهم الإمام الذهبي في ميزان الاعتدال»، لمحمد شحاذة الموصلي، طبع سنة: «1406هـ».
اضافة الى مشاركاته في: «التلفاز»، و«الاذاعة»، و«الاندية الأدبية»، و«المجلات»، و«الصحف»، وهي مشاركات علمية وأدبية، ومن ذلك برنامج قدم في التلفزيون عن «مادة الضحك في اللغة والأدب».
الكتب التي نسخها بيده
استفاد شيخنا رحمه الله أثناء رحلاته في أمور عدة، منها قيامه بنسخ الكثير من الكتب، إما له، أو بطلب من أبيه، ومما نسخه بيده: «المصنف» لعبد الرزاق، و«المصنف» لابن ابي شيبة، كاملين، و«انتقاض الاعتراض» للحافظ، كاملا، وهو رد الحافظ ابن حجر رحمه الله، على العيبي في شرحه للبخاري: «عمدة القاري»، و«المعجم» للطبراني، والجزء الاول من كتابي ابن عبد البر: «التمهيد»، و«الاستذكار»، ونسخ أجزاء من كتاب «العلل» للدار قطني.
ثناء من عرفوه
قال عنه محدث الديار المصرية، الشيخ: احمد بن محمد شاكر رحمه الله:
«هو بارقة في علم الحديث، والرجال، ناقد ذو فهم» أ.هـ.
وقال عنه الشيخ الباقوري:
«العلم ملء إهابه، والأدب يمشي في ركابه».
وقال عنه فضيلة الشيخ عبد الله بن عبد الغني خياط، امام وخطيب: «المسجد الحرام»، وعضو «هيئة كبار العلماء»، و«مجمع الفقه الاسلامي» رحمه الله:
«هو نادرة هذا الزمان في: اللغة، والحديث، والفقه» أ. هـ.
وقال أبو عبدالرحمن بن عقيل الظاهري:
«هو مهر سباق، لا يبارى» أ.هـ.
كما أثنى عليه غيرهم من: العلماء، والأدباء، والمفكرين، أمثال:
عبد الرحمن المعلمي في مقدمة تحقيق «الإكمال» «1/50»، ومحمد عبد الرزاق حمزة، ومحمد نصيف، ومحمد سرور صبان، وحمد الجاسر، وعبد القدوس الانصاري، واحمد محمد جمال، وعبد العزيز الرفاعي، و…
ما تميز به الشيخ
ان كان لشيخنا باع في الحديث، والفقه، والتاريخ، والنحو، و.. الا ان علم «اللغة العربية» هو الذي تميز به من بين معاصريه، وهذا ما اشتهر به، ومؤلفاته ومقالاته وبرامجه الاذاعية تشهد بذلك، ولا أعلم ان احدا مثله في عصرنا في اللغة وعلومها، لا في الشعر والأدب، ولا النحو والصرف، ولا اللغة وفقهها. بل تميز الشيخ بكثرة استخدام شوارد اللغة وغريب الألفاظ، حتى انه ليكتب الرسالة الواحدة، ولا يستطيع أحد قراءتها من غير الرجوع الى معاجم اللغة الموسعة.
كل يؤخذ من قوله ويرد
كان للشيخ رحمه الله بعض المسائل قال فيها بقول ابن حزم رحمه الله، فسبب ذلك فجوة بينه وبين بعض معاصريه، وهذا نابع من انتسابه للمذهب الظاهري، في وقت لا نجد من ينتسب اليه، والشيخ يعلن ذلك، بل اختار لنفسه هذا الاسم: «أبو تراب الظاهري»، ولا يعرف الا به.
ومعروف لدينا نظر العلماء قديما وحديثا الى هذا المذهب، بل قد وسمه بعضهم بالشذوذ، ولم يعدوا خلاف ابن حزم رحمه الله في المسائل الإجماعية خرقا للإجماع، بل مر زمن حرقت فيه مؤلفاته، واكثر العلماء من الرد عليه، والقسوة عليه، اما في حياته، او بعد مماته، والى وقتنا هذا.ولاشك في ان ابن حزم امام مجتهد، من ائمة الدنيا، ومن نوادر ما عرف الزمان في العقل، والعلم، وكان يتوقد حكمة، وذكاء. ولعل من اشد ما اغضب الناس عليه، هو تشدده في القول بالظاهر، وتشدده في الرد على خصومه، ولا سيما: أبي حنيفة، ومالك رضي الله عنهما، بل اشتد النكير عليه، عندما قال عن الإمام: أبي عيسى، محمد بن سورة، الترمذي، صاحب: «السنن»: «مجهول»!.
ويعلم الله بأني لم ارد التنقص من قدر ابن حزم رحمه الله، فهو كما قلت من أئمة الدنيا، ولكن سقت هذا الكلام لأبين نظرة الناس اليه، ومن ثم نعلم سبب انتقاد بعض معاصري أبي تراب لانتسابه لهذا المذهب.
ولكن عند مجالسة الشيخ «أبي تراب»، ومناقشته في بعض المسائل يتبين أنه لا يقول بالظاهرية جملة وتفصيلا، بل يخالف ابن حزم في بعض المسائل. كما انه ذهب الى ما ذهب اليه عن اجتهاد، فإن اصاب فله اجران، وإن أخطأ فله أجر.
ولا أظن ان الخلاف في الفروع، يبرر الوقوع في أعراض المسلمين.
قصة وفاته
الشيخ مع كبر سنه، إلا أنّه قليل الحركة، بسبب اعتكافه في «خزانته»، وقد تعب في آخر حياته جدا، وتوالت عليه الامراض بسبب الشيخوخة، وفي صباح يوم السبت الموافق 21/2/1423هـ طلب من خادمه مساعدته للوضوء، وقد احس ببطء في حركته، وبعد عودته الى فراشه، شعر بأن قدميه توقفتا عن الحركة، بعدها لفظ أنفاسه الاخيرة، قابضا بأصابع كلتا يديه مشيرا بالسبابة، على الهيئة المعروفة عند ذكر الحي الذي لا يموت سبحانه. عندها اتصل الخادم بأخي الاستاذ علي الشمراني، والذي أحضر الطبيب، فأخبرهم بوفاة الشيخ رحمه الله.
وقد صلي عليه فجر يوم الاحد، ودفن بمقبرة المعلاة بمكة المكرمة.
وهكذا سقطت السارية العتيقة، والتي كبرت وارتفعت حتى أدركت أكثر من عصر.
نعم.. سقطت سارية عاشت في غير وقتها.
و«إن العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول الا ما يرضي ربنا، وإنا بك يا أبا تراب لمحزونون»، ولا حول ولا قوة إلا بالله، الحي الذي لا يموت.
ملامح من سيرته
كان رحمه الله محباً للمجالسات، والمذاكرات العلمية، وهذا أهم ما يميزه.
كثير القراءة، ومتابع لأخبار الكتب، وكان كثيرا ما يتصل بي في «الرياض» ليسألني عن الجديد، فاشتريه له.
اذا غضب، فانه سرعان ما ينسى ويتسامح.
يحب سماع الفوائد العلمية، ولو ممن هم اصغر منه سنا، وأقل منه علما.
محب لطلاب العلم.
كريم جدا، ولا يرد لأحد طلبا.
محب للمزاح، والضحك، وقد سمعت منه قصصا طريفة، وغريبة، من اخبار المحدثين، او من نوادر الفقهاء، او من بلاهات المخرفين، وعندي من ذلك طرائف وغرائب.
كان يحب البسطون العكاز ويعدد في أشكاله، وألوانه، وجمع منه عددا.
كان له ثلاثة من الرفقة في آخر حياته، لا يملهم، ولا يملونه، وهم: أخي الاستاذ علي بن محمد الشمراني، موظف رسمي، والسيد: أحمد بن عمر البيتي، رجل أعمال، والكابتن الطيار: عمر بن محمد البيتي، في الخطوط السعودية، وكان الاول، يساعده بانجاز أعماله ومراجعاته، اما الثاني فكان يرافقه في سفراته العلاجية، مرافقا ومترجما.
ومن رفقائه القدماء والدنا الأستاذ: عبد الله بن عمر خياط، الكاتب المشهور، وصاحب «مطابع سحر» وكان كثير الثناء على معالي الاستاذ: مصطفى ادريس الذي وقف معه في بعض ازماته الدنيوية.
الجدير بالذكر أنّ «أبا تراب» ابن المحدث السلفي، الكبير: عبد الحق الهاشمي، المكي «1302 1394هـ»، صاحب المصنفات العديدة في: التفسير، والحديث، والفقه، ورأيت جلها بخطه، في مكتبة ابنه، منها: ثبت بمروياته كبير، وصغير، واقامة الدليل على أنّ اختلاف الأئمة في التحريم والتحليل لا يوجب التضليل، والتعليق الربيح على أبواب الجامع الصحيح، وتفسير القرآن والسنة، والحجر البقي لكسر الجوهر النقي، وخروج المكي الى الحرم، ورجال الموطأ والصحيحين، وشرح صحيح البخاري، وفتح العلي الخبير في شرح المسند الحنبلي الكبير، وفهارس مسند الامام احمد، وقمر الاقمار بما في البخاري من الأحاديث والآثار، ولب الألباب في تحرير التراجم والأبواب «على أبواب صحيح البخاري»، والمسند على الصحيحين، ومصنف الصحيحين، ووضع اليد بعد الركوع.

عبد الله بن محمد الشمراني
الرياض: ص . ب 103871 الرمز: 11616
shamrani45@hotmail.com

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قال أبوعبدالرحمن : جزاك الله خيراً الجزاء على هذه الترجمة الطيبة الكريمة لشيخنا العلامة أبي تراب الظاهري رحمه الله تعالى وأسكنه فسيح جناته مع النبين والصديقين والشهداء ،وارض عنه يارب العالمين . واذكرك بالقول : ما المانع أن يكون ظاهريا ويرد على ابن حزم وغيره ، فإن أبرز سمات الاخذ بالظاهر والإتباع ترك التعصب والتبعية والتقليد الاعمى .

مقدمة الراغب الأصفهاني ( ت 502 هـ ) في التفسير…

بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة الراغب الأصفهاني ( ت 502 هـ )

وصف موجز : مقدمة التفسير للراغب الأصفهاني ( ت 502هـ )
إعداد : أحمد بزوي الضاوي
أستاذ التعليم العالي مساعد
شعبة الدراسات الإسلامية
كلية الآداب و العلوم الإنسانية
جامعة شعيب الدكالي
الجديدة
المغرب
يعتبر هذا الكتب من أهم ماكتب في أصول التفسير و قواعده .
وصف مفصل :
مقدمة التفسير للراغب الأصفهاني ( ت 502هـ )
تعتبر هذه المقدمة من أهم ما كتب في أصول التفسير و قواعده ، ومن ثم فهي في اعتقادي بالغة الأهمية بالنسبة للباحثين في أصول التفسير وقواعده، والعالمين على صياغة نظرية متكاملة في التفسير.وأنا أعمل على تحقيقه، و في انتظار الفراغ من ذلك ارتأيت إهداء نسخة منه للقراء ، وهي طبعة قديمة توجد نسخة منها بدار الكتب المصرية ، و قد قمت بنسخها بواسطة الماسح الضوئي ، و هي هديه لطلبة العلم و الباحثين .
محاور المقدمة :
1- الاشتباه في الكلام المفرد و المركب .
2- أوصاف اللفظ المشترك .
3- أسباب الاشتراك.
4- آفات التواصل .
5- أسباب الاختلاف .
6- كيفية بيان القرآن
7- الفرق بين التفسير و التأويل .
8- أوجه التعبير عن المعنى.
9- الحقيقة و المجاز.
10- العموم و الخصوص .
11- الأسباب اللغوية للخلافات العقدية .
12- مخالفة الظاهر .
13- العلم المطلق .
14- الدليل القرآني .
15- النسخ
16- الفرق بين النسخ و التخصيص .
17- هل في القرآن ما لا تعلمه الأمة ؟.
18- حكمة المتشابه .
19- شرف علم التفسير.
20- علوم الآلة التي يحتاجها المفسر .
21- المشترك اللفظي .
22- إعجاز القرآن .

رابط التحميل
http://www6.rapidupload.com/d.php?fi…filepath=18957

و عن طريقة التحميل ، إضغط على الرابط أعلاه ، بعد ظهور صفحته ، اضغط على عبارة :
Download file
الموجودة في أعلى الزاوية اليسرى (كما في الصورة المرفقة ) و سيبدأ التحميل .

تعابير أوروبية في العربية الحديثة

بسم الله الرحمن الرحيم
بسم الله الرحمن الرحيم وأفضل الصلاة وأتم التسليم علي سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين,
أما بعد:

بدأ الغرب يقترب من المشرق العربي في مطلع هذا القرن , ومما لاحظناه أخذ المشرق العربي بهذه الحضارة ,حيث تأثر بعضهم بافكار الغرب وطريقة معيشتهم , وفي كثير من جوانب حياتهم اليومية , وصار العربي يقرأ ثمرات الفكر الأوروبي في اللغات التي كتبت بها,فوجدنا أساليب كثيرة في العربية لم تكن الا وليدة الترجمة , هذه الأساليب غريبة عن العربية فهي بنت ظروف وأحوال اجتماعية لم توجد في المشرق العربي .
أما القارىء العربي فقد توهم وهو يقرأ صحيفته اليومية أن الذي يقرؤه عربي لا يعتوره الدخيل , ولم يقتصر الأمر على القارىء الذي لا يعنيه أمر العربية ,بل خفي ذلك على القارىء الفطن المختص ,فقد تجاوزت هذه الاساليب لغة الصحافة السائرة الى المقالة الادبية الحديثة.
واليك بعض الأساليب كما هي مثبتة في بعض المجلات والصحف والكتب الحديثة :

دموع التماسيح : وهذا وهي ماخوذة من التعبيرالفرنسي:IL PLEURE AUX LARMES DE CROCODILE
ابتسامة هادئة ,وهذا من الفرنسية:SURIRE CALMومن الانكليزية: Calm smile
يمثل الرأي العام:وهو في الانكليزية :represent public opinion
لقتل الوقت: مأخوذ من الانكليزية :to kill the time
يلعب دوره:في الانكليزية :He plays his partوفي الفرنسية:Il jouse son role
وهناك العديد من الأساليب :أعطى وعدا ,أعطى صوته,حجر عثرة, لعب ورقته الأخيرة ,أعطاه ورقة بيضاء ,يلعب بالنار
توترت العلاقات وغيرها كثير
هذا البحث مقتبس من كتاب فقه اللغة المقارن(بتصرف) .للدكتور ابراهيم السامرائي
وهذا البحث لا يدل على رفض الدخيل بالمطلق ,وانما سجلت هذه الاساليب اخذا بالمنهج العلمي وخدمة للعربية واظهارا للأطوار التي تجتازها الكلمة عبر العصور وما يجد ويستحدث بها